2014/02/22

أم كلثوم "كوكب الشرق"
أم كلثوم "كوكب الشرق"

 

مارلين سلوم – دار الخليج

 

 

ينتابنا إحساس أحياناً بأننا ولدنا لنكون شهوداً على نهايات الكبار، فأين نحن من البدايات؟ الكبار في الفن والأدب يترجلون، يرحلون . . رحل منهم الكثير ونحن بعد صغار، واستمتعنا بمعايشة من تبقى منهم . لكن هل عرفنا كيف نميزهم ونستفيد منهم؟ والباقون يرحلون الواحد تلو الآخر، ونحن نشاهدهم ونشهد على رحيلهم، بينما تفلت خيوط رقيّهم وتمّيزهم وعبقريتهم من بين أيادينا، لتسود غوغائية الفكر الاستهلاكي المعاصر .

مرَّت بنا مجموعة ظواهر استثنائية، كنا أثرياء بها، أغنت فننا وثقافتنا، وتركت أثرها في الجذور . والأسماء كثيرة من كل بلد عربي، لا يمكن أن نذكر بعضها وننسى بعضها الآخر . إنما المهم أن نعطيها حقها سواء كانت ما تزال على قيد الحياة، أو أن نتذكرها ونذكر الأجيال بها إن كانت من الراحلين . والأهم، أن نواصل ما بدأته، نسير على الخطى، نحاول أن نُبدع، وأن نستمر في الارتقاء بالكلمة واللحن والغناء والأداء والفكر، كي نرتقي بالأخلاق والوعي والثقافة . . وهو ما لا يحصل، بل يُصر البعض على هدمه لبناء "عشوائيات فكرية" وفنية، أساسها من قش، بلا دعائم متينة ولا أساس حقيقي .

أم كلثوم "كوكب الشرق" ظاهرة حقيقية، وقد رحلت في مثل هذا الشهر فبراير / شباط ،1975 تاركة لنا تركة غنية بل ثروة غنائية لا تقدر بثمن . وهي لم تكن زهرة الإبداع الوحيدة التي نبتت بين الأشواك، وإنما نبتت في بستان من الزهور الجميلة، فارتوت منه شعراً ونغمات، كحّلت بها أوراقها النديّة، فقدمت نفسها للجمهور بأجمل صورة، وفاح منها أزكى عبير .

روائح الماضي ما زالت تعبق حتى اليوم، ومازلنا نستحضرها كلما أردنا أن نتسلق السلم صعوداً لنرتقي بأنفسنا وبأرواحنا فوق الحضيض الذي تجرنا إليه ضوضاء وغوغائية هذا الزمن . بينما يستخدمها "صغار" الفنانين -والمقصود بهم صغار القيمة الفنية - كدرجات يقفون عليها علّهم يرتفعون قليلاً فيراهم الجمهور، ومن ثم يهبطون مجدداً إلى حيث مكانهم الطبيعي في القاع .

حين تذكر أم كلثوم، تكتشف أنك تتحدث عن حقبة زمنية بكاملها، عن مجموعة أسماء وشخصيات سياسية ودينية وأدبية وفنية . فهي لم تكن امرأة عادية، ولا مغنية تؤدي وصلتها وتعود إلى بيتها، بل كانت سيدة على المسرح، وسيدة في بيتها، وسيدة في المجتمع، وسيدة في وطنها، وسيدة في الوطن العربي، وفي العالم الغربي أيضاً . امرأة لعبت كل الأدوار التي كانت تقدر عليها، فترأست أول نقابة للموسيقيين، ووقفت إلى جانب قادة مصر السياسيين والرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وساهمت في حملات لبث الروح الوطنية في نفوس الناس، وحملات التبرع .

حين تذكر كوكب الشرق تذكر أحمد رامي، ومحمد القصبجي، ورياض السنباطي، ومحمد عبدالوهاب . وتذكر باقة من أجمل الفنانين المبدعين ومنهم فيروز أطال الله بعمرها . كل من هؤلاء شكّل ظاهرة في فنه وأسلوبه، وكل أعطى الفن والناس من كل قلبه، لذلك نجح في الوصول إلى قلوب كل الناس، وتربع فيها أجيالاً بعد أجيال، ولن يستطيع أحد أن يحتل مكانه أو يشوه صورته .

ألم يعد هناك أصوات جميلة ومهمة؟ بلى، لدينا الكثير . ألم يعد هناك شعراء وكتّاب أغنية؟ بلى، لدينا القليل . ألم يعد هناك ملحنون بمستوى ذلك الزمن الجميل نفسه؟ بلى، لكنهم أصبحوا كالعملة النادرة .

إذا نظرت إلى أحوال الأغنية العربية تسأل أين هؤلاء؟ والجواب ببساطة أنهم محترمون، لذلك يفضلون التراجع إلى الخلف في زمن العشوائيات الفنية، و"البلطجة" في سوق الأغاني . يتراجعون إلى الركن الهادئ ولا يظهرون إلا نادراً، ونحن في أمسّ الحاجة إليهم كي ننهض بالذوق العام، ونهدم كل تلك العشوائيات فوق رؤوس من يبنيها من تجار الفن والفضائيات، وهم المستفيدون الوحيدون من الانحدار الذي نحن فيه .

الفضائيات والسينما شركاء في الترويج لكل ما هو "رخيص" وهابط، وللشاشة قدرة جبارة في التأثير على الناس وأخذ الأجيال الشابة والأطفال إلى حيث تشاء . وهناك من يلعب على نغمة "الفقر" والأزمات الاقتصادية، فيقدم أرخص الأفلام ويظهر في الإعلام على أنه "البطل الشهيد" الذي يضحي بأمواله من أجل إنتاج أفلام وإنقاذ السينما من الهلاك . وهل بعد ما نشاهده هلاك أفظع؟

أم كلثوم قدمت تجارب قليلة جداً في السينما، ولأنها لم تحظ بإعجاب الجمهور إلى درجة التفوق، ولم ترض هي عن نفسها، غادرت السينما بلا رجعة، واكتفت بما تبرع فيه، فاحتلت المسارح وكانت سيدتها بلا منازع . رحم الله العباقرة الذين يعرفون قدرهم ويحرصون على أخذ الناس معهم إلى حيث الرقي والإبداع، ليبقى الأثر طيباً في النفس وينعكس إيجاباً على الأخلاق وعلى المجتمعات .