2012/07/04

دراما الأبيض والأسود .. ذاكرتنا الفنية
دراما الأبيض والأسود .. ذاكرتنا الفنية


أمينة عباس - البعث


كثرت المحطات التلفزيونية التي  تخصص فترات معيّنة لبثّ أعمال الأبيض والأسود من الدراما العربية، والملاحظ أن الأعمال الدرامية السورية تنال نصيباً كبيراً من هذا البثّ، خاصة أعمال «دريد ونهاد» التي لا تمثّل كلاسيكيات الدراما السورية فحسب بل والعربية أيضاً، ومن الضروري في هذا المجال الإشارة إلى دور قناة «سورية دراما» في تسليط الضوء على هذه الأعمال التي تمثّل ذاكرتنا الفنية من خلال بثّها الدائم لهذه النوعية من الأعمال، وخاصة تلك التي حققت نجاحاً كبيراً في وقتها، انطلاقاً من رغبة القناة في تعريف الجيل الحالي ببدايات الدراما السورية التي مهّدت للمرحلة الهامة التي وصلت إليها من تطوّر ونجاح كبيرين..

من هنا تأتي أهمية الحديث عن هذه الأعمال في الدراما السورية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحديث عنها مرتبط بتأسيس التلفزيون السوري عام 1960 بإدارة صباح قباني، ولو أن التلفزيون لم يعرف المسلسلات الطويلة في البداية، وإنما قدّم مجموعة من السهرات والفصول التمثيلية وبرامج المنوعات التي كانت تتضمن مشاهد كوميدية لدريد لحام ونهاد قلعي، ومع هذا فقد بدأ التلفزيون في السنة ذاتها بإنتاج مجموعة من المسلسلات، لعلّ أشهرها «حمّام الهنا» عام 1967 الذي يعدّ البداية الحقيقية لإنتاج المسلسلات، وقد حقق نجاحاً كبيراً تجاوز حدود سورية.


كلاسيكيات الدراما السورية

في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن تقييم أعمال الأبيض والأسود يجب أن ينطلق من فكرة تقييمها وفقاً لزمنها وللفترة التي أبصرت النور فيها والإمكانيات التي كانت متوفرة آنذاك، وبالتالي يجب أن نتجنب وضعها على طاولة النقد والنظر إليها من خلال ما وصلت إليه الدراما السورية من تطور ونجاح في الفترة الأخيرة.. من هنا يمكن القول: إن هذه الأعمال كانت وليدة عصرها ومنسجمة ومتناسبة مع إمكانياته وتقنياته وخبرة أصحابها آنذاك، وبالتالي فإن مرحلة الأبيض والأسود تشكل البدايات والخطوات الأولى والإرهاصات التي أدت اليوم إلى وجود دراما سورية ناجحة ومتطورة، بالتالي وإن اختلفنا في تقييمها على صعيد الشكل والمضمون، إلا أنها وبإجماع الكل تمثل الذاكرة الفنية السورية، فهي مازالت حتى الآن جزءاً من ذاكرة الكثيرين ممن تابعوها وعايشوها آنذاك، وبالمقابل فإن هذه الأعمال أو جزءاً منها على الأقل يمثل كلاسيكيات الدراما السورية، فعمل كـ «أسعد الوراق» والذي أنتج عام 1975 بإخراج علاء الدين كوكش رغم إعادته مرات عديدة وعلى محطات مختلفة كان يحظى بنسب متابعة عالية تأثراً بمضامينه وقوته الدرامية المؤثرة نصاً وتمثيلاً وإخراجاً، ورغم بدائية هذه الأعمال بشكل عام قياساً لتطور التقنيات الحديثة، إلا أن معظم أعمال الأبيض والأسود تبدو لنا أكثر ألفة وتأثيراً على الصعيد الدرامي والفني، وحتى على صعيد تقاليد العمل التي كانت تشغل به، وهذا ما نسمعه كثيراً من فنانين عملوا في هذه الأعمال ومازالوا يعملون اليوم ولكن ضمن شروط وتقاليد عمل مختلفة عما كانت عليه، والمفارقة أن هذه الأعمال كانت مذهلة قياساً للإمكانيات المتواضعة والبسيطة «كاميرا ثابتة-تصوير دون مونتاج»، ومع هذا حققت صدى قوياً تجاوزت فيه جغرافية سورية في وقت كان من الصعب أن يحدث ذلك في ظل عدم وجود المحطات الفضائية بالشكل الموجود حالياً، وهنا يجب أن نشير أيضاً إلى حقيقة أن دراما الأبيض والأسود في سنواتها الأولى كانت دراما إذاعية مصوّرة تلفزيونياً، وذلك لاستفادتها من طبيعة الأعمال الإذاعية ذات الطابع الاجتماعي والمعتمدة على الشخصيات الشعبية «أم كامل-أبو رشدي-أبو فهمي» وهنا يجب أن نتوقف أيضاً عند أعمال دريد ونهاد التي لاقت صدى طيباً لدى الجمهور ونجاحاً كبيراً خارج جغرافية سورية، ويعود لها الفضل في تعريف الجمهور العربي بالدراما السورية، ويفسّر البعض نجاحها كونها حاكت الطبقة الشعبية بأسلوب كوميدي خفيف، كما يجب أن نشير إلى أن المشاهد في تلك الفترة كان مولعاً بالتلفزيون كبدعة جديدة، وقد أتى من يعرف كيف يخاطبه وهذا ما يبدو اليوم مهمة صعبة في ظل العدد الهائل من المحطات التلفزيونية ومن الأعمال والممثلين، مع العلم أن هذه الأعمال (أعمال دريد ونهاد) لم تناقش قضايا المجتمع بشكل عميق وإن تطرقت إليها بشكل عابر، خاصة وأن الهدف الأساسي منها كان تقديم عمل خفيف في قالب كوميدي.

