2013/05/29

فلفلة والأمير المسحورمعادلة المتعة والفائدة في مسرح الطفل
فلفلة والأمير المسحورمعادلة المتعة والفائدة في مسرح الطفل


أمينة عباس - البعث

بعيداً عن العروض المجانية التي تقدّم هنا وهناك ولا تُقدِّم للطفل سوى متعة لحظات قد ينساها بمجرد خروجه من المسرح، تسعى مديرية المسارح والموسيقا ومسرح الطفل والعرائس فيها إلى تقديم عروض يتوخى منها دائماً المتعة والفائدة، ولا نبالغ إذا قلنا إن معظم هذه العروض التي تنجزها المديرية تقوم على مضمون هادف، وإن اختلف شكلها من مخرج إلى آخر، مع قناعة الجميع بأهمية الشكل الفني الذي سيُقدَّم فيه هذا المضمون باعتباره الشبكة الجميلة التي سيصطاد بها الطفل مقولات العمل، لذلك كان من الطبيعي أن تندرج مسرحية "فلفلة والأمير المسحور" التي تُعرض حالياً على خشبة مسرح القباني ضمن هذه العروض، وهي التي تتحدث عن ضرورة حماية البيئة والاهتمام بالنظافة والتمتّع بالأخلاق الحميدة، وقد كتب نصها زهير البقاعي الذي يؤكد في بداية حديثه «للبعث» أن المسرح ليس وسيلة ترفيه أو متعة بقدر ما هو أداة تنوير، وإحدى الوسائل التعليمية والتربوية التي تدخل في نطاق التربية الجمالية والخلقية، فضلاً عن مساهمته في التنمية العقلية، من هنا يسعده أن يكون مشاركاً ولو بالحدّ الأدنى في تقديم ما هو جميل ومفيد لأطفالنا ثروة بلدنا ومستقبله.. وكمؤلف للعمل، إلى جانب كونه أحد الممثلين فيه، يبين أنه لم يتدخل على الإطلاق بالرؤية الإخراجية، بل آثر الابتعاد تماماً، وبقي مهتماً فقط بدوره في المسرحية وهو دور الوزير، لذلك كان للمخرج محمود عثمان مطلق الحرية في أن يتصرف بالنص كما يريد ودون الرجوع إليه، وقد كان ذلك خيار البقاعي منذ البداية، حيث لم يُرد مصادرة رؤية المخرج الإبداعية لمجرد وجوده معه كممثل، خاصة وأنه مخرج قدم أعمالاً كثيرة، إضافة إلى قناعته أن المخرج كان يمكن أن يختار أي نص يتقاطع مع ما يريد إيصاله من أفكار وبرؤية إبداعية دون أن يرافقه المؤلف فيقدمه كما يريد .

ويرى البقاعي أن ما يُسجل للمخرج في هذا العرض أنه كان نبيلاً في جعل رواق مسرح القباني مكاناً فيه أشجار تدلّت من أغصانها بروشورات المسرحيات التي قُدمت سابقاً للأطفال، وكأنه بذلك يرسل تحية إلى كل من ساهم في تقديم الفرح لأطفالنا عبر مسارحنا في وزارة الثقافة ومديرية المسارح والموسيقا .

وعن دافعه في كتابة مسرحية للأطفال يؤكد البقاعي أن الحاجة إلى نصوص الأطفال هي السبب في ظل وجود نقص في كتابة المسرحيات للأطفال، خاصة أن ما كُتب في هذا المجال لا يصلح إلا للقراءة، كما يشير البقاعي إلى أن المسرح من أكثر الفنون اقتراباً من وجدان الأطفال، ويعدّ واحداً من الأسلحة التي تدرأ عن الطفل الجهل وتدفعه لكي يعرف كيف ينحاز إلى الإيجابي في سلوكه، مبيناً أنه حاول في كتابته للمسرحية أن يكون الخطاب موجَّهاً للفئة العمرية من 8 إلى 12 سنة، حيث الطفل في هذه المرحلة يبدأ فهم مبادىء وقيم مجتمعه .

ويختم البقاعي كلامه مشيراً إلى أن الكتابة المسرحية للطفل تقوم على شروط أهمها أن تعبّر عن احتياجات الطفل الإنسانية، والابتعاد عن التعقيد والغموض في طرح الفكرة، وتجنّب الإطالة، والاعتماد على التشويق والمتعة، مع إتاحة مساحة كبيرة للفرح والجمال واللون والخيال والموسيقا والرقص والإيقاع وعدم الوعظ والمباشرة في إيصال الفكرة .

