2013/07/20

البحث عن الدراما الضائعة.. في مسلسلات رمضان
البحث عن الدراما الضائعة.. في مسلسلات رمضان

 

صهيب عنجريني – السفير

 

 

يعود أصل كلمة «دراما» إلى الجذر اليوناني dran، وتدلّ على «عملٍ يُقام به». وقد عرّف أرسطو الدراما بأنها: «محاكاةٌ لفعل الإنسان». لاحقاً لذلك ظهرت مصطلحات عديدة مرتبطة بالفن الدرامي، من أهمها مصطلح «البناء الدرامي». والثابت أنّ المرتكز الأساس لأي بناء درامي هو السيناريو، الذي ينبغي عليه أن يؤسس لمجموعة أفعال درامية منفصلة متصلة، ينظمها خط أو مجموعة خطوط. وقد عرّف لويس هيرمان صاحب كتاب «الأسس العلمية لكتابة السيناريو للسينما والتلفزيون» السيناريو، على أنه «خطّة وصفية تفصيلية متسلسلة، تجمع بين الصورة والصوت، وتُقدّم إلى المخرج، الذي يتولى تحويلها إلى واقع مرئي سمعي». ومع دخول المائدة الدرامية الرمضانيّة مفتوحة ربعها الثاني، بات ممكناً التوقف مع نماذج من سيناريوهات المسلسلات السورية المعروضة عبر الشاشات العربية للنظر في بنائها الدرامي، ومرتكزاته.

يقع الكثير من كُتَّاب هذا العام في فخّ الاعتماد على الحوار وسيلةً أساسيةً وشبه وحيدة للنهوض بالبناء الدرامي لنصوصهم، ليجد المشاهد نفسه على موعد مع الكثير من الكلام والقليل من الدراما.

على سبيل المثال فقد كتب رافي وهبة حوارات ذكية ونابضة لمسلسل «سنعود بعد قليل» المأخوذ عن الفيلم الإيطالي «الجميع بخير» للمخرج جوزيبي تورناتوري. غير أنّ حوارات وهبة لم ينظُمها خط بنائي صاعد، بل تمدَّدت بطريقة أفقية أريد لها أن تملأ المساحة الزمنية. لكنَّ الكلمات «لا يمكن لها أن تملأ كيساً» كما يقول شكسبير. الأمر ذاته ينطبق على ما كتبه عدنان عودة في «يا مال الشام (حدث في دمشق)»، حيث لم تُفلح الوجبة الأيديولوجية الدسمة التي حفلت بها الحلقات السبع الأولى، في القبض على حدثٍ درامي حقيقي.

نجا مازن طه في «سكر وسط» الذي أخرجه المثنى صبح من ذلك الفخ، مستندا إلى توزيع الحدث على جرعات صغيرة في بناء كلاسيكي صاعد، الأمر الذي كانت رانيا بيطار قريبة من تحقيقه في خماسيتها «عقاب أزلي» التي أخرجها ناجي طعمة ضمن سلسلة «صرخة روح». إلا انّ المادة الحدثيّة التي قدّمتها بيطار كانت أصغر من ملء الزمن الكافي لصناعة خماسية، فكان اللجوء إلى تقنية «الفلاش باك» متكرراً وغير مبرّر موضوعياً. تقدّم بيطار مواقف درامية ذكية، لكنها غير منظومة في بناء محكم. ولولا الأداء المتميز لبسام كوسا وديمة قندلفت لوقعت القطيعة بين المُشاهِد والمُشاهَد منذ الحلقة الأولى.

بدوره، قدّم سامر رضوان عبر «الولادة من الخاصرة ــ منبر الموتى» مشاهد مسبوكة بتقنية، لكنها افتقدت هذه المرة الناظم الإيقاعي الدقيق، فغابت النغمة الخافتة التي تُشكِّل مع الصخب عنصرَيْ الإيقاع الدرامي الأساسيين، واقتصر حضورها على مشاهد متباعدة، مشاهد يبدو أن الكاتب فطن لضرورتها فجاءت مطولة لتعويض ما فات (مشهد عزام وشقيقته داخل خزان الماء في الحلقة السابعة على سبيل المثال). ولعلّ رغبة النص في محاكاة الأزمة السورية دفعته إلى الإيغال بعيداً في الضجيج انطلاقاً من نظرية «دراما القسوة». رضوان، نجح في نصب أفخاخ عاطفية للمتلقي، يعود إليها الفضل في الحفاظ على العلاقة بين المسلسل والجمهور التوّاق إلى تحقيق انتصاراتٍ افتراضية على الذراع الأمنية عبر تعرية أفعالها.

وتكاد ريم حنّا تنفردَ في تقديم نسيج درامي دقيق عبر سيناريو «لعبة الموت»، الذي أفلح ــ حتى الآن ــ في تحاشي الانسياق مع الرغبة المحمومة في قول كل شيء دفعة واحدة (الأمر الذي وقعت فيه معظم السيناريوهات السورية لهذا الموسم). اشتغلت حنّا باحترافية عالية، تشبه صناعة الفيسفساء، حيث يتموضع كل جزء في مكانه الصحيح، ويقول المشهدُ الواحد ما ينبغي أن يقوله من دون زيادة أو نقصان، ممهِّدة بذلك الطريق أمام المُخرجَين الليث حجو وسامر برقاوي، لتقديم مسلسل أنيق بعيدٍ عن التكلف.

استفادت الكاتبة من تقنية السرد المتوازي لضبط إيقاع نصها، تقنية استعارتها حنّا من السينما، وتحديداً فيلم «النوم مع العدو» والمأخوذ بدوره عن رواية بالاسم نفسه. ورغم أنه «ليس هناك ما هو أسوأ من قصة يجري تطويلها» كما يرى غابرييل غارسيا ماركيز، إلا انَّ التطويل في «لعبة الموت» يبدو مشغولاً بذكاء. يقول ماركيز نفسه: «كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة، والمهم بالنسبة لكاتب السيناريو هو اكتشاف تلك التقنية». ثمة كُتّاب أفلحوا في الاكتشاف هذا الموسم، وآخرون فشلوا.. ثمة أيضاً من لم يحاول تاركاً للمخرجين مهمة إجراء عمليات تجميلٍ قدمت لنا مسلسلات متشابهة أسوة بصبايا السيليكون.