2013/05/29

«حدث في دمشق».. دراما عن الشام ويهودها
«حدث في دمشق».. دراما عن الشام ويهودها


صهيب عنجريني – السفير

بدأت «وداد من حلب» تحوّلها من شخصية روائية إلى أخرى دراميَّة، منتقلةً لذلك من حلب إلى دمشق. هذا ما أراده صُنّاع المسلسل الذي ترك عنوانه الأوّل «حبّة حلب»، وحمل عنوان «حدث في دمشق». فيما تعزف آلة الحرب أناشيد الخراب والموت في الخارج، كان طاقم العمل يحتفي بالحياة والخلق، في منزل دمشقي قديم في حي باب شرقي التاريخي، حيث يدور التصوير، على إيقاع الابتسامة الواثقة للمخرج باسل الخطيب. كان هذا الأخير صاحب فكرة نقل جغرافيا الحدث الدرامي إلى العاصمة، بعدما أسندت له «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي» دفّة إنجاز المسلسل. يوجز المخرج الفلسطيني الأصل السوريّ الهوى الحديث عن ظروف العمل في ظل الأوضاع الميدانية الساخنة بالقول: «نصوّر في ظروف غير مسبوقة. لأوّل مرة نجد أنفسنا ذاهبين إلى التصوير ونحن لا نعرف إن كنا سنعود أم لا. هذا ما يحدث كل يوم، ولكننا مؤمنون بما نشتغله، ومثلنا في ذلك مثل كل قطاعات المجتمع».

العمل من سيناريو وحوار عدنان العودة، عن رواية «وداد من حلب» للكاتب قحطان مهنّا، ويؤديّ أدوار البطولة فيه الممثلون سلاف فواخرجي، ووائل رمضان، وريم عبد العزيز، وميسون أبو أسعد، وديمة قندلفت، ولينا حوارنة، وأمانة والي، وسعد الغفري... وآخرون. وتدور أحداث العمل في فترتين زمنيتين متباعدتين، الأولى ترصد المناخ الاجتماعي والسياسي في دمشق في العام 1947، والثانية إبان أحداث 11 أيلول، إذ يلاحق العمل مصائر بعض الشخصيات في المدينة نفسها.

يقرّ صاحب «رسائل الحب والحرب» بأنّ الانتقال بالحدث إلى دمشق، مرتبط بالواقع الأمنيالمأساوي الذي تعيشه حلب. الحلّ السهل كان ممكناً، عبر اختيار مواقع تصوير بديلة في دمشق، مع الإبقاء على البيئة الحلبية افتراضيةً. لكنّ باسل الخطيب لم يذهب في هذا المسار. يقول لـ «السفير»: «الانتقال ببيئة الحدث من حلب إلى دمشق كان لمصلحة المسلسل فالأحداث لا ترتبط بالضرورة بحلب، ويمكن أن تدور في أي مدينة سورية». ويضيف: «هذا الانتقال أعطى للحدث الدرامي بصراعاته الاجتماعية والسياسية عمقاً وشمولية، فدمشق هي المركز الفعلي لبلاد الشام كاملة لا لسوريا فحسب». لكن ألن يؤثّر ذلك على البنية الفكرية للمسلسل، المقتبس عن رواية حلبية الجغرافيا والهوى؟ يجيب الخطيب: «العمل ليس اقتباساً حرفياً، وله بنيان آخر مختلف تماماً، أفلح الكاتب عدنان العودة بصياغته درامياً بطريقة جذابة، وموضوعة يهود الشام في سوريا ليست الحامل الأساسي للمسلسل، بل تمثل خلفيّة لأحد الخطوط الدرامية فيه. فالعمل يتناول مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد الشام في نهاية العام 1947، حيث كانت المنطقة على شفير نكبة 1948، ويرصد انعكاسات تلك التحولات على المجتمع الدمشقي، ومن ضمن تلك الانعكاسات ما أصاب بعض العائلات اليهودية التي كانت تعيش بهدوء وسلام وتناغم مع أطياف المجتمع، لكن بعض الأطراف كانت حريصة على اقتلاعهم من مدينتهم».

