2012/07/04

الشعب يريد تغيير النجوم!
الشعب يريد تغيير النجوم!


طارق الشناوي – الشرق الأوسط

«سامي أوكسيد الكربون».. أول فيلم كوميدي يعرض بعد ثورة يناير (كانون الثاني) في دور العرض المصرية. أقصد المفروض أنه فيلم كوميدي.. يحمل الفيلم الذي لعب بطولته «هاني رمزي»، قدرا لا بأس به من السخافة، آسف لأنني لم أجد تعبيرا آخر، حاولت مرارا وتكرارا، إلا أن الكلمة الوحيدة التي وجدتها أكثر تهذيبا للتعبير عما عانيته أنا وكل من أوقعه حظه العاثر في الذهاب إلى السينما، هي السخافة! السينما المصرية لا تزال منذ قيام ثورة 25 يناير، وحتى كتابة هذه السطور، تبحث عن تلك العلاقة الجديدة بينها وبين الجمهور.. الناس من المؤكد في أعقاب الثورات الكبرى يحدث بداخلها تغير نفسي يجعلها تبحث عن فن مختلف في أفكاره وبنائه وأيضا نجومه، وطوال الأسابيع التي تتابعت بعد الثورة لا يزال البحث مستمرا عما يريده الناس.. ما تم عرضه حتى الآن مثل «صرخة نملة» و«الفاجومي» هو من بقايا أفلام ما قبل الثورة، حاول الفيلمان أن يقتربا من إحساس الثورة ولكن الجماهير لم تتوافق معهما لأن إضافة حالة الثورة ليست لونا نضعه على الجدران لتغيير اللون الأصلي وإخفائه، لأن الناس سوف تكتشف في النهاية أن اللون الأصلي له حضوره الواضح، إنها تشبه وإلى حد كبير مكسبات الطعم واللون والرائحة، التي تضاف إلى الأغذية لتغيير طبيعتها الأصلية ولكن يظل طعمها صناعيا.. قالوا بعد الإخفاق التجاري لفيلمي «النملة» و«الفاجومي» إن الناس تصحو على ثورة وتنام على ثورة ولا يمكن أيضا أن تذهب إلى دور العرض فتجد أمامها الثورة، وكان الإحساس الذي دفع منتجي فيلم «سامي أوكسيد الكربون» للدفع به إلى دور العرض هو أن الناس تريد أن تضحك بعد أن عاشوا شهورا في خوف وتوتر، ولهذا توقعوا لفيلم «سامي أوكسيد الكربون» أن يتحول إلى مزار للجمهور، كل من يريد أن يحدث بداخله توازنا نفسيا سوف يذهب إلى السينما من أجل أن يضحك، وربما كان ذلك في جانب منه صحيحا، إلا أن الحقيقة هي أن الضحك له قواعده والناس لا تضحك لأنها بحاجة إلى الضحك، ولكن لأن هناك ما يستحق فعلا أن يضحكهم، ولهذا يتوجهون إليه، وهذا الفيلم لم يكن به ما يدفعهم إلى أن يمنحوه ضحكاتهم، فهو عمل فني منزوع الكوميديا! ما هي أسلحة فيلم «أوكسيد الكربون» للوصول إلى تحقيق هدف الضحك؟ لديه نجم كوميديان وهو «هاني رمزي»، ولديه صديق للبطل «إدوارد» كوميديان أيضا، ومن الواضح أنهم أثناء تنفيذ الفيلم أدركوا أن هذا لا يكفي، ولهذا أضافوا مساحات عديدة للطفلة «جنا عمرو»، والمعروف أن السينما بين الحين والآخر تدفع بطفلة من أجل أن تعيد أمجاد الطفلة التي لقبوها بالمعجزة «فيروز»، أقصد التي كانت طفلة قبل نحو 60 عاما.. كانت «منة عرفة» هي آخر المحاولات قبل خمس سنوات لخلق نجمة شباك مثل «فيروز» التي أطلقها «أنور وجدي» وصنعت لها أفلام.

