2013/08/01

الدراما الشامية .. وهم الاختلاف والتجديد
الدراما الشامية .. وهم الاختلاف والتجديد

 

عقبة زيدان – الثورة

 

 

إذا أعاد مؤلف ما كتابة (هاملت) أو (الإلياذة والأوديسة) فسيكون موقع سخرية، أو على الأقل موقع استهجان القراء والنقاد، رغم أن هذين العملين خالدان في التراث الأدبي العالمي.

وسيكون من حق أي قارئ أن يسأل بمشروعية مطلقة: ما الهدف من تقليد الأصل الجميل وفادح الجمال، بنسخة أخرى ؟. وفي المقابل، إذا أعاد مخرج ما برفقة طاقمه، إنتاج فيلم (صمت الحملان)، فسيكون موقع تساؤل ونقد، حيث إن النسخة الجديدة ستكون أقل وقعاً من النسخة الأصلية، وستُثار أسئلة كثيرة، أولها:‏

 

ما الهدف ؟.‏

 

الرثاء الحقيقي والهائل الآن يصب على الدراما الشامية، التي لم تملّ بعد من فرش ونثر كمية كبيرة من الأغوات والبكوات والقبضايات والنساء الثرثارات والمخاتير في الحارات الشامية المصنوعة من مواد خشبية وبلاستيكية وبعض الطين.‏

طبعاً - الآن وفي كل وقت - سيعلن المنتجون والممثلون استياءهم من أي نقد لهذه الدراما، التي لم تجد إلى الآن مخرجاً حقيقياً، يُظهر تاريخ هذا البلد العملاق، والعملاق حقاً.‏

هل اختُصر تاريخ دمشق وسورية عموماً بقرنين من الزمن؟ وهل إن عصر ابن عربي - الذي تزعم متصوفة العرب - لا يدخل ضمن تشكيلة الدراما الشامية؟ وهل إنه لا مكان له في الحارات الشامية، رغم أنني أتوقع أن الشيخ الأكبر تجول تحت أشجار الياسمين الدمشقي؟ هل تكون مملكة آرام دمشق مجرد حكايات منسوخة في كتب التاريخ فقط، رغم أن اسم دمشق رُصع كأول مدينة مأهولة في التاريخ؟‏

يدافع بعض أفراد طاقم عمل مسلسل (ياسمين عتيق) على اختلافه عن مسلسلات البيئة الشامية السابقة، باعتباره فتحاً جديداً، حرر المرأة من إسار عبوديتها وتبعيتها للرجل، وجعلها سيدة نفسها .‏

هل هذا أمر جديد؟ ألم يتم تجاوز فكرة تبعية المرأة للرجل وتحررها منه؟ أليست المرأة السورية الآن في موقع المسؤولية السياسية والاقتصادية والثقافية، وسابقاً كانت رائدة في مجالات شتى (ماري عجمي، ماريانا مراش/ نموذجان).‏

لا يكون جديداً ومهماً ذلك العمل الدرامي الذي يتوقف عند أفكار قروسطية، يتوقع أنها تهم أحداً في عصر المالتيميديا وثورة النانو. وليس مهماً أبداً إعادة إنتاج ماضٍ يحاذر الدخول في حاضر مأزوم بأشياء أخرى، ومن ثم يعيدنا إلى أفكار تجاوزها العصر الحديث، تحت يافطات شتى.‏

(ياسمين عتيق) عودة إلى تاريخ دمشق أوائل القرن التاسع عشر، حتى مجيء إبراهيم باشا المصري. هناك أغوات طماعون، ورجال دين يدافعون عن الحق، وشباب مدافعون عن العدالة الاجتماعية، ونساء يناصرن الحق، وقصة حب بين شاب وفتاة ينتمي كل منهما إلى دين يختلف عن دين الآخر.‏

 

ما الجديد؟..‏

 

