2012/07/04

الأمومة الفياضة كانت إشعاعاً للمشاهد في الدراما
الأمومة الفياضة كانت إشعاعاً للمشاهد في الدراما


وائل العدس  - الوطن السورية

هو عيد ليس ككل الأعياد، لا يرتبط بمناسبة دينية ولا وطنية أو حتى ثقافية، لكنه أقدس الأيام وأخلدها إنه عيد الأم الذي يعتبر فرصة للتصالح وإعادة الترابط والتسامح ونشر الحب والحنان والرحمة، ومناسبة لمنح الأم المزيد من الرعاية والتواصل والمودة.

ولأن الدراما السورية لم تكن يوماً سوى جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي فإنها طرحت قضايا الأمومة بين قصصها، بل خصصت أعمالاً كاملة تحاكي واقع الأمهات ومعاناتهن في عدة أعمال كمسلسل «أمهات» الذي أخرجه سمير حسين عام 2005 وهو عمل اجتماعي تناولت كل حلقة من حلقاته حياة أم عظيمة قدمت من خلال عطاءاتها ونبلها دروساً حقيقية في التضحية والقيم.

ولم يكن مسلسل «أبناء وأمهات» بعيداً عن القضية، بل طرح عبر حلقاته الثلاثين قصصاً متنوعة عن علاقة الأبناء بأمهاتهم وما يرافق ذلك من مشاكل ومعاناة.

ويؤكد البعض أن الدراما لم تظهر الأم بعد بشكل كبير، وإنما استمرت في اعتبارها شخصية جانبية بعيدة عن التأثير على الحبكة الدرامية، ومازال الاعتقاد الخاطئ ينصب نحو الأم باعتبارها كائناً ضعيفاً تغلب مشاعرها الفياضة على رجاحة عقلها.

العصر القديم


وسط الزحام الكبير من الأعمال الدرامية، تباينت صورة الأم بين عمل وآخر، فظهرت في مسلسلات البيئة الشامية وكأنها عبارة عن زوج مطيعة ومضطهدة وطباخة ماهرة ومربية جيدة، في حين يتوقف دورها خارج المنزل عند تنظيم الاستقبالات وحضور المناسبات الاجتماعية والذهاب إلى حمام السوق ونشر النميمة، لكنها بالوقت ذاته حماة قاسية وفضولية تتفنن بالتحكم بزوج ابنها.

أي إن الدراما السورية أظهرت الأم في العصر القديم وكأنها بلا حول ولا قوة، بل صورها بأنها بعيدة كل البعد عما يحصل من حولها من مشاكل لدرجة السذاجة، وأكثر ما يمكنها فعله هو قراءة بعض التعويذات لرد العين عن منزلها.

وتبدو شخصية «أم عصام» في مسلسل باب الحارة الاستثناء الوحيد، فقدمت الممثلة صباح الجزائري شخصية متوازنة بين القوة والحنان، بل متمردة على واقعها لدرجة أوصلها عصيانها لأوامر زوجها إلى الطلاق المتكرر.

وفي مسلسل «أيام الصالحية» يعيش الرجال في عالم من الشهامة والرجولة في حين تعيش النساء في عالم مختلف ينحصر في غرف النوم وإرضاء الزوج وتنظيم الاستقبالات.

وتغافلت أعمال البيئة الشامية الأمهات العظيمات المثقفات اللواتي كان لهن أدور مهمة في السياسة والعلوم والطب والثقافة.. إلخ.

وبعيداً عن العصر القديم فقد أبرزت بعض الأعمال الدرامية ضعف الأمهات وانحصار أدوارهن على المطبخ كالشخصية التي أدتها الفنانة سمر سامي في مسلسل «أحلام كبيرة» الذي صور الأم المسكينة البسيطة التي لا تفقه بكل ما يدور حولها لدرجة أنها فقدت هدفها في الحياة، والسؤال لماذا؟ ألم ير الكاتب الأمهات الطبيبات والشاعرات والدبلوماسيات؟

أكثر دفئاً وصدقاً

عند الحديث عن الأم لا بد لنا من ذكر الفنانة الكبيرة منى واصف التي برعت في تأدية أدوار الأم عبر سلسلة أعمال عالقة في الأذهان، بدءاً بـ«نهاية رجل شجاع» ومروراً بـ«بكرا أحلى» و«أمهات» وليس انتهاءً بمسلسلات باب الحارة وحاجز الصمت والولادة من الخاصرة وغيرها الكثير.

تطل واصف في الدراما بأمومتها الفياضة المستمدة من أمومتها الحقيقية وجهها الطيب الحاني وعطائها المتدفق، لذلك ظهرت في الدراما السورية وكأنها الأم الأكثر دفئاً وصدقاً.

رسخت شخصية واصف في عقول الأجيال السابقة والحالية، وعبّرت عن مثال حي للأم القوية والصبورة والمثالية.

