2013/07/07

«بقعـة ضـوء».. فن القصة التلفزيونية القصيرة بطولة جماعية لكوميديا انتصرت على وهم النجومية!
«بقعـة ضـوء».. فن القصة التلفزيونية القصيرة بطولة جماعية لكوميديا انتصرت على وهم النجومية!

 

سامر محمد اسماعيل – تشرين

 

 

أفضل شيء استطاعت أن تحققه سلسلة «بقعة ضوء-إنتاج سورية الدولية» على مدى أجزائها التسعة أنها أصبحت تصنيفاً شعبياً للطرفة اليومية، المفارقة التي أصبح في إمكان الناس العاديين أن يطلقوها على حدث يشاهدونه في الواقع،


 ليصلح مادة غنية للوحة تلفزيونية تنتمي إلى هذا النوع من الكوميديا ذات المغزى المأسوي، إذ كان ظهور هذا الشكل من التعاطي مع واقع الحال السوري بأخذ متعة المشاهدة من التهريجي والفظّ نحو المعنى الدرامي للضحك كشفاً عالياً في قراءة هموم الناس وتعبيراً أخاذاً عن الحالة السورية اجتماعياً وثقافياً وسياسياً.

 

كتابة جماعية أيضاً

 

استفادت هذه الكوميديا من الفسيفساء الاجتماعية لسورية، إذ استطاعت أن تترجم عبر الكتابة الجماعية أنماطاً من المعيش اليومي؛ سواء على صعيد السرد البصري الذي قارب في أسلوبه تقنية الفيلم القصير، أو حتى على مستوى النصوص المكتوبة، ولئن تباينت مستويات هذه النصوص في طرق معالجتها للفكرة وفهمها للنوع الذي تشكله ضمن توليفة بقعة ضوء، لكن معظم اللوحات التي لاقت نجاحاً عند المشاهد كانت تعبر عن مصداقية وجدية عالية المستوى في محايثة الواقع ونقده من جهة مختلفة ومغايرة، وما يحسب هنا لبقعة ضوء أنها رفعت سقف الرقابة وزادت من اتساع الهامش النقدي، ممهدة الطريق لأعمال سورية تخلصت من الكتابة الأفقية الملتزمة أيما التزام بذهنية الرقيب.
 بالفعل لقد طورت هذه السلسلة التلفزيونية عقلية الكتابة الدرامية، وغيرت نهائياً من طبيعة البطل المطلق، فلا وجود في «بقعة ضوء» لأدوار أولى وثانية، وهذا ما أكدته عبر لوحات تعاطت مباشرة مع الفهم السطحي للنجومية وأدوار الصف الأول، «لوحة ثورة الكومبارس مثلاً» فهذه الكوميديا مارست نقداً مباشراً لذهنية الإنتاج في الدراما السورية، بل إنها قدمت نجوم الصف الأول في أدوار صغيرة وخاطفة في حجم وجودها، لكنها ومن موقع الفعل مؤثرة وفاعلة وضرورية.
بالطبع لم يعن ذلك عدم الاشتباك مع الرقابة في أكثر من لوحة امتازت بالجرأة الاجتماعية وأحياناً السياسية، وحتى بما يختص بتفتيت مركزية البطل المطلق تعرضت «بقعة ضوء» لخطر التوقف بعد خلافات فنية قادت إلى تفكك أسرة الجزء الأول والثاني من ممثلين وكتاب، والتنقل بين أمزجة إخراجية متعددة ساهم أيضاً ولاسيما في الجزء الذي أخرجه سامر برقاوي في تدهور عاجل لشعبية «بقعة ضوء»، وتقهقرها على صعيد النصوص والمعالجة الدرامية، لتعود في جزئها التاسع مع المخرج عامر فهد إلى ألقها المعهود، وعبر إطلالاتها الجريئة على واقع الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عامين.


