2012/07/04

إيه في أمل: رحلة نقديّة ما وراء صوت فيروز
إيه في أمل: رحلة نقديّة ما وراء صوت فيروز

الأخبار اللبنانية

الجاز والكلاسيك، الغربي منه والشرقي، يصعب تصنيف ألبوم السيّدة الأخير... عشر أغنيات ومقطوعتان، أنجزها الرحباني الابن تأليفاً وتلحيناً وتوزيعاً، واضعاً طاقاته كلّها في مشروع غنائي وموسيقي فريد. مراجعة متمهّلة لعمل مفصلي في مسار هذا الثنائي

تحوي أسطوانة فيروز الجديدة، «إيه في أمل»، 10 أغنيات ومقطوعتين موسيقيتين. 12 عملاً، حملت توقيع زياد الرحباني نصاً ولحناً وتوزيعاً، باستثناء لحن ونَصّ «البنت الشلبية» (تراث شعبي)، ولحن وجزء مِن نَصّ «بكتب أساميهن» (الأخوين رحباني)، ونَصّ «الأرض لكم» (جبران خليل جبران). جميع الأغنيات بصوت فيروز إلا «بكتب أساميهن» (كورس). لن نكرّر في وصف صوت مطربتنا الجميل والمعتّق، وأدائها الفريد، ما يعرفه الجميع.

يبلغ زياد الرحباني هنا، في التوزيع الموسيقي، الذروة في توظيف خبرته الطويلة ومهاراته. مخزونه من الأفكار الموسيقية يفيض في هذا الألبوم. التعقيدات تعمل في الخفاء من دون ادعاء: خليط الأصوات ونوعية الآلات (بينها الصوت البشري المتمثِّل بالكورس) التي تنتجها، المسافات الصوتية بين النوتات المتزامنة أو المتتالية، الجمل اللحنية المقابلة للحن الأساسي (الصوت الأوّل)، إلخ... كلّ ذلك لم يأتِ لإنتاج أعمال طليعية ونخبوية أو كلاسيكية، بل مسخَّر للأغنية الشعبية المعاصرة.

يحقق الرحباني تطوراً ملحوظاً لناحية التنفيذ، وذلك على الصعُد كافة: العزف، الأداء، التسجيل وفروعه، ليقدّم في النهاية تقريراً فنياً مستقلاً عن كل ما ينتجه الوطن العربي من موسيقى/ أغنية تجارية، أو حتى جادّة. أما سرّه فهو، كما قال يوماً: «وقتي ليس لي، وقتي للسّمع». وزياد في الموسيقى طفلٌ بريء عندما يستمع، ومخطِّطٌ خطير عندما يُسمِعنا.

تتألف أسطوانة «إيه في أمل» من خمسة أقسام. القسم الأول، يضمّ الأغنيات الأربع الأولى. في «قال قايل»، يقدِّم الرحباني واحداً من أجمل النماذج في مجال الأغنية الشعبية، ويدعّمها بالمداخلات الخاطفة الأكثر تميّزاً في الألبوم عند إعادة المقدمة الموسيقية في البداية، وبين المذاهب. ثم يكتب في «قصّة زغيرة كتير»، لحناً من جملة موسيقية واحدة، لنصّ هو أيضاً من جملة واحدة. لإضفاء السلاسة على هذا النص/ اللحن الطويل، ولدعم السياق الدرامي، يلجأ الرحباني إلى لعبة تصاعدية على مستوى حضور الإيقاع. يتكرَّر ذلك بعد فاصل موسيقي أوركسترالي (مع إعادة)، قليل النوتات وعنيف، ربما لتنفيس الاحتقان الذي خلّفه طول الجزء المُغنّى. هكذا يتحقق التوازن المزدَوِج، على مستويَيْ المساحة والزخم، بين امتداد المُغنّى وهدوئه، والاعتراض المركَّز والمختزَل للأوركسترا. في «كل ما الحكي»، يتجه زياد بوضوح نحو الموسيقى الكلاسيكية، ويأتي بهدهدة الوتريات وتناغمها ومسارها من حقبة الباروك (باخ، هندِل،...). أمّا أغنية «كبيرة المزحة هاي» فتمثّل أغنية الجاز البطيئة (Ballad)، وما تحتاج إليه من مرافقة موسيقية تصويرية. هذا يساعد على التأمل والعتاب بهدوء، فنحن «بآخر الليل».

القسم التالي يضمّ «الله كبير» و«الأرض لكم». الأولى، مثال للأغنية ذات الملامح العالمية غير القابلة للتصنيف الدقيق، التي تعيش طويلاً، وتنتشر خارج الحدود العربية. الثانية، تكتنف تحدّياً في بنائها اللحني، يفرضه شكل النص. وهنا جاءت مرافقة البيانو أقلّ نجاحاً في القسم الثاني من الأغنية.