كل المحاولات التالية لفيروز لم تحقق نموذج الطفلة المعجزة.. نعم هناك قدر من النجاح حققته بعض الأطفال مثل «منة»، إلا أنها لم تصل إلى أن تصبح قوة جاذبة في شباك التذاكر، حيث إنها شاركت أكثر من نجم كوميدي في الأفلام مثل «أحمد حلمي».. الآن كبرت «منة»، والغريب أنه يعرض لها حاليا فيلم آخر «الفيل في المنديل» أمام طلعت زكريا بعد أن وصلت إلى أعتاب المراهقة، ولهذا اتجهوا إلى «جنا» البالغة من العمر 6 سنوات التي عرفت بأنها تقدم في البرامج بعض أغنيات لنانسي عجرم.. المخرج «أكرم فريد» الذي قدم «سامي أوكسيد الكربون» له أيضا باع في الأفلام التي يلعب بطولتها أطفال، أول أفلامه الروائية «فرح» أسند بطولته إلى طفلة ولم يحقق إيرادات. آخر أفلامه «عائلة ميكي» شارك فيه أيضا طفل ورغم ذلك فالتجربة لم تنجح على المستوى التجاري أو الفني، إلا أنه في «ميكي» كان له شرف المحاولة.. أغلب المخرجين في تعاملهم مع الأطفال نجد أن لديهم حيلة وحيدة يكررونها، وهي أن الطفلة تتماثل مع الكبار، تحاكيهم في مواقفهم وكلماتهم، ومن الممكن أن يؤدي هذا الأمر إلى ضحكة، ولكن تكراره في العمل الفني ليس مأمون العواقب ولا يؤدي دائما إلى الضحك، ناهيك بمخاطره الاجتماعية والتربوية التي مع الأسف شاهدنا الكثير منها في فيلم «أوكسيد الكربون»! مساحات الطفلة على المستوى الدرامي كنت أراها وكأن المخرج مع كتاب الفيلم الثلاثة «سامح سر الختم» و«محمد النبوي» و«علاء حسن» منحوا الطفلة تلك المساحة المبالغ فيها ربما لأن المخرج استشعر أن الطفلة هي «الإيفية» الضاحك الوحيد في الفيلم، وهي سلاحه المضمون لجذب الجمهور حيث لا توجد أي أدوار يؤديها «هاني» أو «إدوارد» ولا هناك أي مواقف تحمل ابتكارا يؤدي إلى الضحك.. الفيلم يبدو كما لو كان سابق التجهيز الدرامي، ولهذا قرروا أن الطفلة هي الورقة التي من الممكن أن تكون رابحة فأقحموا في السيناريو مشاهد لها رغم أن الطفل ينبغي أن يصبح هو القضية التي يحملها الفيلم مثلما كانت أفلام «أنور وجدي» و«فيروز»، حتى لو شاب هذه الأفلام بعض المبالغات و«الإيفيهات» المقحمة، إلا أنها تظل بالمقارنة بما نراه حاليا هي الأفضل بالتأكيد! ما الذي راهن عليه الفيلم الذي تم تصوير أغلب مشاهده قبل ثورة يناير لجذب الجمهور بالإضافة إلى الطفلة «جنا»؟ تستطيع أن تلمح في بعض تفاصيله أن هناك مشاهد تمت صياغتها بعد 25 يناير أخذت من روح الثورة المصرية بعض الشعارات التي ارتبطت بها، مثل المشهد الأول في الطائرة الذي يقول فيه «إدوارد»: الكابتن يريد النظام في الطائرة. على طريقة «الشعب يريد تغيير النظام»، كما أن بطلة الفيلم «درة» التي تؤدي دور ناشطة سياسية وهي أقرب إلى طريقة «الدوجما» تتحرك بأسلوب لترفض الأغنياء لمجرد كونهم أغنياء صورة نمطية. دأبت السينما المصرية عندما تريد السخرية من المناضلين على الفور تستدعي من الذاكرة الأرشيفية للسينما والدراما تلك الشخصيات التي تجعلك على الفور تكره الثورة والثوار ما داموا على تلك الشاكلة.. من الملاحظ أن الفيلم لو كان قد عرض قبل ثورة يناير لتمت السخرية بقسط أكبر من الثوار، إلا أنه يبدو أن صناع الفيلم شعروا بأن مثل هذه المشاهد ربما تضعهم في تصنيف الثورة المضادة فلم يتم استثمارها أكثر من ذلك، إلا أنك من الممكن أن تجد مثلا في شخصية «هاني رمزي» ملامح البطل الثوري الكاذب الذي تصنعه الصدفة.

تلعب «درة» دور الفتاة صاحبة المبادئ لكنها لا تعرف على وجه الدقة ماذا تختار لتخدم المجتمع، كما أن أصدقاءها من النشطاء السياسيين لديهم أيضا نفس تلك القناعة، فهم يعتقدون أن معركتهم الأساسية مع الأثرياء في المجتمع وليست مع النظام الفاسد الذي صنع هؤلاء المفسدين.. الفيلم لا يجد أدوارا ولا مواقف يملأ بها الزمن السينمائي، ولهذا نجد أمامنا ساعتين من الهراء ما بين شرير يؤدي دوره (يوسف فوزي) وفتاة لعوب المفروض أنها حسناء تؤدي دورها الفنانة اللبنانية «تتيانا». يبحث السيناريو عن مأزق يدفعها للانتقام من «يوسف فوزي» فلا يجد سوى أنه يرفض أن يمنحها اسمه ويتزوجها بعد أن وعدها بذلك فتنتقم منه وتشي ببعض أسراره إلى «إدوارد» صديق «هاني رمزي» الذي كان قد أفشى في البداية أسرار صديقة لها، حيث إن الصراع على أرض زراعية يملكها «هاني» ويستغلها «فوزي» دون وجه حق.. ثم تنقلب عليه المواقف ويلقى بالقبض عليه.

أضاف السيناريو حكاية جانبية نعلم خلالها أن الطفلة «جنا» هي ابنة «هاني» الذي لم يكن يدري أنها ابنته وبعد عدة تلفيقات درامية كان ينبغي أن تنتهي بموت أم الطفلة لكي يتزوج «هاني» من «درة». ويصور المشهد الأخير في الأرض الزراعية والجميع يشاركون في جني المحصول وتأتي على الشاشة كلمة «النهاية» ونتنفس جميعا الصعداء داخل دار العرض.. الفيلم شهد تراجعا على كل المستويات لأبطاله «هاني» و«إدوارد» و«درة»، كما أن المخرج «أكرم فريد» ارتبط في مرحلة من مشواره بتقديم الأفلام التجارية التي ترضي الجمهور مثل «عمر وسلمى» الجزء الأول، لكنها لا ترضي النقاد، حيث ينالها قسط وافر من الانتقادات، إلا أنه هذه المرة لم يرض لا الجمهور ولا النقاد! غاز «ثاني أوكسيد الكربون» يتخلص منه الإنسان أثناء عملية التنفس، وهو عديم اللون والرائحة، ومن الممكن في درجات التركيز العالية أن يؤدي إلى الاحمرار في العينين والاختناق في الصدر، وأتصور أن فيلم «سامي أوكسيد الكربون» به كل الصفات السيئة سابقة الذكر، خاصة أنه كان مركزا على مدى ساعتين زمن عرض الفيلم!