إعادة إنتاجها

قامت بعض الجهات الإنتاجية في الفترة الأخيرة بإعادة إنتاج بعض هذه الأعمال، وإن بدا ذلك مغامرة بالنسبة للعاملين فيها، خاصة وأن قسماً كبيراً من جمهور هذه الأعمال مازال على قيد الحياة، وبالتالي فإن تكرار هذه الأعمال رسخها في ذاكرة المشاهد بقوة.. من هنا يجب أن نتوقع أن تقوم الأعمال الجديدة بإحداث التأثير ذاته الذي تكوّن بفعل الزمن بالنسبة لأعمال الأبيض والأسود، وخير مثال على ذلك مسلسل «أسعد الوراق» الذي شكّل فيه أداء هاني الروماني ومنى واصف واحداً من التحديات التمثيلية بالنسبة للفنانين في النسخة الجديدة، رغم براعة أمل عرفة وتيم حسن، إضافة إلى العفوية التي كانت سمة الأداء في أعمال الأبيض والأسود، سواء في هذا العمل أو سواه والتي بتنا نفتقدها اليوم لأسباب كثيرة، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أن تلقي الجيل الجديد لهذه الأعمال قد يختلف كثيراً عن الجيل الذي تابعها في وقتها وقد ارتبطت بذاكرته، خاصة وأن طريقة العرض قد اختلفت عن العرض الأول بما تتضمنه الأعمال الجديدة من جماليات فنية بفعل التقنيات الحديثة ومشاركة أعداد كبيرة من الفنانين النجوم، وقد لا يبدو مألوفاً أن يستغرب قسم من الجيل الحالي الصيت الذي تمتع به عمل من أعمال الأبيض والأسود في حال متابعته له في عروضه المتكررة.. ومن المفيد أن نقول: إنه يحق لأية جهة أن تقوم بتقديم نسخة جديدة من أي عمل، وبالتالي يبدو لنا أن مشروع شركة «عاج» مثلاً التي أعلنت عن رغبتها في فعل ذلك لأعمال كثيرة بدأتها بـ «أسعد الوراق» و«دليلة والزيبق»، مبرر ومشروع رغم كل المآزق والاعتبارات التي يمكن أن تنتج عن ذلك، خاصة وأن النسخة الثانية من هذه الأعمال قد عانت من التطويل والحشو لتتناسب مع طريقة العرض الرمضاني .