2012/07/04

الهم الفلسطيني في عيون ثلاثة سينمائيين أوروبيين
الهم الفلسطيني في عيون ثلاثة سينمائيين أوروبيين


تشرين

لم يعد الاهتمام بالقضية الفلسطينية قاصراً على السينمائيين العرب والأفارقة، بل امتد إلى صناع السينما الغربية، في ألمانيا وهولندا والنرويج وغيرها من البلدان الأوروبية،

وهذا ما تؤكده ثلاثة من أهم الأفلام الوثائقية الأوروبية التي حُققت في العامين الماضيين، والتي تجسد على الشاشة الواقع القاسي للشعب الفلسطيني وهموم وآلام وعذابات الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، والتي تشترك فيما بينها بخيوط درامية إنسانية واحدة تجمّع هذه الأفلام: «أطفال الحجارة ـ أطفال الجدار» للألماني روبرت كريغ و«وطن» للهولندي جورج سلاوزر و«دموع غزة» للنرويجية فيبيكي لوكيبيرغ.


«أطفال الحجارة ـ أطفال الجدار» للألماني روبرت كريغ

تنطلق فكرة الفيلم الألماني للمخرج (روبرت كريغ) بحمله صورة فوتوغرافية قديمة، كان قد صوَّرها عام 1989م، وعاد بها إلى مدينة بيت لحم عام 2010، باحثاً عن الأطفال الستة، الذين صوَّرهم خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لم يكن يجترح جديداً في عالم الفيلم الوثائقي، إذ سبق أن شاهدناها في العديد من الأفلام الوثائقية، ولكنه بالتأكيد كان على بوابة تحقيق فيلم وثائقي يتكامل مع منجزه الرائع؛ فيلمه «الانتفاضة طريق الحرية»، الذي كان قد حققه قبل عشرين عاماً، ولا يبتعد عن هموم فيلمه «جئت إلى فلسطين»، الذي عرضه في مهرجان أبو ظبي السينمائي الدولي 2009م.

يلقي (كريغ) الضوء على هؤلاء الشبان، وما آلت إليه حياتهم، ويكشف مشاهد العذاب والقهر اليومي ومعاناة الإنسان تحت وطأة الاحتلال والجدار العازل. ومن صورة فوتوغرافية واحدة، انطلق فيلم (كريغ) التسجيلي ليرصد التغيرات التي طرأت على سكان بيت لحم وعلى حياتهم وتفكيرهم بعد كل هذا الزمن.

يقول: «تناولت الجوانب الإنسانية بعيداً عن السياسة، كان الأهم بالنسبة لي أن أروي قصتهم، وأن أكشف القصص المثيرة والمهمة في حياتهم، فكل واحد منهم لديه قصته المثيرة».

وفي لقطة رائعة نرى الشباب وهم يدققون في الصورة لمعرفة المكان الذي صوّرت فيه، فيجدونه، ليبحث كلُ واحد منهم عن موقعه إلى جانب الآخر، كما في الصورة، ويرفع كل واحد منهم بيده شارة النصر، كما في الصورة، التي تدل كرمز على إيمانهم الطفولي بالنصر، وعلى الشارة كعلامة على التطابق بين الصورة الفوتوغرافية والصورة الفيلمية.

ذات يوم، وبينما كان المصور الألماني( رالف إيميريك) ينقب في أرشيفه، تقع صورة الصبية الستة في يده، فيتساءل أمام روبرت كريغ: «ترى، ما الذي حلّ بأطفال الحجارة؟» فيكون البحث عن مصير هؤلاء الأطفال وأين ذهبت حجارتهم مادة فيلم «أطفال الحجارة... أطفال الجدار». ينطلق (كريغ )مع طاقمه للبحث عن الصبية، واثقاً من أنه أصبحت لديهم الآن قصة أخرى تستحق أن تُروى.

