2013/05/29

رغده شعراني: مشروعي الكبير السنمسرح
رغده شعراني: مشروعي الكبير السنمسرح



لحظة تكريمنا في الخارج تتملكنا رغبة كبيرة أن يتم لنا هذا التكريم في بلدنا فالتكريم الذي نحصل عليه هنا هو أجمل تكريم يمكن أن نتلقاه

ســــــلوى عبـــــــاس – البعث


هناك تطابق حقيقي بين ما كان يعيشه أبو خليل وما نعانيه نحن الآن،  مع اختلاف الازمنة والأشكال ويومياتنا الجرأة هي أن أكون واضحة وصريحة،  وأن أقدم الشخصية كما هو مطلوب مني أو كما يجب أن أقدمها بشكل فني

“هل يمكن أن تعرف الحقيقة من الوهم... الواقع من الحلم... الموت من الحياة... الخير من الشر؟ هل حقاً في كل بياض نقطة سوداء وفي كل سواد نقطة بيضاء !! أسئلة وأسرار ترافقنا ولا نجد الوقت في هذا العالم المجنون وللحظة لتفكر بسر واحد من أسرار” هذه العبارات حملها بروشور عرض “لحظة” للفنانة رغدة الشعراني التي حققت حضوراً فنياً لافتاً سواء في السينما أم التلفزيون أم المسرح، وفي متابعة لتفاصيل هذه المسيرة يتساءل المرء حول شخصيتها في الحياة، وهل من تقاطعات تلتقي عندها شخصيتها الفنية وشخصيتها الحياتية أم أنهما تختلفان وكيف فتجيب:

“لاتختلف شخصيتي الحياتية عن شخصيتي الفنية، الاثنتان تشبهان بعضهما، ولاينفصلان عن بعضهما، ومن وجهة نظري الانسان الذي ليس لديه مشروع إنساني في الحياة لايمكن ان يكون لديه مشروع فني، وأنا إنسانة بسيطة جداً أتعامل مع الفن أيضاُ ببساطة لأنه بشكل بسيط يستطيع الانسان أن يقدم أهم المشاريع ويتحدث عن أهم المشاكل والقضايا الكبيرة.

أما توافقها مع الفكرة التي تشتغل عليها في جميع أعمالها ومساحة الحرية التي يمكن للانسان ان يعيشها في الحياة فترى أن موضوع الحرية في هذا الوقت أصبح موضوعاً نسبياً، فالإنسان يخلق حريته ضمن المجتمع وضمن التابوهات التي يعيشها والتي يفترض ان يقبلها ليوجد عالمه الصغير الذي يخلق فيه حريته ضمن هذه المنظومة الكبيرة التي تسمى المجتمع، والذي يستطيع فيه أن يحكي عن كل قضاياه الشائكة وبحرية لكن دون أن يؤذي الآخر، أي أن لايكون شخصاً مباشراً “أنا لا أبحث عن الحلول الفنية التي تحبب الآخر بمشاكله عملياً بمعنى أني أجعله يتحدث عن مشكلته وضرورة علاجه لها، دون أن أنفرّه منها، لأنني عندما أتحدث إلى أحد عن  مشكلته أو عاهته بشكل مباشر سوف أنفرّه مني لذلك أقدمها له بطريقة فنية لطيفة تتضمن حالة العلاج، ومساحات الحرية نحن الذين نخلقها بعالمنا الصغير الذي نحب أن نعيشه ضمن عالمنا الكبير الذي نعيش فيه”.

ونقرأ في أعمالها التي تقدمها إخراجاً وتمثيلاً مساحة كبيرة من الجرأة، لكن هل هذه الجرأة التي نراها هي الحالة المشتهاة في الحياة تعيشها على المسرح أم هي رغده حقيقة تعيش أفكارها بجرأة سواء في الفن أم بالحياة “موضوع الجرأة شائك وبسيط بالوقت نفسه، والسؤال الأهم ماذا تعني الجرأة أساساً، وكما أراها أنا هي أن أكون واضحة وصريحة، وأن أقدم الشخصية كما هو مطلوب مني أو كما يجب أن أقدمها بشكل فني لأصل إلى الهدف منها، وأي شخصية تقدم في الفن هي شخصية موجودة في الحياة، لذلك موضوع الجرأة أراه  نسبياً بين شخص وآخر، ومخرج وآخر”.

