رحل رغم أنف الجميع
الإثنين, 07 شباط/فبراير 2011 23:17
علي وجيه
كان
على عمر أميرالاي (1944 - 2011) أن ينتظر أكثر من 40 عاماً، منذ معايشته لثورة الطلاب الشهيرة في باريس عام 1968، قبل أن يرى حراكاً مماثلاً في كل من تونس ومصر. يذكر المقرّبون منه كيف عاد إليه بعض الأمل وهو يتسمّر أمام شاشة التلفزيون لمتابعة الثائرين في ميدان التحرير، ليكون التوقيع على بيان المثقفين المؤيدين للثورة الشعبية في مصر آخر آثاره العامة.
بقدر ما كان هادئاً وودوداً ويعمل بصمت على المستوى الشخصي، كان إشكالياً ومسكوناً بالهم والمبدأ على المستوى العام. في فيلمه الأول «محاولة عن سدّ الفرات» 1970، دشّن أميرالاي وثائقه البصرية «الممنوعة» عن الريف السوري، عاد بعدها مع صديقه سعد الله ونّوس في «الحياة اليومية في قرية سورية» 1974 لنقل قسوة الحياة في قرية «المويلح» بدير الزور، حيث نرى أناساً مشلوحين، منسلخين عن الصيرورة التاريخية والحياتية وكأنّهم من كوكب آخر. في «الدجاج» 1977 يثبت أميرالاي أنّ عدسته تهوى الألم الإنساني وتوثيق الشقاء والقهر من خلال فلاحي قرية «صدد» ومعاناتهم. حلقاته الريفية اكتملت بعد سنوات بشريط صدامي نقدي لاذع دون أدنى مواربة أو تورية. «الطوفان» أو «طوفان في بلاد البعث» 2003 انقلب فيه أميرالاي على شريطه الأول المنحاز للتجربة البعثيةً، مستخدماً كل الوسائل لتحقيق شريطه المباشر الذي أثار غضباً رسمياً.
هكذا، اتخذ عمر من التسجيلي خياراً حتمياً ثابتاً ومضى فيه حتى النهاية. كان سابقاً لعصره سينمائياً ومتجاوزاً لمجايليه في الرؤية الأوسع والثبات على المواقف دون مهادنة. كان يؤمن أنّ السينما قادرة على الفعل وإحداث التغيير. حتى معارضيه يشهدون للرجل أنّه لم يتزحزح عن مواقفه وأفكاره رغم كل شيء، وفي صوتهم نبرة احترام لا لبس فيها.
مهارته في المزاوجة بين الوجع الفردي والهم العام لا غبار عليها. أفلام مثل «عن ثورة» 1978 و«طبق السردين» 1997 تنطلق من الخاص إلى العام ومن الراهن إلى الدائم للخروج بوثائق بصرية غاية في الأهمية. بساطة الفكرة لديه مدخل أساسي لتقديم طرح عميق، كما فعل في «مصائب قوم» 1981 عندما توغل في عالم الحرب الأهلية اللبنانية من خلال شخصية حفّار قبور. انقياده خلف حدسه لا يتعارض مع مهنيته واحترافيته في العمل. حساسيته المفرطة تجاه اللقطة والكادر واضحة. دقة ملاحظته تغني مشهده دائماً بتفاصيل صغيرة مستوحاة من البيئة التي يعمل ضمنها، كما حدث في فيلمه عن رفيق الحريري «الرجل ذو النعل الذهبي» 1999 عندما لاحظ أنّ لمعان كعب حذاء رئيس الوزراء اللبناني الراحل لا يتناسب مع غبار الشوارع.
اعتاد أميرالاي منع أفلامه من العرض، فلم تُشاهد سوى على نطاق ضيق في بعض العروض الخاصة والمراكز الثقافية الأجنبية. وفي عام 1981، تمّ إغلاق «النادي السينمائي» الذي أنشأه مع مجموعة من السينمائيين والمثقفين اليساريين عام 1974، وكانت هذه المجموعة قد نجحت في إقامة مؤتمر تحضيري للسينمائيين السوريين عام 1976، حيث شارك أميرالاي في لجنة صوغ مشروع «المجلس الوطني للسينما» و«الصندوق الوطني للسينما»، حيث كانا من توصيات المؤتمر الذي لم يتكرر.
هذا
لم يفت في عضده، فتابع وهاجر إلى فرنسا في الثمانينيات لينجز أفلاماً مغايرة عن شخصيات إشكالية بالضرورة. هكذا انطلق مشروع توثيقي إشكالي آخر، له طابع تحليلي سجالي في مقاربة غير تقليدية لشخصيات عامة: «إلى السيّدة رئيسة الوزراء بنازير بوتو» 1990 عن رئيسة الوزراء الباكستانية الشهيرة، «في يوم من أيام العنف العادي، مات صديقي ميشال سورا...» 1996 عن الباحث الفرنسي المعروف الذي اختطف في الحرب الأهلية اللبنانية، و«الرجل ذو النعل الذهبي» 1999 عن رفيق الحريري. محلياً أخذ المشروع بعداً آخر، واشترك فيه زميلاه محمد ملص وأسامة محمد، فرأينا «نور وظلال» 1994 عن الرائد السينمائي السوري نزيه الشهبندر، و«المدرِّس» 1995 عن التشكيلي السوري الأشهر فاتح المدرِّس، و«هنالك أشياء كثيرة كان يُمكن أن يقولها المرء» 1997 عن صديقه سعد الله ونّوس في أيامه الأخيرة.
شخصيات أميرالاي تظهر دون رتوش، مكشوفة الدواخل أمام كاميرته، ضمن بوح خاص يصنع فيلماً مؤثراً. ليس مستغرباً أنّ معظمهم من أصدقائه وممن لهم عنده فسحة عاطفية واضحة. يعيش مع شخوص أفلامه وينجح في اختراق عوالم الأسماء العامة، وفي «الحب الموءود» 1983 نرى كيف دفع النساء إلى البوح والكلام حتى في الخصوصيات أمام عدسته.
سعى عمر أميرالاي إلى إحياء النادي السينمائي المتوقف في التسعينيات واضعاً في ذهنه ضرورة توسيع نشاطه إلى كافة المحافظات السورية. كما سعى منذ أعوام قليلة لإنشاء معهد للسينما مع بعض السينمائيين والنقاد، منهم أسامة محمد وهيثم حقي، ولم تنجح المحاولة. ضمن نفس توجهه التأسيسي لجيل سينمائي قادر على تحمّل المسؤولية والخروج بنتائج مهمة، درّب أميرالاي العديد من السينمائيين الشباب، وعمل بمراكز تدريب في عمّان وغيرها، كما كان من المساهمين الرئيسيين في انطلاق مهرجان «أيام سينما الواقع» Dox Box عام 2008.
«إغراء» عنوان آخر مشاريع أميرالاي الذي كان يحضّر له مع عروة النيربية كمنتج، عن الممثلة السورية الجريئة. وكان قد حصل على منح إنتاجية من «الصندوق العربي للثقافة والفنون» وصندوق «سند» التابع لمهرجان أبو ظبي السينمائي، وحسب النيربية: «هو مشروع الراحل، وبالتالي فإنّه سيذهب معه».
عمر أميرالاي نجح في وضع اسم سورية على خارطة الفيلم التسجيلي العربي وحتى العالمي، وصدمة رحيله نابعة من كون الرجل ما زال لديه الكثير ليقوله في السينما السورية، ولكن يبدو أنّه آثر المغادرة بهدوء يناسب شخصيته.. ورغم أنف الجميع.
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.