القصة ليست جديدة طبعاً. وإذا انتقلنا إلى الأداء، فإننا سنقع في مشكلة التقييم التي يختلف حولها أحباب كثيرون، ولذلك لنتركها، مع ملاحظة أن الأداء - في نظري - ليس موفقاً، لافتقاره إلى الإقناع .‏

يجمع بعض الفنانين المشاركين في العمل على أن (ياسمين عتيق) علامة فارقة في تاريخ الدراما الشامية !! وهذا أمر فيه الكثير من المبالغة وتجاوز لرأي الآخرين، وفيه كثير من التورط في الإعلاء المجاني من قيمة العمل .‏

إن مدينة عمرها 10 آلاف عام، ليست هي ذاتها التي تصارع لكي تجد مكاناً لائقاً لامرأة، وليست هي تلك التي يتصارع فيها الأغوات والعكيد وشيخ الحارة والخباز والحلاق..إلخ.. إنها المدينة التي علمت الدنيا كيف تكتب تاريخاً كريماً، وكيف تعمر بيوتاً وتخلق آفاقاً أيضاً.‏

الجرأة كانت في عودة مسلسل (طاحون الشر) بجزء ثان هذا العام (لأنني توقعت أن يتوقف من تلقاء نفسه) . وحين يعلن المخرج ناجي طعمي أن مسلسله في جزئه الثاني لن يقل إثارة عن سابقه، فإن أسئلة كثيرة تقفز إلى الواجهة حول نوع الإثارة ومقياسها وحول نجاح العمل في جزئه الأول.‏

عاصم باشا رجل شرير، يحيك خيوط الشر ليوقع بها من حوله من دون وازع من ضمير. أبو شكري رجل طيب يحاول حل المشكلات والخلافات بين الناس كي لا يصل الأمر إلى المخافر. وأشياء أخرى، ربما - في نظري - لا تشكل إثارة جديدة.‏

أما (زمن البرغوت) فيعيدنا إلى الماضي بعاداته وتقاليده، ويرصد نهاية المرحلة العثمانية ودخول الملك فيصل سورية ومعركة ميسلون. ويشاع بأن المسلسل سيكمل مشواره عبر عدة أجزاء أخرى . وهذا ليس جديداً في الدراما الشامية التي صفعتنا سابقاً بعدة أجزاء من (باب الحارة)، وأمعنت في جَلدنا بمشاهد عجيبة من التخلف والقهر، لا تناسب تاريخ دمشق وعراقتها.‏

هنا عكيد ومختار ومشعوذة وقبضاي الحارة، وخطّابة، وقصة حب لا تتوج بالزواج.. وأحداث أخرى لا تخرج عن إطار الدراما الشامية المعتادة.‏

ويتصدى المخرج مروان بركات لإخراج (قمر شام) عن نص لمحمد خير الحلبي وبطولة بسام كوسا. المسلسل حكاية دمشقية تؤكد صراع الخير والشر، وكما يراها مؤلفها الحلبي: (رواية مثل الخيال.. ما عاش مثلها حدا.. ولا سمعت بمثيلها أذن البشر). وفي الواقع هي حكاية (شهران) الرجل الشهم الذي يمثل الخير، ويعمل مع قبضايات الحارة في وجه أبو عبدو وفريق أشراره. وهذه بالتأكيد ليست حكاية من عالم الجن، وليست أحداثاً من رواية (بيدرو بارامو) المذهلة أو حكايات العفاريت في (ألف ليلة وليلة). إنها قصة عادية وكفى. وعلى المؤلف أن يترك للناس تقرير مستوى قيمتها الإنسانية والفنية.‏

وهكذا فقد علقت دراما البيئة الشامية بمجموعة من المصطلحات، وما زالت عالقة من دون فائدة تذكر، سوى أنها تعود إلى جزء من الماضي وتحاول إغراقنا فيه، ومن ثم إقناعنا بأنه جميل وفاتن.‏