تقنية السينما لخدمة المسرح

وضمن مشروعها المسرحي تعمل رغدة على فكرة ادخال السينما الى المسرح وتطوير هذا المشروع بكل عمل تقدمه عبر مزج الفنون او اشكال التعبير مع بعضها وفي تيامو تحديداً كان  هناك مزج لأكثر من نوع من الفنون البصرية وعن غايتها من هذا المشروع كتجربة شابة تقول: “هذا المشروع ليس جديداً، بل هو موجود في كل مسارح العالم وليس من اختراعي إذ هناك ما يسمى ســــينمسرح أي إدخال السينما على المسرح، وغايتي من هذا المشروع أنني عموما أحب الســـينما جــــــداً، ورغـــــــم محبتـــي للمسرح أشـــعر أحيانا بلحظات معينة بحاجة لأن أرى الممثل بلحظاته القريبة،  لحظاته الحساسة رغم ان إحساسه يكون عال لكنه بلحظة يكون بعيداً، وهنا كانت البداية عندي، انطلقت من رغبة أن يرى  المشاهد دمعة الممثل قريبة منه في المسرح، ومن هنا بدات الفكرة بادخال السينما لتخدم الممثل وليس لتخدم غايتي كمخرجة بقصد البهرجة الشكلانية أبداً، ومع الوقت أصبحت أشعر أنه يجب أن يتوازيا “المسرح والسينما” ونحن يجب أن نشتغل على السينما، بمعنى أن أعمل سينما ومسرح بآن معاً وبالمستوى ذاته، وهذا المشروع يخدم الممثل ويخدمني بأن اكتشف عوالم جديدة.

وفي مسرحية “من هنالك الى هنا” من إخراج شادي مقرش، ودراماتورج كفاح الخوص، ومن أدائها بمشاركة كفاح الخوص اتهمت  بأنها اجتراح لنص أبي خليل القباني ما أود ان اسالك عنه الى أي مدى يتشابه زمننا مع زمن قباني من خلال المعاناة التي عاشها رغم اختلاف الزمن، وكم هي نسبة التداخل بين الحالتين ترى: “هناك تطابق حقيقي بين ما كان يعيشه أبو خليل وما نعانيه نحن الآن، مع اختلاف الازمنة والثياب والحياة والأشكال ويومياتنا، لكن المعاناة لم تتغير، والحقيقة أننا عندما أعددنا هذا النص واشتغلنا عليه أنا وكفاح عانينا من مواجهة الناس لنا بطريقة جارحة قليلا باتهامنا اننا اخذنا ابو خليل القباني ولعبنا فيه عملياً، لكن نحن كممثلين، حاولنا القيام بإعداد مكمل للنص، أي أننا كشكل عام للنص عملنا حبكة تتناسب مع شاب بعمر 16 سنة جاء ليشاهد هذا العرض ويرى معاناة ابو خليل القباني، ونحن قربناها له ولم نقدم له النص جامداً، حاولنا أن نلعب عليه أكثر، حاولنا ترغيب الشباب الأصغر حتى الذين بعمرنا أن يتقبلوا المعاناة التي عاشها أبو خليل بلطف أكثر، وبشكل مسرحي أحدث”.

وعن معاناتهم كجيل شاب وكم اختلفت عن معاناة الجيل الذي سبقهم أجابت: “هي نفس المعاناة،  وأعتقد أن الجيل الذي قبلنا كان يعاني مثلنا، والسبب اننا نحتاج إلى إنتاج ضخم إذ أننا نعاني في المسرح من مشكلة مالية حقيقية، ولن تتم نهضة حقيقية في المسرح الا اذا اهتموا به كاهتمامهم بالاذاعة والتلفزيون والسينما إنتاجيا، فعندما يتوفر لدينا هذا الريع والميزانية الكبيرة للمسرح والانتاجات الضخمة سنتخلص من معاناتنا ونتفرغ للمسرح، فنحن بحاجة لميزانية تساعدنا في النهوض بالمسرح، وتنتهي معاناة ابو خليل القباني لأنه عندما نعترف به بهذه الطريقة ونعطيه انتاجاً ضخماً نكون اعترفنا به بشكل حقيقي أكثر فعندما يتم الاهتمام به بشكل أكبر تصبح الافكار أكبر والحرية أوسع بكثير؟

ومن خلال متابعة الشخصيات التي تجسدها في الدراما نقرأ توازنا في أدائها يؤكد دقة اختيارها لأدوار مركبة وبسيطة بآن معاً، تؤدي من خلالها رسالة قد تتفق معها في الحياة وقد تختلف، لكن هل يمكن لها أن تجسد دورا تكون فيه مجرد حاملة للفكرة فتضيف: “في التمثيل يمكن للفنان أن يحمل افكارا قد لاتتطابق معه،  لكن عندما تطرح فكرة تهم شريحة كبيرة في المجتمع فإنني بالتأكيد أطوع نفسي كانسانة وكممثلة لأطرح هذه الفكرة وأتجاوب معها وأصدقها وأقدمها، بالعكس أنا أحياناً مع فكرة تقديم أدوار بعيدة عني لكن بالمقابل تتطابق مع نسبة كبيرة مع البنات في الوطن العربي وهذا جميل وممتع”.

