2012/07/04

أفلام كشفت الفقر والفساد والدجل والتسلّط والتزوير في النظام
أفلام كشفت الفقر والفساد والدجل والتسلّط والتزوير في النظام

أمام مشهد إنساني كهذا، تبدو الكتابة أضعف من أن تفي أناس المشهد حقّهم. الكتابة، هنا، أشبه بتمرين على فهم ما يجري في الشارع. أي ما يصنع زمناً مختلفاً في أزمنة الشقاء القاتل. الكتابة، هنا، أشبه بتمرين على التوغّل، أكثر فأكثر، في أعماق الحالة المستلّة من شعور فرد وحماسة جماعة. الفرد قرّر النزول إلى الشارع ليقول انفعالاً ضد سلطة قامعة. الجماعة رأت في سلوك الفرد حافزاً للحشد، انطلاقاً من الانفعال نفسه. اللقاء بين حيوية الفرد وحماسة الجماعة أفضى إلى تظاهرات أربكت سلطة قامعة لا تزال، لغاية الآن، تبحث عن مخرج لها من فخّ الدم والإفقار والتجويع والقهر والإذلال. الكتابة، هنا، أشبه بتمرين على استعادة شيء من ماض قريب جداً، بدا اليوم صورة مختصرة عمّا حدث ويحدث منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني الفائت: صورة قالت إن أمراً عفناً ينخر في جسد البلد وروحه. والأمر العفن هذا محتاج إلى استئصال.

فصول يومية

أمام مشهد إنساني كالذي تشهده القاهرة ومدن مصرية متفرّقة، تذهب الكتابة إلى بعض هذا الماضي القريب، مستعيدة أفلاماً سينمائية قليلة أُنتجت مؤخّراً، وروت فصولاً من البؤس الفردي والشقاء الجماعي للمصريين في بلدهم. الاستعادة مستوحاة من مقولة بسيطة: المصريون مُتعَبون. مآزقهم اليومية متكاثرة. أزمات عدّة تلاحقهم إلى أعماق نفوسهم. غلاء وفقر وجوع وانهيار اجتماعي وفساد مالي ودجل سياسي وتسلّط أمني وتزوير انتخابي. المجتمع المصري يعاني تمزّقات خطرة: العلاقات الإنسانية منقوصة. الحيوية الشبابية مُحبَطة. الأفق مسدود. الرغيف منعدم الوجود. المأكل والمشرب والمسكن باتت من الكماليات، بالنسبة إلى ملايين المصريين. هذا كلّه أفضى إلى حالة استكانة سلبية قاتلة. أفضى إلى عزلة وتقوقع خانقين. لكن هذا كلّه ساهم، أيضاً، في تهيئة البنية الأساسية للحراك الشعبي الآنيّ. الانفجار محتاج إلى ضربة أخيرة. لم يعد ينفع البحث عن الضربة الأخيرة تلك. ليست الضربة الأخيرة هذه مهمّة الآن. التراكم أدّى إلى الانقلاب على الذات أولاً، قبل أن يكون الأمر انقلاباً شعبياً عفوياً على سلطة قامعة. أفلام سينمائية عدّة روت مقتطفات من سيرة البؤس الفردي والشقاء الجماعي. من سيرة الشقاء الجماعي عبر حكايات البؤس الفردي. أفلام التقت عند إبراز حالات إنسانية عامّة لدى الشباب المصريين تحديداً. أي لدى العصب الجوهري للمجتمع وتطوّره. أو للمجتمع وانهياره. التطوّر محتاج إلى العنصر الشبابي. الانهيار ناجم عن خيبة الشباب. عن انكسارهم وقلقهم وانسداد الأفق أمامهم. أفلام سينمائية حديثة الإنتاج قالت شيئاً من هذا: الشباب، رجالاً ونساء، مصابون بخيبات شتّى. منهارون لأن قلقهم على أنفسهم وغدهم أقوى من أن يتيح لهم هناءة عيش. محاطون هم بحيتان المال والسياسة والأمن. بتنانين فاجرة تنهش ما بقي لهم من روح وعزيمة. غير أن الروح والعزيمة استعادتا نضارتهما سريعاً، ما إن اشتعل أول فتيل الانقلاب، فإذا بالشباب اليائسين والبائسين ينقضّون على الوحش، محطّمين أسطورته، ومقارعين جبروته، ومنساقين إلى الانقلاب مسلّحين بحقّهم الطبيعي في حياة كريمة في بلدهم. أقول حياة كريمة، وأعني بها أساسيات العيش السليم للناس في بلدهم. هي أساسيات مفقودة، صنعت هذا الغليان المتدفّق حالياً في شوارع القاهرة ومدن مصرية عدّة، دفاعاً عن الأساسيات نفسها هذه. شباب يُطالبون بالحرية والكرامة، ويُدركون أن الحرية والكرامة متلازمتان والمأكل والمشرب والمسكن والطبابة وغيرها من أمور العيش اليومي.

