2012/07/04

أفلام الرسوم المتحركة صناعة نفكر فيها ولا نقدم عليها
أفلام الرسوم المتحركة صناعة نفكر فيها ولا نقدم عليها

خمس الحواس - اسامة عسل

أصبحت أفلام الرسوم المتحركة (الكرتون والأنيمشن) من الأعمال السينمائية التي شهدت تطورا كبيرا من الناحية الفنية والتقنية وتصدرت قائمة إيرادات

شباك التذاكر عالميا، فمثلا يشهد العام الحالي تنافس فيلمي (كيف تدرب تنينك؟) و(قصة لعبة 3) على جوائز الأوسكار تماما مثلما شهد العام الماضي

الرصيد الأكبر من تلك النوعية (20 فيلما) منها «لينكس المفقود» و«أستر بوي» و» كورلاين» و«الكوكب 51» و«الأميرة والضفدع» و«أب» الذي حصد جائزة

الأوسكار لعام 2010 كأفضل فيلم بالإضافة إلي جائزة الموسيقى التصويرية، وكان العمل نفسه قد عرض في افتتاح «مهرجان كان» في سابقة تؤكد ليس

فقط جودة وأهمية الفيلم بل التقدير والاحترام الذي أصبحت تناله الرسوم المتحركة داخل الوسط السينمائي والمهرجانات الدولية

وتستعد هوليوود في 2011 إلي إطلاق أكثر من فيلم أنيمشن مثل «ألفين والسناجب 3» و«باندا كونغ فو 2» وهي من ضمن سلاسل الأفلام التي لفتت

النظر بشدة إلي أن هذا الفن الذي بدأ مجرد مغامرات ملونة لطيفة للأطفال وصل إلي أن أصبح محل إعجاب واهتمام قطاعات مختلفة ومتنوعة من

المشاهدين، وانتقلت تلك الأفلام من تصنيف «أفلام الأطفال» إلي تصنيف آخر يصفها بأنها «أفلام العائلة»، وقد تطورت موضوعات أفلام الرسوم المتحركة

ودخلت حبكاتها كثيرا من الحكايات التي تثير إعجاب الكبار، وبعضها احتوي علي قدر من العمق والفلسفة مثل «شريك» و«بي موفيز» و«السماء تسقط لحما».

وقد ساهم التطور الذي تشهده تقنية العرض السينمائي بتكنولوجيا التصوير ثلاثي الأبعاد في صنع طفرة في تنفيذ أفلام الرسوم المتحركة التي كانت قد

شهدت طفرة في التسعينيات بدخول الكمبيوتر وبرامج الجرافيك التي نقلت الرسوم المتحركة من عالم الرسم والتلوين على الورق، إلى برامج الكمبيوتر

المتقدمة التي تقدم للفنان التقنية والبدائل المتنوعة لصنع فيلم كرتون مختلف يحتوي على رسوم دقيقة وتحريك متقن ومحاك للطبيعة، بالإضافة إلى

وصول الرسوم إلى درجة من الدقة والإبهار حيث أصبحت الشخصيات الكرتونية تبدو كأنها كائنات واقعية، فينتقل المتفرج معها إلى رحلة مع عالم سحري يبدو حقيقيا.

وإذا كانت أفلام الكرتون تعطى الطفل فرصة الاستمتاع بطفولته وتفتح مواهبه وتنسج علاقاته بالعالم حوله، فإن هناك الكثير من الرسوم المتحركة التي

تحرك قدراته ومخيلته على التأمل والإبداع مثل «ويل إي» و«الأسد الملك» و«أليس في بلاد العجائب»، فلم تعد فقط مجالا للتسلية بل أصبحت من أهم

روافد تنمية أجيال الصغار خاصة في ظل وجود تقنيات جديدة ساعدت على توسيع هذا الخيال، ما دفع كبريات شركات الإنتاج في هوليوود إلى التوسع في

تقديم تلك النوعية بتكلفة فاقت أحيانا الـ50 مليون دولار، لتصبح خلال السنوات الأخيرة صناعة ضخمة ومصدر هام من الأرباح في إيرادات شباك التذاكر

ورغم وجود بعض المحاولات في عالمنا العربي لمحاكاة تلك الصناعة إلا أننا عاجزين عنها سينمائيا ونتأرجح في التشبث بها تلفزيونيا من خلال أعمال تشير

إلى أن سوق الرسوم المتحركة العربية لم يصل بعد إلى صيغة إنتاج أفلام رسوم متحركة، والأسباب التي تعيق ذلك كثيرة منها التسويق والتكلفة والتمويل

والكوادر الفنية ومنظومة الإدارة والموضوعات المكتوبة بطريقة احترافية مع أن تراثنا ممتلئ بالعديد من الأفكار الرائعة، والأهم فلسفة التعامل مع تلك الصناعة

مثل أي صناعة أخرى لضمان توافر عناصر النجاح إليها

وفي السطور التالية يسلط (الحواس الخمس) الضوء على هذا الجانب من خلال آراء صناع الأفلام والنقاد والمهتمين حول معطيات ومعوقات أفلام الرسوم