الأم المودرن

وعلى الجانب الآخر، لم تغفل بعض الأعمال الاجتماعية المعاصرة دور الأم الإيجابي في المجتمع، كالدور الذي قدمته الممثلة سلمى المصري في مسلسل «أشواك ناعمة»، حيث ظهرت بدور الأم الأنيقة والحريصة على الظهور المتجدد المواكب للعصر، كل ذلك لم يمنعها من لعب دور آخر يتمثل بالإرشاد النفسي لطالباتها وأبنائها، بل باتت متطورة أكثر لتكون الزوج المتكاملة وربة المنزل التي تحافظ على عائلتها بأسلوب راق ومتحضر.

المصري ظهرت أيضاً كأم خفيفة الظل في مسلسل «عائلتي وأنا» مع الفنان دريد لحام،.

النمطية

يرى البعض أن صورة الأم في معظم الأعمال لم تتغير وغلب عليها التنميط ضمن أطر معينة، لأن الكتّاب اعتبروا أن الأم لا تتغير بين عمل وآخر إلا باللباس والمستوى الثقافي والمادي، ناسين أن صفات الأم تطورت شكلاً ومضموناً عبر الزمن، بمعنى أن الدراما عجزت عن مواكبة التطورات التي طرأت على الأم السورية والعربية.

وعلى النقيض تماماً، يقع بعض الكتّاب في الفخ عندما يحاولون إخراج الأم من عباءتها، فتتحول الأم في سطورهم من المرأة الطيبة إلى العدوانية التي تتآمر على من حولها وتحاول العزف على وتر التحريض على الجنس الآخر، كما تحاول الإيقاع بزوج ابنتها، والمثال هي شخصية فريال التي أدتها الفنانة وفاء موصللي في مسلسل باب الحارة والتي ساهمت في طلاق ابنتها لإشباع غريزتها في الثرثرة ودس الدسائس.

أم مختلفة

قدمت الفنانة نادين في مسلسل «وراء الشمس» شخصية الأم المختلفة في كل زواياها والتي تعيش معاناة يومية مع ابنها المصاب بـ«متلازمة الداون»، وفي كيفية التعامل مع الواقع المؤلم والتأقلم معه، معبرة عن حنانها الذي يصل في بعض الأحيان إلى حد المبالغة، لكنها نجحت في بث الأمل في قلوب كل الأمهات اللواتي يربين أبناءهن من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولا تختلف شخصية أم بدر التي أدتها واصف كثيراً، فهي أم لابن مصاب بمرض التوحد، لكنها تتعامل معه بكل شفافية وعفوية مقدمة له حنان الأم الذي لا ينضب.

وتدافع الفنانة صبا مبارك عن حملها في هذا العمل رغم معرفتها المسبقة بإعاقة ابنها الذي لم يأت إلى الحياة بعد، لكنها بقيت متمسكة بشعور الأمومة ورفضت فكرة التخلص من الولد وعاشت صراعاً طويلاً مع ذاتها أولاً وزوجها ثانياً، لكنها انتصرت في النهاية لتكون أماً صبورة.

الفنانة ضحى الدبس كانت في مسلسل «الشمس تشرق من جديد» أماً لمراهق مصاب بالشلل، لكنها أظهرت صورة الأم القوية التي لا تنكسر رغم الظروف، ونجحت في زج ابنها في المجتمع دون أن تشعره أنه ينقص عن غيره ولو بشعرة.

أما الفنانة يارا صبري فكرست نمطية الأم في مسلسل «قيود الروح» من خلال شخصية الأم الملبية لكل احتياجات طفلها «المعوق» لدرجة أن علاقتها مع ابنها تفوقت على علاقتها مع زوجها، معطية كل الحق لابنها في ممارسة الحياة بشكل طبيعي وفقاً لما يحب.

أمهات غائبات

لم ترصد الدراما السورية أماً أرملة عاشت حياتها الطبيعية بعد موت زوجها، ولم تفكر في تجديد حياتها في العيش بقصة حب، بل بقيت أسيرة زوجها الأول المدفون تحت التراب، فهي تأبى أن تفكر بمنح عواطفها إلى رجل آخر!

لم تشهد الدراما أدواراً لأمهات قويات الشخصية ومخططات جيدات في الحياة، وفي الوقت ذاته مربيات صالحات وطموحات وحنونات وعظيمات.

فالأم في الدراما السورية إما مربية ناجحة وزوج مطيعة أو سيدة أعمال ناجحة، فالتوافق بين الاثنين بعيد تماماً.

أين الأم المتمردة التي تخون زوجها؟ أين الأم «المهملة» التي لا تعير لأبنائها اهتماماً؟ أين وأين؟

إذاً الأم في الدراما السورية مغلوب على أمرها ومضحية، أو متسلطة ومتجبرة أو منحرفة، فهي بالعادة لا تحمل خيوطاً معقدة أو مركبة.

وعلى ما يبدو أن الدراما السورية أوفت بوعودها بمعالجة قضايا الأم وفقاً لتقاليد وعادات ومفاهيم المجتمع الشرقي.