القسم الثالث، يضمّ أعلى ما أنجزه زياد الرحباني لغاية الآن وأجرأه، في الجانب الشرقي من مشروعه في التوزيع الموسيقي (أغنية «ما شاورت حالي» وموسيقى «ديار بكر»). فهو يدفع بالحدود التي يسمح بها التوزيع بحضور ربع الصوت، إلى أقصى ما يمكن. في «ما شاورت حالي»، يحقِّق زياد إبداعاً في تلاصق النصّ مع إيقاع الأغنية. كأن المفردات تضبط الإيقاع كأيّ آلة إيقاعية. إنها أجمل محاولة من هذا النوع بعد أخرى مشابهة لها («انشالله ما بو شي»، «اشتقتلك»، «عودك رنّان»،...). الأهم في هذه النماذج هو أداء فيروز، التي لن نجد أفضل منها لتنفيذ هذه المهمّة على النحو المطلوب، رغم تراشق الكلمات، وتشنّج موقف المتكلِّم. أمّا «ديار بكر» فهي تحفة لناحية التنفيذ والأفكار الموسيقية الجديدة والمعقّدة وتوزيع الأدوار. إنّها معركة حقيقية يعلنها الطبل بُعَيْد البداية، وتجمع، في القسم الأكبر منها، جيشين نظاميّين من الشرق والغرب، وعصابات شبه نظامية (الصولوهات في الوسط).

القسم الثالث، يمكن عنوَنَته بـ«الأخوين رحباني»، وفيه «البنت الشلبية» و«إيه في أمل» و«بكتب أساميهن».

نبدأ من «البنت الشلبية» التي باتت مصدر عيش لكل مَن تعذَّر عليه وضع لحنٍ جميل. قلة قدّمت لها ما يليق بها، لكن زياد الرحباني كرّمها باحترام وجهد. سخّر كل آلات الدنيا لخدمة بساطتها. كثّف الفواصل بين الجمل والكلمات، وكذلك التلوين فوق هذه وتلك. أضاف التنويعات على الجمل اللحنية الأساسية، ليس إلا لافتراض الاحتمالات اللحنية التي ربما كان قد فكّر فيها ملحّنها المجهول، لكن أسقطها لأنه مجبرٌ بخيار واحد في النهاية.

«بكتب أساميهن» بتوزيعها الجديد تحيّة مباشرة إلى عاصي ومنصور

نصل إلى «إيه في أمل»، وهي من أصفى لحظات الألبوم. قد يكون لحن هذه الأغنية، في القسم الأكبر منه، أي باستثناء بعض تقلباته (الضرورية لتزخيمه)، أكثر الألحان بديهية بين كل ما نعرفه من زياد الرحباني. رغم ذلك، ورغم أنّه يبدو مألوفاً، يبقى جديداً وجميلاً. الخصائص ذاتها تنطبق على الشعر. وبالتالي، يتكوّن نوع من التوأمة بين النغمة والكلمة، بصرف النظر عما إذا كان زياد قد وضع النص أوّلاً أم اللحن. فمعانٍ كهذه تفرض النغمات التي تناسبها، والعكس صحيح. استخدام آلة المندولين، وكذلك الأكورديون، خيار ناجح أول. تغليب الوتريات على أجواء الأغنية، إضافة إلى الجمل المكتوبة لها، نقطة قوّة أساسية. اعتماد إيقاع الفالس، خيار موفّق أيضاً. لا آلات ذات نبرة نافرة. إذاً تحاكي هذه الأغنية، في مكوناتها، العديد من الأعمال الرحبانية. لكنها تبقى مميّزة.

نصل إلى التحية الواضحة للأخوين. إذا كانت الكلمات الجديدة في «بكتب أساميهن» ذات طابع تكريمي مباشر، فإن التوزيع الذي أنجزه زياد في هذه المحطّة يذهب إلى ما هو أعمق، ليضعنا أمام مصغّر عن أسطوانة «إلى عاصي». باختصار، الكلمات هي تحية من فيروز إلى الرحبانيين (بريشة زياد وبصوت الكورس)، أما التوزيع (والرؤية الموسيقية العامة الجديدة) فتحية زياد إليهما.

أما القسم الأخير من «إيه في أمل»، فيتكوّن من مقطوعة موسيقية واحدة مستقلة عن الألبوم، هي «تل الزعتر ـــــ MEA» التي تتألف من جزءين متساويين زمنياً تقريباً. فعلاً، يصعب تحميل 4 دقائق من الموسيقى كل هذه الأوجاع والصراخ. هكذا، يصبح توصيف الموسيقى الآلاتية بـ«الصامتة» ذا دلالة مقبولة هنا، لأنّ الموسيقى أبلغ من الكلام. رغم اختلافهما في النمط، تقوم هذه المقطوعة بجزءيها على مبدأ أساسيّ واحد هو مضاعفة التعبير. يكمن ذلك في تكرار تصاعدي للنغمة الأساسية في «تل الزعتر» كما في «MEA». في الجزء الأول يتحقّق ذلك من خلال نقل النغمة إلى سلّم أعلى، وفي الثاني من خلال التنويع على النغمة الأساسية وبعض التلوين. أخيراً، لنحاول وضع ألبوم «إيه في أمل» في الفئة التي تناسب الجزء الأكبر من محتواه. جاز؟ موسيقى كلاسيكية غربية أم شرقية؟ كلا. أغنية شعبية عربية؟ نعم. تماماً مثل أعمال نانسي وأخواتها!