هذا كله لم يكن في مصلحة الجرعة الكوميدية التي تراجعت هي الأخرى نحو مساخر التلاعب بالألفاظ، والتعويل على لوحات النكتة القصيرة جداً، والتخلي نهائياً عن كوميديا الفكرة، والتعليق الذكي على ظاهرة اجتماعية، لنعود مرة أخرى إلى إيقاعات رتيبة لم ينقذها منه اللوغو الموسيقي للفنان «طاهر مامللي» إذ بقيت الشارة وصوتيات المغنية السورية «ديمة أورشو» لكن ذهبت الأفكار وبهتت في عين المشاهد الذي توقع المزيد من السخونة والمتعة، وهذا مرده بالدرجة الأولى إلى غياب النص الجيد والرؤية الفنية التي تستوعب الشكل التلفزيوني الجديد، ما مهد بدوره إلى نزع الصفة الديمقراطية التي روجتها طريقة السيناريوهات المكتوبة نحو المحاباة مع الشللية الفنية وحكاياتها ذائعة الصيت، في حين كان الهدف من «بقعة ضوء» هو الذهاب بالمادة التلفزيونية إلى أبعاد مختلفة في تقديم الصورة والنص على حدٍ سواء.


رغم ذلك سجل الممثلون السوريون عبر بقعهم تنويعاً درامياً غاية في الاختلاف، وبدا من الواضح أن الفنان السوري يريد أن يقدم نفسه بطريقة مختلفة، سواء على صعيد أنماط الشخصيات التي قدمها، أو حتى في طريقة لعب الدور وفق الأداء الجماعي على مساحة أكثر من لوحة، لذلك تخلص هذا الممثل من مشكلته مع أدوار البطولة عبر تشاركية مع زملائه في نجومية جماعية، فكان من الواضح أن الكتابة الجماعية تستلزم تقنية جديدة أيضاً من الممثل  على صعيد تقديم باقة منوعة من الكراكترات المدهشة وغير المستخدمة في مسلسلات الثلاثين حلقة.

 

اللوحة الخاطفة

 

 

 لعل أهم محصلة لهذا الجهد هي الخبرة التي اكتسبها هؤلاء الممثلون من عملهم المتواصل على الاختلاف في أداء شخصيات اللوحة الخاطفة، وتالياً التخلص من أسلوب التمثيل الشخصي، والشغل على تشكيل الأداء وتلوينه بين لوحةٍ وأخرى, ومما لاشك فيه فإن هذا النوع الذي مهد له الفنان «ياسر العظمة» عبر سلسلته «مرايا» كان يجاهد باستمرار لتطوير الفرجة التلفزيونية ووضعها ضمن سياق الهم العام للمتفرج، بالتوازي مع تقديم كل شيء وعلى أكثر من صعيد بطريقة درامية استطاعت استيعاب شرائح متنوعة من الجمهور، إذ حققت اللوحة التلفزيونية وأول مرة رضا أطياف واسعة من المشاهدين سواء شريحة النخبة أو شرائح عريضة من جمهور الناس البسطاء، لتكون بقعة ضوء بمنزلة الإجماع النوعي من قبل شرائح متعددة، فالجميل أن هذه النوعية من الأعمال اجتذبت إليها المثقف والعامل البسيط بالدرجة ذاتها من الاهتمام، فلم تكن اللوحة حكراً على إحدى الشرائح من دون غيرها، بل كانت المعادلة في تبسيط الحكاية من غير تسطيحها وجرها إلى التهريج وتصنيع الضحك المجاني.


إن نوع الضحك الذي صدرته لنا «بقعة الضوء» لم يكن في كثير من الأحيان يتقصد هذا الضحك، وربما سر نجاح هذا العمل يكمن في عدم تقصد الكوميديا، فاللوحة مكتوبة على طريقة الدراما التي تخفي في دواخلها معاني المرارة والسخرية المؤلمة بغية تحريض المشاهد على تغيير دور المتلصص السلبي على مجريات الأحداث الدرامية، فكانت الكوميديا هنا صدامية ولاذعة ومتشفية حد اقتراح المأساة-الملهاة من دون الإغراق بالميلودرامية والمباشرة، بل بالتركيز على مونتاجات ذكية تحايلت على الرقابة مرات عدة، واصطدمت بها في أماكن أخرى.