راحلات

إذا اختصرنا شخصية الأم بالفنانات الكبيرات منى واصف وثناء دبسي ونجاح حفيظ وضحى الدبس ونادين وسلمى المصري وغيرهن، فلا بد لنا من التذكير بالممثلات الراحلات اللواتي لعبن أدوار الأمومة في عدة شخصيات أمثال هالة شوكت ونبيلة النابلسي ونجاح العبد اللـه. أطال اللـه بعمر الفنانات الكبيرات، ورحم اللـه الراحلات.. وأدام اللـه كل الأمهات السورية.

هالة شوكت ... أم الأوفياء| مظهر الحكيم

هكذا طلت الراحلة الفنانة هالة شوكت.. طلت من أصالة وجذور طلت مع ابتسامة وجمال أخاذ.. طلت مع الربيع بعينيها المشعتين ببريق الأمل.. وابتسامة تحمل الحب والراحة للجميع. وأول إطلالة لها. كانت من مصر.. نعم من هناك. طلت مع النجم عمر الشريف.. وبدأت الرحلة... رحلة التعب والإرهاق رحلة لا ترحم.

رحلة مهما كانت صعبة وقاسية وشاقة. يجب ألا يرى الناس إلا ابتسامة الرضا والقبول والمحبة. ابتسامة ترسمها على وجهك رغم كل ما تعانيه من آلام. هكذا هو الفنان.. الذي هو ملك للناس لا لنفسه لأن الناس لا ترحم. الجمهور قاس. يريد من نجمه كل ما يحلم هو به... وفي دمشق مع الدكتور رفيق الصبان. ومع علاء الدين كوكش. وغسان جبري. وجميل ولاية. وشكيب غنام. وهاني الروماني. وكل من واكب الحركة التلفزيونية من بدايتها. وكل من واكب الحركة السينمائية وكفاحها المرير.. وهالة لها كلمة مميزة. هي البصمة الخاصة بها (كرامتي).. عنوان. مفتاح. إشعار بأنها هنا.. فعلاً إنها ابنة عز. ولكن الفن عنيد قاس مؤلم.. لا يرحم.. كانت تتخبط بين أسرتها وأولادها. وفنها التي اختارته وهو اختارها وتابعت وعوالم الألم تمزقها.. وتزوجت من أمين خياط. وتابعت الرحلة معه هو الملحن ورئيس فرقة موسيقية ساعدته بجهد كبير. حتى وصل إلى نقيب الفنانين في سورية. ولكن الرحلة لم تستمر وافترقا. وكان عملها هو الذي يغذيها وينسيها الألم وتربعت في أدوارها على القمة. (وكرامتي) تفريغ لكل ما تشعر به من إحباط تصرخ بالكلمة وتستعيد ابتسامتها وتتابع عملها.

والتقيت معها في كثير من الأعمال كممثل في المسرح والسينما والتلفزيون.. أعمال مميزة. حتى تم اختيارها لمسلسل (المرحون).. من إنتاجي وإخراجي وتأليف (تماضر الموح). وكانت الحنونة والأم والجدة. ومع الفنان عدنان بركات شكلت ثنائياً رائعاً في المسلسل.. علماً أنها كانت تمر بوعكة صحية ونفسية والجميع وقفوا معها وراعوها. ما أجملها من طفلة كبيرة.. كان الصراع في داخلها مرعباً. بين الماضي والحاضر وتنفجر أحياناً وهي تقارن الماضي بالحاضر. بين السينما المصرية والعمل التلفزيوني السوري الشاق.. وتزرف دمعة. دمعة هادئة.. فيها أحلام العز القديم.. ونجومية مصر مع عمر الشريف. ورحلة الاستمرار في سورية. البرعم الذي يتفتح ببطء وكلنا عانينا من الانتشار والتوسع الفني وهروب الإنتاج السينمائي إلى بيروت ومصر من رعونة التوصيات والعصي في الدواليب من الإدارة المسؤولة.. (والسبب واضح. الغيرة والجهل وعدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب) وهالة واحدة ممن أعطين بسخاء.. واستردت بالقطارة.. حتى عندما تزوجت المطرب (أسعد الجابر) تزوجته من فراغ. حاولت أن تعوض به بعض ما فات.. ولم تكمل المشوار.. أكملت مشوارها في أعمالها التلفزيونية المرهقة. لتنسى بعض آلامها.. وعندما تقولها. (كرامتي يا مظهر) تدمع الأعين لأننا كلنا في الهوا سوا.. وعندما بدأت تتعب كثيراً. والوحدة كادت تقتلها.. استعانت بأقرب المقربين إليها.. وتابعت رحلتها وأيامها الباقية بصمت وشريط الذكريات بالأبيض والأسود.. والوحدة.. كانت لي فعلاً الزهرة البيضاء الجورية الدمشقية الأصالة. أصالة قاسيون وأريج الياسمين.. وقلبها الأبيض الناصع. كالثلج الذي أكرمنا فيه اللـه في هذه الأيام الحزينة التي تمر بنا.. وأضاء بنور الثلج طريقنا.. رحلت يا غالية يا أم الأوفياء.. والكرم. والابتسامة..