لقد كبروا، وها هم يقفون على عتبة الثلاثين من أعمارهم، وكان عليهم في بداية الفيلم، وهم رجال الآن، أن يعودوا إلى الزاوية التي وقفوا فيها قبل عقدين من الزمان في بيت لحم، وهم صغار، وأن يتخذوا الوضعية نفسها، ويرسموا بأياديهم شارة النصر التاريخية! مدخل الفيلم يبدو مهندساً على نحو متعمّد، ذلك أن (كريغ) يستشعر مدى حاجة الجمهور إلى التواصل مع شخصيات الفيلم، الذين سنرافقهم في شق من حياتهم، وذلك من خلال صورتهم البعيدة بالأبيض والأسود، وهي صورة تبعث قدراً من البهجة في النفس، ومقارنتها بصورتهم الملونة اليوم، التي تظهر قدراً كبيراً من البؤس واليأس وبعض اللامبالاة.

يبدأ فيلم (أطفال الحجارة... أطفال الجدار)، من لحظة عثور (كريغ) على الأطفال، الذين سبق له أن صوَّرهم، قبل عشرين سنة، ليقفز بنا فوق مسيرة البحث عنهم، ريثما يلتقي أحدهم، وهو الذي سيكون المفتاح للوصول إليهم جميعاً

ويشتق (كريغ) الاسم الثاني لفيلمه من تلك الجدران الاسمنتية العازلة، التي تشبه كثيراً جدران السجون الكبيرة، وعبر رحلة بصرية توثيقية يقول لنا العمل: إن «أطفال الحجارة» صاروا اليوم رجالاً وأنجبوا أطفالاً، أطلق عليهم (روبرت كريغ) اسم «أطفال الجدار».

ويشار إلى أن المخرج، وفضلاً عن احترافه الإخراج السينمائي الوثائقي والتسجيلي، هو متخصص بعلم الاجتماع والصحافة وعلم الأجناس البشرية.

بدأ (كريغ) إخراج الأفلام التسجيلية في عام 1983م، وترأس في تسعينيات القرن الماضي جهوداً رامية إلى تطوير محطة فلسطينية للبث الإذاعي والتلفزيوني في القدس ورام الله، وفي عام 1997م أسس تلفزيون (العالم) بالاشتراك مع (مونيكا نولت)، أنتج وأخرج حتى اليوم أربعة أفلام عن فلسطين، هي: فيلم «الحرية.. ماذا يعني ذلك؟» في عام 1981 ـ 1982 الذي صور فيه الحياة اليومية والمقاومة في مخيمي الرشيدية وبرج البراجنة في لبنان قبل الاجتياح الصهيوني، وفيلم «الانتفاضة.. على الطريق إلى فلسطين» في عام 1989م الذي تعرف فيه إلى أطفال الحجارة والناس في مدينة بيت لحم، ودخل بيوتهم وصور ورشهم السرية. وفيلم «أتيت إلى فلسـطين ـ الطريق الآخر» في عام 1998م الذي خصصه لما يسمى (حركة رواد السلام في (إسرائيل)، وهم من أولئك اليهـود، الذين أجبروا على الهرب من ألمانيا وأوروبا الشرقية إلى فلسطين، وأسهموا في بناء (إسرائيل)، وأدركوا مع الزمن حقيقة الصهيونية واغتصابها فلسطين، وأخذوا يناضلون من أجل حقوق الفلسطينيين، في وقت كان ينظر إلى نشاطهم السياسي على أنه خيانة عظمى. وكان آخر أفلامه «أطفال الحجارة ـ أطفال الجدار».


«وطن» للهولندي جورج سلاوزر

ومن ألمانيا إلى هولاندا يسعى المخرج (جورج سلاوزر) من خلال فيلمه الوثائقي «وطن»، عبر رحلة استعادية إلى شخصيات ثلاثيته الوثائقية (1974 ـ 1988م) التي أنجزها عن عائلتين فلسطينيتين في الشتات، إلى توثيق شهادة حول قيام رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق (آرئيل شارون) بقتل طفلين فلسطينيين في مخيم «صبرا وشاتيلا» في لبنان عام 1982م

تدور أحداث فيلم«وطن»، الذي تميز بأسلوب فني يمزج بين الذاتي والموضوعي، عن رحلة استعادية يقوم بها المخرج لعائلتين فلسطينيتين دأب على تتبع مسيرتهما الحياتية مدة تزيد عن ثلاثين عاماً، ويتجول المخرج أثناء الفيلم في أمكنة مختلفة بين لبنان حيث المخيمات الفلسطينية والداخل الفلسطيني حيث تعيش إحدى العائلات الآن.