تمزّقات

أمثلة سينمائية متفرّقة أضاءت، في الفترة الأخيرة، جوانب عدّة من المأزق الإنساني الفردي المصري. إنها قليلة، لكنها مهمّة. يُمكن العودة إلى «هي فوضى» ليوسف شاهين مثلاً. الفساد الشره في شخصية ضابط الأمن. الانقلاب على ضابط الأمن في لحظة الانكسار الأخير. يُمكن استعادة «احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله: هذا الكَمّ الهائل من التمزّق الاجتماعي والقسوة الأخلاقية في العلاقات القائمة بين الناس. الحبّ المصطدم بالخيانة. العزلة المفروضة على المرأة أمام سطوة الرجل. الجشع العائلي. الرغبات الإنفعالية والروحية المقموعة، جرّاء تربية متكاملة مارسها مجتمع متكامل على مرّ العصور. القمع ناتجٌ من سياسة سلطات حاكمة، في السياسة والاجتماع والثقافة والتربية والدين. الجريمة مُرتكَبةٌ بهدف غسل الروح من شقائها المدوّي. هذه نماذج أوردها يُسري نصر الله على ألسنة شخصياته النسائية، في فيلم أُريد له أن يكون مرآة شفّافة لواقع أليم. التمزّق الاجتماعي يتحوّل إلى خطر يُهدّد المجتمع والناس. لا يُمكن التغاضي عنه. ما يجري في شوارع القاهرة ومدن مصرية عدّة ليس حكراً على السياسة والفساد الاقتصادي والجشع السلطوي فقط. التحليل النقدي للحراك الميداني محتاج إلى وقت. أميل إلى القول إن جزءاً من الحراك الآنيّ نابعٌ من التمزّق الاجتماعي.

التمزّق الاجتماعي هذا وجد، في أفلام سينمائية عدّة، صدى له: «678» لمحمد دياب مثلٌ أول. التحرّش الجنسي مصيبة. أسبابه عدّة. اختزل الفيلم خلفياته. هنا أيضاً يتجلّى القهر عظيماً. التحرّش نابعٌ من فقر وانعدام التوازن في البيئة والذات معاً. نابعٌ من العزلات المفروضة على الناس. التحرّش غريزة. السلطة الحاكمة لعبت دوراً كبيراً في جعل الناس ينقادون لغرائزهم. «678» حافظ على شفافية إنسانية في سرده حكايات من هنا وهناك، تعانيها نساء منتميات إلى فئات اجتماعية مختلفة، بل متناقضة. المرأة المحجّبة معرّضة للتحرّش الجنسي، تماماً كالصبية السافرة. الجوع والفقر والازدحام الخانق والتوهان داخل بؤر منغلقة على نفسها. هناك أيضاً علاقات محطّمة بين الناس، جرّاء سني القهر والتعذيب. العلاقات المحطّمة جزء من البناء الدرامي لـ«الخروج» لهشام عيساوي. جزء من سيرة شعب ومجتمع بلغا حدّاً لا يُطاق من الانهيار المفتوح على مفردات العيش اليومي كلّها. عيساوي ركّز على الصدام الحاصل داخل البيئة المصرية المبنية على ثنائية الأقباط والمسلمين. صدام ناتجٌ من علاقة عاطفية بين شاب مسلم وفتاة قبطية. الصدام حاصلٌ في البيئة المصرية منذ أزمنة بعيدة. إنه جزء من تسلّط النظام الحكام أيضاً. «الخروج» مرتكز أيضاً على مسائل أخرى، منها: البطالة. انعدام فرص العمل. الحلم بالهجرة كخلاص من القهر اليومي. من الاختناق المرتفعة وتيرته يوماً بعد يوم.