العمل للأطفال كالسير في حقل ألغام

أما المخرج محمود عثمان فلا يخفي سرّاً عندما يشير إلى أنه كان متردداً في تكرار تجربة العمل للأطفال لاعتقاده أن العمل للأطفال رغم متعته هو كالذي يسير في حقل من الألغام، ولكن عندما قرأ نص "فلفلة والأمير المسحور" الذي يتحدث عن النظافة والتهذيب تشجّع، خاصة أن هذا الموضوع  كان يشغله في ظلّ عدم الاهتمام به، وبالتالي كان هذا النص مناسباً ليقول ما بداخله من خلال عمل هدفه تقديم المعلومة للأطفال بشكل غير مباشر وبطريقة جميلة ومسلية ومفيدة، ويعتقد عثمان أن خصوصية هذه التجربة تتأتى بالدرجة الأولى من مضمونها الذي يؤكد على حماية البيئة والعمل بشكل دؤوب على ترسيخ العادات الحسنة كحب النظافة وكرم الأخلاق والتهذيب والإيثار، أما على صعيد الشكل الفني الذي يظهر به العرض فيبيّن أن الأسلوب الدرامي يعتمد في الأساس على طبيعة الكتابة الدرامية التي اختارها الكاتب المسرحي، وبالتالي فإن مسرحية "فلفلة والأمير المسحور" تتبع أكاديمياً لأسلوب التراجيديا ضمن الكلاسيكية الحديثة التي تستقي موضوعاتها وشخصياتها من مشاكل الملوك والأمراء، معتمدة على النهايات السعيدة بعكس ما هو متبع في التراجيديا حيث النهايات المأساوية.. من هنا يشير عثمان إلى أن هذه المسرحية تتبع أسلوب التراجيكوميديا، أما على الصعيد الفني الإخراجي فيوضح أنه اعتمد على عنصر الفرجة المسرحية، بمعنى أنه اعتمد على صعيد الديكور، مثلاً، على الأسلوب الرمزي، أما أسلوب التمثيل عند الممثلين فقد اختار أن يكون أقرب إلى الفارس لضرورة تضخيم الأمر في رمي الأوساخ مثلاً، وعلى الرغم من أنه كان معجباً بمقولة المسرحية، إلا أنه لم يدع نفسه حبيس الأسلوب والمعالجة التي وضعها الكاتب، بل حاول بالتعاون مع الكاتب، باعتباره ممثلاً، تطوير النص من خلال الارتجال ضمن الفكرة المطروحة، أما عن كيفية اختيار الممثلين فيشير عثمان إلى أنه ما إن يقرأ نصاً مسرحياً حتى يرى ممثليه يتحركون أمامه، وهذا يعني أن الممثل الملائم يفرض نفسه، ويبين عثمان أن الممثل في مسرح الأطفال لا بدّ أن يكون حاملاً لخصوصية معيّنة، وهنا لا يتوانى عثمان عن توجيه الشكر للممثلين: رشاد كوكش، وخوشناف ظاظا على مشاركتهما ضمن العمل بدورين ثانويين .

وعن الصعوبات التي يمكن أن تكون قد واجهته في تنفيذ هذه المسرحية يشير إلى أن الصعوبة الأكبر كانت هي الإجابة عن سؤال: هل سينجح في تقديم هذا النص المسرحي الذي يعتمد على مقولة هامّة وإيصالها للجمهور بطريقة ممتعة ومفيدة؟.

علاقتي وطيدة بمسرح الطفل

أما الفنان تاج الدين ضيف الله، وهو أحد أهم الممثلين الذين يتوجهون إلى الطفل بشكل شبه دائم من خلال المسرح، والحاصل على عدة جوائز فيه، منها جائزة أحسن ممثل في أحد مهرجانات الأردن من خلال مسرحية "نصفا جزيرة" إخراج سامر الزرقا، فيشير إلى أن أهم ما يميز هذا العمل ابتعاده عن القصة التقليدية للأمير والأميرة باعتباره يركّز في مضمونه بالدرجة الأولى على موضوع النظافة، وضرورة الحفاظ على البيئة من خلال سلطان وأمير وساحرة، ويوضح ضيف الله أن هذه النقاط الهامة هي التي أغرته للمشاركة في هذا العمل، ويبيّن أنها المرة الثانية التي يتعامل فيها مع مخرج العمل .

وعن شخصيته يوضح ضيف الله أنه يجسد دور السلطان الذي يحب النظافة والترتيب، وقد ربى ابنه الأمير حسان على ذلك أيضاً، ولكن ما يحدث أن الساحرة تقوم بسحر الأمير فتحوله إلى شخص يكره النظافة والترتيب، ولإنقاذ ابنه يقوم السلطان بالاحتيال على الساحرة لتعيده كما كان .

