2015/05/16

من العرض
من العرض

السفير - سامر محمد اسماعيل

عشر صفحات فقط هو عدد صفحات البروشور الخاص بالمسرحية الغنائية الاستعراضية «الطريق إلى الشمس مسرح الأوبرا السورية» فالعاملون في هذا العرض الذي أنتجته كل من وزارتي الثقافة والإعلام تجاوز عددهم المئتي فنان وفنانة وتقني.
حشد أراده مخرج «الطريق إلى الشمس» ممدوح الأطرش عودةً إلى العروض الضخمة، حيث تناقل بعض المقرّبين من كواليس هذه المسرحية أن كلفتها وصلت إلى حوالي خمسةٍ وثلاثين مليون ليرة سورية. رقم لا يمكن تصديقه في ظل ظروف الحرب التي تشهدها البلاد، خصوصاً أن أكبر وأهم العروض التي تدعمها الدولة السورية عبر برنامج «مديرية المسارح والموسيقى» لم يتعدّ في حدوده القصوى الخمسة ملايين ليرة.
المبالغ الضخمة والتحشيد لعدد كبير من الراقصين والمغنين والممثلين والموسيقيين وصناع الديكور ومديري الإنتاج؛ لم يجعل «الطريق إلى الشمس» سهلاً لا من ناحية صياغة مادته البصرية التي افتتح العرض بها؛ ولا حتى في الحكاية التي استأثر الفنان كفاح الخوص برواية معظم أحداثها على الخشبة؛ فالأخير كاتب النص والأشعار لعب دور الراوي منتزعاً زمناً كبيراً من أحداث قصته التي تبدأ منذ إعدام العثمانيين للمناضل «ذوقان الأطرش» والد زعيم الثورة السورية الكبرى؛ ووصية هذا لابنه سلطان الأطرش بمتابعة النضال من بعده ضد المستعمر الأجنبي.
حكاية تنسج ملابساتها من موقف الباص العمومي في أحد شوارع دمشق؛ حين يتدخل «الخوص» ويوزع الأدوار على رجال ونساء وأطفال ينتظرون حافلات الركوب العامة؛ فيتحوّل شرطي المرور إلى «قائد عسكر» والشحاذ إلى «والٍ عثماني» وبعدها إلى «الجنرال الفرنسي غورو» بينما يلعب البقية أدواراً متباينة في عودة قسرية إلى الماضي؛ تعِد هؤلاء أن «يسبقوا ظلهم» في حال فهموا العبرة من هذا العود في الأبد السوري.

مشهدية العرض التي زاوجت بمهارة حركية لافتة بين الرقص والموسيقى الحية لفرقة الفنان باسل صالح؛ وموسيقى الفنان طاهر مامللي، توازعت مستويات عدة من صياغة راقصة حققها الكريوغراف «معتز ملاطيه لي» وقدمها غناءً كل من « نورا رحال - ميثا» و «ميس حرب - زهرة» و «حسين عطفة - أسعد»، حيث لعب هؤلاء الثلاثة الأدوار الرئيسية لمسرحية بدا فيها الاقتباس عن المسلسلات التاريخية واضحاً من حيث تكريس شخصية «الوالي العثماني - والضابط الفرنسي - قام بأدائهما وسيم قزق»؛ حيث بدت حوارات هذا الأخير غير منطقية لجهة تشدّقه بأفكار ماركسية وهو من سلالة الباب العالي؛ فما الذي يبرر تكلم هذا الوالي عن أن «الحرب هي القابلة التي تولّد المجتمعات الحديثة من رحم المجتمعات القديمة»..!

دخول الفرنسيين إلى دمشق وانطلاق الثورة السورية الكبرى لا شك في أنها موضوعة مهمة للغاية؛ لكنها في «الطريق إلى الشمس» ذهبت نحو الحالة الزخرفية؛ لتبدو عناصر الفرجة هنا محض عناصر تزيينية وليست في بنية العرض، بل أدّى إلى اختلاط الأساليب الإخراجية وتضاربها على خشبة القاعة الرئيسية لدار الأوبرا؛ وهذا ما بدا واضحاً هو الآخر من إدخال سيارة تكسي في المشهد الأول وإدخال حصان في منتصف العرض؛ ناهيك عن استحضار مجسمّين كبيرين لبرج إيفل بباريس وعمود البرق في ساحة المرجة بدمشق.
مواجهة بين «غورو» و «يوسف العظمة» دللت على نهج لمسرح واقعي؛ بينما كان هناك حلول شرطية عدة تعامل معها مخرج العرض مثل قصف القرية بالطائرات، ومشهد «ثوب عرس زهرة» مما جعل الحضور الواقعي لكل من «الحصان وسيارة الأجرة وإيفل ونُصب البرق» نوعاً من البذخ الإنتاجي غير المسوّغ فنياً؛ إلا في إطار البهرجة الفائضة.
الإحالة على الحرب السورية بدت هي الأخرى معقّمة للغاية ومجتزأة؛ وذلك عبر مشهد ختامي يقف فيها الدخيل على يد حديدية؛ يتوعّد بالعودة وعدم قدرة أحد على محوه، فيجيبه الطفل «ريان شامية»: «أنا بمحيك»؛ وهذا ليس غريباً في «الطريق إلى الشمس» المسرحية الغنائية التي انتصرت لبطولات الأجداد؛ ونسيت ما يفعله الأحفاد اليوم بإرثها المجيد..