وحول إذا كانت الأعمال التي تقدمها هي جزء من مشروع عام أم أن كل عمل تقدمه يمثل مشروعا مستقلا تقول: “الامر بالنسبة لي يمثل مشروعا كبيرا هو “السينمسرح” يتضمن مشاريع صغيرة تتالى عمليا من خلال العمل على كيفية تطوير السينما والمسرح معا بالتجريب على نوع الأداء للممثل وأقدم شيئاً جديداً على أسس ومبادىء مدرسية معينة وكل مشروع ياخذ حقه للنهاية لكن ضمن مشروعي الكبير الذي أعمل عليه”.

أعتمد الأسس الأكاديمية في عملي

وفيما إذا كانت تعتمد على الارتجال في أعمالها أم أنها تستند إلى الأسس الأكاديمية التي تلقتها في المعهد تقول: “اعتمد مئة بالمئة على الاسس لانه برايي ان يخرج المرء من فراغ لفكرة جديدة تعرضه للانهيار لكن اذا خرج من فكرة أساسية وحاول التجديد عليها يبدأ بالثوابت وأنا دائما اعتمد على الاساس وانطلق منه للتجديد”

وقد حازت أعمال الفنغنة رغدة الشعراني على العديد من الجوائز في مهرجانات عربية فقد كُرمت “تيامو” في مرجان قرطاج ونالت “شوكولا” جائزة افضل عرض في مهرجان القاهرة وبعد هذا الفوز قامت وزارة الثقافة بتكريم الفنانين المشاركين في المسرحية وحول مقارنة هذه الجوائز والتكريمات مع تكريم تعيشه في بلدها ولو جاء متأخراً تقول رغدة: “التكريم الذي نحصل عليه هنا في بلدنا هو أجمل تكريم يمكن أن نتلقاه، وأنا أعني ما أقول أنه عندما نكون بعيدين يروننا أكثر، وهذا إحساس مؤلم لأنه في لحظة تكريمنا في الخارج تتملكنا رغبة كبيرة أن يتم لنا هذا التكريم في بلدنا وفعلاً أتمنى أن يحدث هذا الشيء”.

واعتاد الجمهور على رغدة أن تقدم عملاً في كل عام الأمر الذي قد يسبب إرهاقاً في البحث عن أفكار جديدة حتى لا تكون أسيرة التكرار، لكن في هذا الموضع لها رأي مختلف “أنا لدي نظرية صغيرة في الحياة هي أنه عندما يكون لدى المرء طاقة ورغبة أن يقدم شيئاً يجب أن يقدمه دون أن ينتظر لأن الوقت قصير، أنا أشعر أنه إذا كان هناك ما نحب أن نعمله فلنبدأ، وإذا كان هناك شخص نود أن نقول له شيئاً فلنبادر تجاهه فوراً ولا ننتظر للغد لأننا لا نعرف ماذا ينتظرنا، يجب أن نعيش حياتنا.


تحويل الخوف إلى طاقة

وكما كثير من المبدعين ترغب أن تشارك في المهرجانات المسرحية المحلية والعربية والعالمية، ولكن إلى أي مدى يعنيها أن يقدم العرض الأول لأي عمل تنجزه في مهرجان من المهرجانات تحدثت: “هذا يعني لي الكثير وبالوقت نفسه تتملكني حالة من الخوف والرغبة برؤية ردود الفعل على ما يقدم، وأنا أتحايل على خوفي بأن أحوله إلى طاقة وعمل دون أن يحبطني”.

وأسألها بماذا تحلم إلى جانب المسرح فتجيب: “أحلم بالهدوء، ومنزل هادىء يضم الناس الذين أحبهم، وأحلم بالسلام لكل العالم، هذا أكثر شيء أحلم به، والصداقة مهمة في حياتي وأصدقائي هم من الناس الذين يعملون معي، أيضا مهم ان يكون لهم وقتهم الخاص بعيداً عن العمل، عموما مجتمعي صغير هم أصدقائي المقربين واهلي”.

وكانت رغدة في العام الماضي قد رشحت لعضوية لجنة تحكيم مهرجان زيوريخ المسرحي، لكنها رفضت بسبب مشاركة “اسرائيل” فيه وعن موقفها هذا قالت: “هذا التصرف الطبيعي الذي سيتصرفه أي سوري، فسورية وشعبها مشهورة بمواقفها الوطنية، وهذا أقل ما يمكن أن نفعله بدورنا”.