المتحركة باعتبارها منصة حيوية لنمو السينما في مجال نفكر فيه ولا نقدم عليه

ما تقدمه الدول العربية في مجال أفلام الرسوم المتحركة سينمائيا يقف عند الرقم (صفر) أما ما تنتجه تلفزيونيا من مسلسلات في هذا المجال فلا يساوي

شيئا أمام ما تنتجه البلدان الغربية أو الأجنبية، فاليابان مثلا التي تتميز بصناعة أفلام الأطفال تنتج لوحدها حوالي مائة فيلم في العام وكذلك كندا، أما

استوديوهات (والت ديزني) التي تسمى بمدينة الأحلام فيشتغل في هذا النوع فقط من الأفلام أكثر من55 ألف موظف يعملون جميعهم من أجل إنتاج

أعمال الرسوم المتحركة، ومن ثم فإن دراسة واقع أفلام الرسوم المتحركة في الوطن العربي يفيد في بذل الجهود من أجل النهوض بهذا الفن، الذي يعد

خلال السنوات العشر الأخيرة أكثر الأعمال جاذبية للأطفال كما يلقى قبولا واهتماما من الكبار أيضا

رسالة ثقافية

يرى المؤلف والسيناريست محمد حفظي أن أفلام الرسوم المتحركة الموجهة للطفل تمثل جزءا لا يتجزأ من الحديث عن مشكلات الطفولة في المجتمع

العربي عموما، بدءا من أدب الأطفال وانتهاء بواقعهم على كافة الأصعدة، وبالتالي يصبح الإصرار على إيجاد أفلام الرسوم المتحركة المنتجة محليا، ينبع من

اعتبارين مناهضة أفلام الرسوم المتحركة الأجنبية التي تعمل أحيانا على تشويه فكر وسلوك وقيم الأطفال العرب، ثم الاهتمام بالواقع العربي وخصوصيته

من أجل توجهات في مجال جديد يشكل بالنسبة للعاملين في السينما علما ومعرفة وخيالا وقيمة تساعد على صنع حالة حراك للفن السابع وإبداعاته المتعددة.

ويضيف حفظي قائلا: ولأن الأدب هو نتاج الفكر والمعتقد فإنه من المؤكد أن يتأثر نص الفيلم والسيناريو بثقافة وعقيدة الكاتب ونظرته للحياة، ومن هنا تأتي

أهمية إنتاج أفلام الرسوم المتحركة الخاصة بنا بعيدا عن أفلام الكرتون والثقافة الواردة إلينينا، وبالتالي لا بد أن نواكب العالم ولو في جانب إنتاج أفلام

الأنيمشن التي تواكب التطور المذهل في عالم تقنية المعلومات

ويعتبر حفظي أن أفلام الكرتون رسالة تثقيفية وحضارية فيقول: إن أي منتج ثقافي، مهما تنوع مرسلوه أو المرسل إليهم، هو رسالة حضارية وثقافية تحمل

مضمونا معينا يراد تبليغه، وتظهر فيه البصمات الحضارية الخاصة ويحتوي تراثنا على العديد من القصص والحكايات التي تحمل رسائل إنسانية وأخلاقية يمكن

أن تبهر الآخرين الذين يأخذون أحيانا منا لكن بتصرف ويعيدون إرسال ذلك لنا بأنماط وأشكال مختلفة

ويوضح محمد حفظي أن أهم خصائص أفلام الكرتون هي البساطة والتشويق والجمال والترفيه إضافة إلى دعم القيم والأخلاق وتفجير الطاقات الإبداعية

للأطفال وإعدادهم لمواجهة المستقبل

صناعة متطورة

يؤكد المخرج أيمن كامل المتخصص في هذا المجال أن صناعة الرسوم المتحركة أصبحت متطورة، وقد سهلت برامج الغرافيك على صانعي الرسوم

المتحركة عملهم وثمة تجارب كثيرة في أنحاء العالم، لكننا في العالم العربي لا يزال لدينا معوقات تقف حائلا أمام طرح ذلك سينمائيا

ويضيف كامل قائلا: يشكل التمويل أحد المعوقات التي تحد من صناعة أفلام الكرتون، حيث لا تبدو قطاعات الإنتاج متحمسة لهذا الفن وترفضه لأنه مكلف

جدا يتعدى العشرة ملايين دولار ومن الصعب تسويقه، رغم أن هناك طاقات عربية تملك الإبداع والمقدرة ويمكن لها أن تتفوق على ما يقدمه الغرب من

أعمال، وهذا يفسر الاستعانة بالبدائل الغربية بعدما خلت الساحة العربية تقريبا من هذا الفن باستثناء إنتاج قليل يبرز على شاشات التلفزيونات فقط

ويشير أيمن كامل إلي أن إنتاج أفلام الرسوم المتحركة لا يقل أهمية عن أي إنتاج آخر، لذا من الضروري البحث عن وسائل لتسويق الأفلام الكرتونية العربية

