2012/07/04

ناصر قنديل .... لو كان ما يقولونه صحيحاً؟
ناصر قنديل .... لو كان ما يقولونه صحيحاً؟

ناصر قنديل - تشرين

في الخطاب الإعلامي لقنوات شهود العيان كما في الخطاب الديبلوماسي لحكومات حقوق الإنسان والخطاب السياسي لمعارضة بين أربعة جدران، مفردات متكررة تعفينا من مناقشتها كل على حدة، كما تعفينا من التساؤل عن حجم الصلة التي تربطها، من فنادق الخمسة نجوم إلى شاشات الشعب المظلوم وصولا إلى واشنطن حاملة كل الهموم.

والسؤال البسيط هو، لو كان ما يقولونه صحيحاً... لماذا تصمد سورية؟ ‏

يقولون في الساحات والهتافات وعلى الشاشات: الشعب يريد إسقاط النظام، ويقولون إن الأجهزة الأمنية تطلق النار على المتظاهرين، ويقولون إن شهداء الجيش يسقطون برصاص أجهزة الأمن لرفضه الانصياع للأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، ويقولون إن الانقسامات في الجيش على قدم وساق، ولا يفسرون لنا إذا كان هذا صحيحاً كيف يبقى النظام واقفاً على قدميه؟ وكيف تدور الحياة دورتها الطبيعية في مدن سورية كل صباح، وكيف يخرج الناس إلى أعمالهم؟ وكيف تسهر دمشق وحلب حتى الصباح؟ ‏

يجيبون أن الشعب يريد ما يقولونه بالنيابة عنه، وأن الذين يخرجون على قلتهم، طلائع مضحية بالنيابة عن الشعب، لكن هل يستقيم هذا القول مع تقارير فضائياتهم الملفقة، وأحاديثهم المنمقة، أن الشعب كسر حاجز الخوف؟ إما أن يختاروا تفسير الخوف لظهور أقلية في الساحات، وإما أن يختاروا الاعتراف بكونهم أقليةً؟ ‏

القول: إن طليع شجاعة، وكما تناغم في الحديث رموز خمسة نجوم خلال اليومين الماضيين عن أن كل متظاهر في سورية يعادل ألفاً في أي بلد آخر، يعني شيئاً واحداً وهو احتقار سائر السوريين الذين لا يشاركونهم الخروج، واستعلاءً عنصرياً مقيتاً فيه إهانة لكل السوريين، فإذا كانوا هم شجعانا فهل يعدّون سائر السوريين جبناء؟ ‏

سمعناهم في رسائلهم يتهمون حلب والشام بالجبن علناً، ويستفزون أبناء المدينتين بالخروج للساحات من دون جدوى، وحلب والشام ثلاثة أرباع سورية سكانياً، والسؤال هو ببساطة أيضا إذا كانت أجهزة الأمن قادرةً على التغلب على الشعب كله والجيش كله؟ فمن أين هذه القوة الأسطورية وكيف يمكن أن يقتنع بها طفل رضيع؟ ‏

السلاح الأقوى والثقة الأقوى هي للجيش وبالجيش في سورية، وما شهدناه في بلاد عربية أخرى يقول: إنه يكفي أن يقف الجيش على الحياد، وأن يكون الشعب يريد تغيير النظام حتى تمتلئ الساحات بالملايين، وتالياً أن يسقط النظام، فلماذا لا يحدث هذا في سورية؟ والسوريون أساتذة الشجاعة يا قادة الفنادق والأربعة جدران؟ ‏

شاهدنا في تونس كيف أحرق قادة رأي أنفسهم في الساحات، ولم نشهد واحداً منكم، وليس من بسطاء تستخدمونهم، يحرق نفسه في ساحة عاصمة أوروبية أو في باحة فندق فخم ليكون قرباناً للثورة التي تدّعون.لو كان صحيحاً ما تقولون لماذا لم تجدوا من يملأ ساحة من الساحات على طول وعرض سورية كلها، ولماذا لا تجدون إلا أيام الجمعة تستغلون بعدها الديني والغطاء الذي توفره مساجدها، بينما شهدنا في مصر وتونس صلوات الجمعة تنتقل إلى الساحات والميادين وليس شباب الساحات يختبئون في المساجد؟ ‏