ويأتي فيلم «وطن»، جزءاً رابعاً وتتمة لسلسلة أعمال كان قد بدأ المخرج تصويرها عام 1974م، ورغم حالته الصحية المتردية قرر (سلاوزر) أن يمضي في هذا المشروع الذي كان يخطط له منذ فترة طويلة بعد أن مر بظروف صحية صعبة وبعد مواجهة شرسة مع الموت، «بعكازين جبت الأزقة المتعرجة في لبنان لإتمام الفيلم».

وينهي المخرج أحداث فيلمه بالقول «ليس هناك مستقبل لسلم مشترك»، في إشارة منه إلى أنه لا توجد نيات من الطرف الصهيوني في عملية السلام لحل المشكلة والدفع باتجاه السلام العادل، الذي ينصف الضحية ويعيد لها حقوقها الوطنية المشروعة.

وقد فاز الفيلم قبل عامين بجائزة أفضل فيلم وثائقي عربي أو حول العالم العربي مشاركة مع فيلم «شيوعيون كنا» للمخرج ماهر أبي سمرا، وذلك في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في مهرجان أبو ظبي السينمائي 2010م.

ومما جاء في توصيف لجنة التحكيم ـ آنذاك ـ  أن فيلم «وطن» فاز بهذه الجائزة «للمعالجة السينمائية الدرامية للزمن الحياتي في الزمن الفيلمي، ولرحلة الكاميرا في الذاكرة منذ 36 عاماً نحو الحاضر لترسم بورتريهاً تراجيدياً للشتات الفلسطيني».


« دموع غزة» للنرويجية فيبيكي لوكيبيرغ

يجسد فيلم «دموع غزة» ببراعة تثير الدموع مأساة غزة من خلال تناوله لتبعات الهجمات الوحشية الصهيونية الاجتماعية والنفسية وكيف أن نسيجاً اجتماعياً بكامله ينهار وسط صمت دولي محزن.

ويتناول الفيلم رواية الحرب من منظور ثلاثة أطفال (رمزية ويحيى وأميرة)، هم ضحايا الهجوم الصهيوني على قطاع غزة في نهاية عام 2008م وبداية العام 2009م، والتي راح ضحيتها حوالي 1400 شهيد يشكل الأطفال والنساء قسماً كبيراً منهم.

ويقدم الفيلم بحرفية عالية، ومتتاليات بصرية مؤلمة، عدة لقطات من المذابح التي نفذها جيش الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين.

كما تقدم ( لوكيبيرغ): في الفيلم جانباً من معاناة الأطفال الضحايا في المستشفيات، كما أجرت حوارات مع الأطباء والمسعفين

تقول (لوكيبيرغ): إن الهدف من فيلمها هو: «التركيز على البعد الإنساني والتأكيد على أن الضحايا الذين تعرضوا لجرائم بشعة في هذا الفيلم هم بشر لهم أحلام وآمال في الحياة لا تختلف عن سائر البشر ، لكنهم تعرضوا لجرائم بشعة تسعى (إسرائيل) إلى أن تتستر عنها وأن تخفيها عن الرأي العام الدولي».

ومما قالته الناقدة والكاتبة السويدية (ماريا باريوم لارشون) عن الفيلم: «إنه عمل يهز الوجدان الإنساني بعمق ويدحض كل شك يدور حول حقيقة ما ورد في تقرير جولدستون».

والجدير ذكره أن الفيلم نال عدة جوائز عالمية منها: «جائزة مهرجان الفيلم في غزة» و«جائزة مهرجان الجزيرة السينمائي»، و«جائزة أفضل أفلام مهرجان السينما الوثائقية الفلسطينية والعربية، مهرجان الأرض السينمائي»، الذي شهدته مدينة «كالياري» عاصمة جزيرة «سردينيا» الايطالية في دورته العاشرة في شهر آذار 2012م.

وقد جاء في حيثيات قرار لجنة التحكيم التالي: «لقد استطاع الفيلم بمهنية وتقنية سينمائية عالية أن ينقل مجزرة غزة بمشاهد حقيقية مؤثرة، كما وأظهر قدرة المصور على إظهار ما لا يمكن وصفه بالكلمات».