ويؤكد ضيف الله أن علاقته بمسرح الطفل وطيدة، والدليل مشاركته الدائمة فيه على الرغم من  صعوبة هذا النوع من المسرح الذي يتمتع جمهوره بالذكاء فيلتقط كل شاردة وواردة، وعندما يعبّر عن رأيه يفعل ذلك بصراحة شديدة دون لف أو دوران،  ومن هنا تأتي المتعة التي يحققها هذا المسرح للممثل الذي يعمل فيه، خاصة إذا نجح العمل في إضحاك الطفل وتسليته وتقديم الفائدة له، ويؤكد ضيف الله أن هذا المسرح يحتاج إلى النص المناسب والإمكانيات المادية الكبيرة، وهو يمتلك في سورية طاقات فنية وإبداعية مهمة على صعيد الإضاءة والديكور والصوت والمكياج والأزياء والتمثيل والإخراج .

ممثل بمواصفات خاصة

وبعد خمس تجارب مسرحية موجهة للطفل ينفي الفنان جيرار اوغبشيان صحة ما يردده البعض من أن الممثل يلجأ إلى مسرح الطفل لقلة الفرص الممنوحة له على صعيد التلفزيون أو مسرح الكبار، ويؤكد أن سبب استمراره في هذا المسرح هو حبه له، وشعوره بأنه ينجح في التقرّب من الطفل ويستطيع التعامل معه وإيصال الرسالة التي يريد إيصالها، ويشير إلى أن هذا المسرح يحتاج إلى ممثل خاص بمواصفات معيّنة يعرف من هو الطفل وماذا يريد، وفي الوقت ذاته يبيّن اوغبشيان خطورة عدم فهم بعض المشتغلين في هذا المسرح للطفل واحتياجاته باعتبار أن ذلك سينتج مسرحية ليس لها علاقة بالطفل وبالأشياء التي يحبها .

وعن دوره يشــــير اوغبشـــــيان إلى أنــــه يجســـد شخصية الأميـــر حســــان الذي يتحول من أمير يحب النظافة والترتيب إلى كاره لهما .

صعوبات كثيرة

كما تؤكد الفنانة ميريانا معلولي من خلال هذا العمل على أنها تعمل في مسرح الطفل انطلاقاً من محبتها له كفن ومن محبتها للطفل، لذلك تسعى دوماً لأن تكون في عروض مسرح الطفل، وهي التي تعددت مشاركاتها وتنوعت، ورغم ذلك تبيّن أنها مع كل عمل تكتشف مدى صعوبة التوجه للطفل وتقديم ما يريده بالشكل اللائق والصحيح، ويحزنها جداً أن هذا المسرح الذي يجب أن يكون على أكمل صورة يعاني من استسهال يمارسه بعض العاملين فيه مع أنه من أصعب الفنون، وتعتقد أن تقديم هذا المسرح بشكل لائق يحتاج بالدرجة الأولى إلى جهود جميع المعنيين به ليكون مسرحاً يليق بالطفل الذي هو عماد المستقبل .

تقديم ما هو مفيد

وكان من الطبيعي أن تعبّر الفنانة آلاء عفاش عن قلقها في أول تجربة مسرحية لها بعد التخرّج وفي أول تجربة لها في مجال مسرح الطفل رغم اعترافها بأنها بذلت كل ما في وسعها لتجسيد شخصية الساحرة، وتمنت على الجمهور (الأطفال) ألا يتوقفوا عند بعض الثغرات العادية.. من هنا فهي تدعو جميع الأطفال لحضور المسرحية وتشجيعها شخصياً على أداء شخصية الساحرة، مؤكدة لهم أنهم سيستمتعون ويستفيدون من هذا العمل، لأن الغاية في النهاية تقديم ما هو مفيد، وهذا ما يسعى إليه –برأيها- جميع العاملين في مديرية المسارح، وتبيّن أن كل الأعمال التي تقدمها المديرية هي لفائدة الطفل، مشيرة في الوقت ذاته إلى صعوبة العمل للطفل، ولذلك تحزن كثيراً ممن يستخفون بمسرح الطفل الذي يحتاج إلى ممثل مهيّأ حيوياً وفكرياً ليكون قادراً على تحقيق التواصل المطلوب مع الجمهور، لأن الممثل إن نجح في ذلك تحقق الهدف الأسمى من مسرح الطفل وهو تحقيق المتعة والفائدة .