الشيء الأهم أن بقعة ضوء ساهمت في نقد الدراما السورية لذاتها، فأصبح المشاهد أمام «دراما داخل دراما» إذ تعامل العديد من اللوحات مع حالات إنسانية داخل كوادر تصوير وهمية عبرت عن رأي المشاهد وحنقه على مزاج شركات الإنتاج، كما حدث في لوحة «أبو عصام-باب الحارة» مثلاً، كما عملت اللوحة بدورها على إبراز مساحات مجهولة من حياة الناس والعاملين في الدراما التلفزيونية، إضافة للإطلالات الكثيرة من خلال هذه اللوحات على الريف والبادية السوريين، جنباً إلى جنب مع عالم المدينة، مركزةً على مفارقات هذه الأماكن وبشرها، والبنى الاجتماعية التي كونتها بحكم العادات والتقاليد ووصاية القبيلة على أبنائها.

 

يا ناس خلوني بحالي

 

من جهةٍ أخرى استفاد الكثير من الأعمال السورية التي اتبعت أسلوب اللوحة من نجاح «بقعة ضوء» ما ساهم في إنتاج العديد من الأعمال التي حاولت أن توجه شغلها على القصة التلفزيونية القصيرة، فكان أن أقدمت شركات الإنتاج على إصدار عدة أعمال مثل «عربيات» و«عالمكشوف» وغيرها.. لكنها لم تلاق النجاح الذي لاقته لوحات «يا ناس خلوني بحالي» ولعل أهم أسباب عدم نجاح هذه الأعمال أنها لم تحقق المناخ الصوتي والبصري والفكري الذي انفردت اللوحة في «بقعة الضوء» بتقديمه، فعلى الرغم من جدية النصوص التي عملت عليها هذه المسلسلات؛ فإنها بقيت خارج التجربة الجماعية سواء على صعيد الكتابة أو التمثيل، كما لم تنجح في تعويض المشاهد عن فريق المسلسل الذي قلدته، وذلك باختلاف واضح على مستوى النصوص المشغول عليها، والهوية البصرية التي كونت فكرة المشاهدة الأولى، ناهيك بفقدان الجرأة التي تحلت بها اللوحة في «بقعة ضوء» وطريقة المعالجة الدرامية التي نحت في كثير من الأحيان نحو اصطناع الضحك وتقصده كغاية وليس كأداة للسخرية المكتوبة بروح المأساة الملتبسة، وسوق أمثلة عن شر البلية الذي يضحك ويبكي في آنٍ معاً.
لقد عبرت هذه البقع عن الشيفرا الثقافية المعقدة لدى مزيج السوريين، فمن الجزيرة السورية «لوحة كلام حريم» إلى مجتمع العاصمة دمشق عبر عشرات اللوحات المكتوبة بحساسية النزق من غلاء الأسعار وتسلط المتنفذين، وتفشي الفساد في الدوائر الحكومية، وعسف رب العمل لمرؤوسيه، و المغالاة في التعصب، والنفاق الاجتماعي، وانعدام اللباقة العامة واندحار الكياسة، و فقدان الحب، وتجمد الأحاسيس الأخلاقية العامة، وانقراض الفطرة الإنسانية أمام جبروت المال وطغيانه، ودعارة المثقفين، وبلاهة القوانين العامة في معالجة الانزياحات الجديدة ومواجهتها بعيداً عن الإملاء والسطوة.
هذا كله واجهته «بقعة ضوء» بمزيد من المجابهة فكانت القالب الجديد لفن الكاريكاتور المعاصر، عبر استخدام فن اللقطة وحدتها أحياناً لاصطياد أكبر قدر من المفاهيم الطارئة على بنية المجتمع السوري .