حتى في ليبيا واليمن حيث تتعثر الثورة، لا لشيء إلا لعدم قدرتها على توحيد مكونات الشعب من حولها، وقد علمتنا تجارب الشعوب والثورات وكذلك الثورات المضادة، أنه إذا تمكّن القيّمون على الثورة، سواء كانت بيضاء أو حمراء أو سوداء، من كسب تأييد الأغلبية الكاسحة من الشعب لما احتاج الأمر إلا بضعة أسابيع، هكذا سقط نظام الشاه في إيران في زمن الكاسيت وقبل زمن الفضائيات، وبين يديه أعتى آلة قمع ومخابرات وأقوى دعم خارجي، وهكذا تهاوت جورجيا وأوكرانيا في ثورات القرنفل والورد الملون، وهكذا مصر وتونس، وهكذا في تشيلي سقط نظام اللينيدي لحساب المخابرات الأميركية أمام الاعتصامات الشعبية والمتظاهرين.. في ليبيا من الأسابيع الأولى للحراك سقطت مدن كبرى كبنغازي بيد المحتجين، وتبعتها مدن أخرى حتى وقف التهاوي بقوة تأييد شعبي للنظام في مدن موازية، وإلا لماذا قوة الأطلسي ولشهر متواصل من الحصار والعقاب والنار لم تفلح ؟ مع ما يفترض أنه ثورة في بلوغ هذه الثورة أهدافها، إذا كان كل الشعب معها؟ و في اليمن بدا من الأسبوع الثاني للحراك أن الاعتصام الشعبي سيطر على ميدان صنعاء الرئيس، لكن برغم الملايين خرجت ملايين أخرى مؤيدة للرئيس علي عبدالله صالح، وانقسم الشعب، فكانت نصف ثورة في ليبيا ونصف ثورة في اليمن، أما في سورية فلم يحدث حتى نصف ربع هذا، فلماذا برأيكم إذا كان صحيحاً ما تقولون؟ ‏

ثمة شيء لافت في الذي تشهده سورية، وهو أن التنظيمات الارهابية المسلحة هي التي تصنع الحدث، تنتج بدماء السوريين مدنيين وعسكريين خبراً يروي عطش الفضائيات لما تدور حوله نشرات أخبارها على مدار الساعة، ويجري استئجار نقدي أو تطوعي لمثقفين متحدثين يحللون ويقدمون التفسيرات ويخترعون النظريات لتبقى الآلة تدور على مدار

الساعة أيضا، فالوقت يحتاج لمن يملؤه، لكن السؤال هو كيف استوى أن يكون الحراك الذي يجري في شوارع سورية يصنعه متطرفون تكفيريون يفترض أنهم من أهل الجهاد، يقبلون أن تكون غرفة عملياتهم في واشنطن؟ ربما الجواب يكمن في فتوى القرضاوي استعينوا على الظالمين بالظالمين، وهي مثل فتوى بعض الأطراف اللبنانية بالاستعانة بالشيطان لمد اليد إلى إسرائيل. ‏

لكن السؤال أيضا كيف استوى أن يرتضي الغرب العبث بلعبة سياسية تستند إلى مَنْ يفترض أنه في نظره قوى إرهابية يعلن الحرب عليها؟ وكيف استوى أن يخوض مثقفون يفترض أنهم علمانيون معركة تسويق قوى لو قيض لها الحكم لأقامت عليهم الحدود وحكمت بإعدامهم بالساحات ككفرة ملحدين؟ ‏

هل نحن أمام الصفقة التي تضمنت انخراط جناح دولي من الأخوان المسلمين رسمياً في الخطة الأميركية لإدارة المنطقة من مصر إلى فلسطين والأردن وسورية والعراق واليمن وليبيا، وترويض المجموعات الجهادية لحساب المشروع نفسه بعد التخلص من أسامة بن لادن، وهل يراهنون على المصالحة الفلسطينية كمدخل لتصفية روح المقاومة والتمهيد للوطن البديل مجدداً في الأردن؟ طبعاً كله مرهون في حسابهم وحسابنا بمستقبل سورية، يراهنون أن تسقط ليبدأ الزمن الإسرائيلي من جديد، وسورية لن تسقط، وسيدور الزمن دورته. ويثبت قابل الأيام ما نقول، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. ‏