لا يخشى مخرج «الغالبون 1» من ردود الفعل السلبيّة الممكنة على الشخصيات اليهودية في المسلسل: «نحن ضد فكرة الصهيونية ولسنا ضد اليهود، ولا يمكننا المماهاة بينهما، هناك شخصيات يهودية شهيرة كانت ضد الصهيونية، مثل تشارلي شابلن، آينشتاين الذي رفض الجنسية الإسرائيلية، راشيل كوري.. والقائمة تطول». فهل يأخذ المسلسل على عاتقه عقد مقارنات بين ما حدث في دمشق حينها وبين ما يحدث اليوم؟ وهل يربط بين الحربين ولو عبر خيط خفيّ؟ يقول الخطيب: «لا وجود لشيء اسمه مصادفة في الفن، نعم عندما نقدّم تلك الفترة، لا نقدّمها بمعزل عما يجري الآن، ولكن أنا ضد تقديم إملاءاتي وقراءتي، بل أترك للجمهور أن يلتقط الإشارات ويقرأ الأحداث وفق رؤيته وثقافته ومواقفه السياسية».

من جهتها ترى الممثلة ميسون أبو أسعد أنّ المشاركة في عجلة صناعة الدراما، باتت أشبه بواجب اليوم. وتقول: «نعمل لأنَّ هذا ما يجب أن يحدث، هناك كثيرون لازموا منازلهم خوفاً مما يحدث، لكن الموت طالهم داخلَها، السوري لم يعد يفكر بالموت، صار حدثاً عابراً في حياته. سابقاً كنت أفكر أن العمل في الدراما ذنب أقوم بارتكابه في ظلّ وجود الدم، لكن كلما كبرت الأزمة كبرنا أيضاً وصرنا نرى الصورة بشكل مختلف. اليوم بتّ أشعر أنه ينبغي علينا أن نشتغل أكثر، مثلنا مثل جميع الناس الذين ما زالوا يمارسون أعمالهم». وعن دورها في «حدث في دمشق» تقول أبو أسعد: «شخصية زينب مختلفة عن كل ما قدمته من قبل، والنص برمته فيه أشياء خاصة تغري الممثل، والاشتغال مع مخرج من طراز باسل الخطيب هو شيء مغرٍ بدوره، زمن الحدث الدرامي يمتد على 100 سنة، وبالتالي سأجد نفسي في جزءٍ من المسلسل أؤدي شخصية بعمر السبعين، وهذا تحدٍّ آمل النجاح فيه».

وتقول الممثلة ريم عبد العزيز: «شخوص حدث في دمشق تشبه الماضي والحاضر في آنٍ واحد، وهو أمر شكَّل جاذبية خاصة بالنسبة لي، وأعتقد أنه سيجذب المشاهد أيضاً». تقدّم عبد العزيز لمحةً عن دورها: «فاديا الزوجة الثانية لبطل العمل، لا تشبه الصورة النمطية للمرأة، هي شخصية مليئة بالصراعات الداخلية، زوجة تقاتل من أجل أسرتها بطريقة مختلفة، إلى درجة أنها تقرر في لحظة مفصلية تزويج زوجها الدونجوان بنفسها». تتحدّث عبد العزيز عن ظروف العمل بحماسة: «نحن كوماندوس»، وأنا فخورة بالروح العالية لطاقم العمل كاملاً، ما نفعله يساهم في بقاء سوريا قوية، وفي الحفاظ على الدراما السورية في المقدمة مواصلةً إنجازاتها رغم كل شيء، أحب ما نقوم به.. وبالحبّ وحده يمكن للبلاد أن تتعافى».

بين ما «حدث في دمشق» منذ مئة عام وما يحدث اليوم حكايات عن الحب والحرب يصبغها اليوم دمٌ كثير، وتجمعها حقيقةُ أنّ دمشق مدينة لا تموت رغم ما حدث ويحدث فيها.