ينتهي «رسائل البحر» لداود عبد السيّد بلقطة معبِّرة عن أحد مآزق المجتمع المصري. الشابان المتحابان في مركب صيد على بعد أمتار عن الشاطئ، والأسماك الميتة جرّاء استخدام الديناميت في اصطيادها تحاصرهما من كل حدب وصوب. الحبّ الطاهر آخر معاقل الحماية الفردية من حيتان المال والعقارات والفلتان الاقتصادي. لكنه حبّ محاصر بالجشع . منذور للبقاء داخل دوائر الرأسمال المتوحّش. جزء أساسي من «رسائل البحر» منصبٌّ على هذا. العودة إلى المدينة المتوسطية الإسكندرية دونها عقبة العجز عن التأقلم مع التطوّر السلبي الذي أصابها. العودة مصطدمة بحيتان المال والعقارات والأمن. المدينة نفسها مسرحٌ لأحداث «ميكروفون»، الفيلم الأخير لأحمد عبد الله. هذا فيلم محتاجٌ إلى مشاهدة ثانية. محتاجٌ إلى مشاهدة متنبِّهة إلى تفاصيله الصغيرة. إنه عن شباب مصريين في مواجهة الانغلاق الاجتماعي. العودة، هنا أيضاً، مُصابة بانفصام ذاتي: إنها منبثقة من رغبة اللجوء إلى ملاذ روحي، لكن الرغبة مصطدمة بالعجز عن التأقلم مع ما آلت إليه أحوال الناس والبيئة المجتمعية في المدينة. عودتان متشابهتان في الأسباب والأهداف، والنتائج ربما. إذاً، هناك شيء عفن محتاج إلى استئصال. في «ميكروفون»، وجد العائد إلى مدينته أن أموراً حسنة تغيّرت أيضاً. جيل شبابي منهمك في التعبير عن نفسه بالفن. الرسم على الجدران (غرافيتي) والغناء (راب، روك). لكن التعبير طالعٌ من يوميات البؤس والشقاء.

اختبارات

هذه أمثلة قليلة. القراءة النقدية السابقة لا علاقة لها بالمستوى الإبداعي. إنها محاولة لفهم العلاقة القائمة بين السينما والشارع. في تعليقه على الرواية الأخيرة لمحمد سلماوي «أجنحة الفراشة»، كتب عبد الرحمن الراشد («الشرق الأوسط»، 31 كانون الثاني الفائت) ما يلي: «لو أن السلطات المصرية تقرأ الروايات بدل تقارير البوليس، ربما ما وقعت في ما وقعت فيه اليوم، وصارت رهينة ميدان التحرير المكتظّ بالتويتريين والفيسبوكيين الثائرين الذين لا تكفي السجون لاستيعابهم». الرواية الصادرة قبل أشهر قليلة فقط «تنبّأت» بما يحدث في مصر الآن. إنها تتحدّث عن تغيير عبر قوّة غير تقليدية، راهنت على جماهير امتلكت أدوات مختلفة في تغيير الوضع السياسي. غالب الظنّ أن السلطات المصرية، وغيرها من الأنظمة العربية الحاكمة، تقرأ الروايات عبر أجهزة الرقابة، فلا تنتبه إلى مضامينها ولا تكترث بها. أفلام عدّة «تنبأت»، ضمنياً، بإمكانية حدوث تغيير ما، عندما غاصت في مآزق العيش اليومي، وأضاءت جوانب عدّة منه، وقالت بشكل موارب إن هذه المآزق ذاهبة بالناس إلى الانقلاب، وبالحالة إلى الانفجار. «كما ترى، فإن القيادة السياسية الآن في أيدي رجال الأعمال»، قال الابن لأبيه في رواية «صخرة في الأنفوشي» لمحمد جبريل، الصادرة مؤخّراً. هل تتذكّرون «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني؟ تشابك مصالح الأمن والسياسة ورجال الأعمال. تداخل المصالح هذه أدّى إلى سلطة غاشمة. لكن التغيير بطرق غير تقليدية بدأ في مصر. استلّ تجربة تونس. لم ينسَ اختبار إيران. «انتفاضة الحجارة» في فلسطين درسٌ أساسي. اختلفت النتائج. لكل بلد خصوصيته. الشعب يسعى إلى التغيير. يصنع التغيير. الفنون سبّاقة في قول الأشياء. في نقل الأشياء إلى دائرة الضوء الإبداعي.

نديم جرجورة - السفير