تجنبا للوقوع في خسائر مالية تغلق الباب أمام ابتكار فتح هذا المجال، بالإضافة إلى توفير الدعاية الكفيلة بجذب الشخصية الكرتونية الجديدة المشاهدين

الصغار والكبار ومن ثم المنافسة وتغطية تكاليف إنتاجها، وبالتالي ستستمر صناعة أفلام الرسوم المتحركة تنمو ببطء أيضا بسبب العمالة المحدودة وسوق

التصريف غير المتفهمة والمحدودة والتي لا يمكنها المراهنة على مجال غير واضح تماما

الاستسهال تجاريا

ويلخص الناقد السينمائي فوزي سليمان مشاكل صناعة أفلام الرسوم المتحركة في الوطن العربي قائلا: تبدأ المشكلة من تخوف شركات الإنتاج للإقدام

على تنفيذ أعمال تحتاج إلي وقت وتكلفة كبيرة في ساحة إنتاجية تهدف إلى البحث السريع لدورة رأس المال وأرباحه ما يدفع الجميع إلى الاستسهال

تجاريا، بخلاف انعدام المؤسسات والشركات الإعلامية المروجة للفكرة، فمثلا في أميركا وقبل نزول الفيلم نرى المحلات والمكتبات قد بدأت في بيع ألعاب

وأقلام وقصص ودفاتر وملصقات عن الشخصيات الرئيسية بأفلام الرسوم المتحركة، الأمر الذي يجعل الطفل يتعلق أكثر بالفيلم وأبطاله فيقبل عليه، وبالتالي

فإن لدينا في عالمنا العربي نوعين من المؤسسات الأولى حديثة وتفكر في الإيرادات فقط والثانية ذات أهداف تربوية أو خيرية والتي تختلف عن المؤسسات

العالمية ذات الأهداف الربحية والإعلامية حيث تعمل جاهده على تقديم منتج يضمن لها استعادة ملايين الدولارات التي رصدتها لإنتاج أعمال الكرتون من

خلال خطة تسويقية واضحة المعالم سواء على شاشات السينما أو المحطات المتخصصة أو من بيع المنتجات الترويجية المصاحبة لطرح الأفلام، ومن ثم لا

نصدم عندما نعرف أن حجم الإنتاج السنوي لصناعة أفلام الرسوم المتحركة في أميركا وصل إلى 40 مليار دولار وحجم السوق لمنتجاتها المتنوعة وصل إلى 400 مليار دولار، علاوة على الدور الذي تلعبه في تحفيز صناعة البرمجيات والترويج للتقنية ثلاثية الأبعاد

ويوضح سليمان إلى أن العراقيل التي تواجه وجود أفلام عربية كرتونية، دفعت بنجوم السينما وخصوصا المصريين إلى التوجه لعمل دوبلاج الصوت للأفلام

الأميركية لتأكيد مقدرتهم على النجاح في حالة وجود المناخ المناسب لتلك الصناعة عربيا، ومن ثم نطقت أفلام ديزني بلسان عدد من نجوم التمثيل مثل

محمد هنيدي ويحيي الفخراني وعبد الرحمن أبو زهرة ومنى زكي وحنان ترك، وهو يعد انجازا كبيرا إذا علمنا أن ديزني ما زالت تطبع نسخة فيلم «سنو

وايت» الأولي من إنتاج عام 1937 بأصوات ممثلين مصريين شاركوا في دبلجة الفيلم في فترة السبعينيات، حيث قامت الممثلة فاطمة مظهر بالأداء الصوتي

لشخصية «سنووايت»، كما قام «عبد الوارث عسر» بأداء صوت الراوي وشاركت المطربة عفاف راضي بأداء الأغاني

تضافر الجهود

ويشير المنتج طارق بن عمار إلى أن تراجع السينما العربية بشكلها التقليدي يجعل السؤال عن أفلام الرسوم المتحركة يبدو نوعا من تضييع الوقت والصراخ

في صحراء غير مأهولة بالناس، حيث يسترسل قائلا: بعيدا عن شؤون وشجون تاريخ السينما في المنطقة العربية يبدو حال أفلام الرسوم المتحركة لا يسر

ولا وجود حقيقي له رغم وجود تجارب وفنانين موهوبين بالفعل يتمنون صنع فيلم كرتون عربي، لكن الأمر يحتاج أكثر من الأمنيات، يحتاج وجود صناعة قوية

يمكن أن تحول هذه التجارب إلى أعمال حقيقية، ويحتاج إلى وقوف مخرجين مهمين وكتاب سيناريو موهوبين خلف التجربة، والإيرادات المتزايدة التي

تحققها أفلام الرسوم المتحركة الأميركية الأخيرة تجعل السؤال عن فيلم عربي من هذه النوعية أمرا مشروعا تماما ومشجعا للمنتجين وشركات الإنتاج

إلى الإقدام على هذا المجال، رغم أن تكلفة فيلم الرسوم المتحركة تفوق تكلفة الفيلم السينمائي العادي، لكن سوق هذه الصناعة يحتاج في الوقت

الحالي إلى المغامرة وتضافر الجهود