2012/07/04

الكتابة النسوية ركيزة أساسية في تطوير الدراما السورية
الكتابة النسوية ركيزة أساسية في تطوير الدراما السورية

علاء الدين العالم – تشرين


لاشك أن مصطلح «الكتابة النسوية» من أكثر المصطلحات التي أثير حولها الكثير من الالتباسات والآراء المتناقضة، فهناك من يرفض المصطلح جملة وتفصيلاً على اعتباره يقسم العمل الإبداعي تبعاً لجنس الكاتب،

بينما الرأي الآخر هو الرأي المضاد الذي يعد مصطلح الكتابة النسوية ناتجاً طبيعياً أفرزته أعمال أدبية كتبتها نساء وتميزت بصفات تخص النساء وحدهن. أما الرأي الثالث وهو المعتدل بين الاثنين والذي بدوره يرى أن مصطلح الكتابة النسوية يمكن استخدامه لكن مع الانتباه إلى أن هذا المصطلح لا يلعب دوراً في تقييم العمل الأدبي تبعاً لجنس الكاتب، ونحن هنا نستخدم مصطلح الكتابة النسوية في الدراما السورية مجازاً للتعبير عن النصوص التلفزيونية التي خطتها أيدٍ أنثوية، وليس لتأكيد صحة المصطلح أو عدمه. وكما ساعدت المرأة السورية في تطوير الدراما السورية ممثلة ومخرجة، فان دور المرأة السورية الكاتبة لا يقل شأناً عن سواها من العاملات في الحقل الدرامي في سورية، ولعل الكاتبة رويدا الجراح هي أول من اشتغل في حقل الكتابة الدرامية التلفزيونية ومنحت الدراما التلفزيونية أعمالاً مهمة منها على سبيل المثال لا الحصر «طقوس الحب والكراهية، الدالية، ساعات السفر» هذه الأعمال وغيرها شكلت أساساً صلباً للدراما التلفزيونية السورية، ومن ثم توالت الكاتبات اللواتي خططن أعمالاً لا تقل أهمية عن الأعمال التي كتبتها الكاتبة رويدا الجراح، وكيف أثرن بتطوير الدراما التلفزيونية السورية.


ريم حنا... الحب والحرب على شاشة التلفزيون

إن الكاتبة ريم حنا استطاعت من خلال الأعمال التي كتبتها أن تعبر عن قضايا إنسانية كبرى، لعل أولى هذه القضايا وأهمها قضية الحب، اذ جعلت حنا الحب هو المحرك الأساسي للشخصيات والأحداث في مسلسلها «رسائل الحب والحرب» إخراج باسل الخطيب، فمن خلال علاقة الحب القائمة بين «جلال، قصي خولي» و«نيسان، سلاف فواخرجي»، وفيما بعد حب «أبو مضر، سلوم حداد» لنيسان. استطاعت حنا ان تعبر عن فترة زمنية مهمة من التاريخ العربي الحديث وهي مرحلة اجتياح بيروت، وتمكنت حنا من خلال أطراف هذا الحب أن تلقي الضوء على الحياة السياسية في كل من سورية ولبنان في تلك الفترة، فكانت السباقة في التعرض إلى هذه المرحلة الزمنية المهمة. أما في مسلسلها «ذكريات الزمن القادم» إخراج هيثم حقي، هذا المسلسل الذي ظهرت فيه قدرة ريم حنا في بناء شخصيات متماسكة تعج بالتناقضات الداخلية والمشاعر المتخبطة، ولعل المثال الأكبر على هذه القدرة هو شخصية «مطر، جمال سليمان»، فـ«مطر» يعكس من خلال صراع الماضي والحاضر في داخله صراع جيل بأكمله، جيل لم يستطع الخروج من بوتقة هزيمة 1967، جيل ضاع بين فورة الشعارات الخلبية وبين مرارة الهزيمة في اجتياح بيروت، وبذلك تمكنت حنا من جعل شخصية«مطر» مجموعة من المرايا تعكس أزمة جيل ومرحلة. استطاعت الكاتبة ريم حنا تحميل الشاشة الصغيرة قضايا كبرى من خلال أعمال درامية ستبقى بصمة في تاريخ الدراما التلفزيونية السورية.


رانيا بيطار .... الأنثى بين سندان أحلامها ومطرقة المجتمع

الأنثى هي المادة الخام في كل نصوص الكاتبة رانيا بيطار، حيث جعلت بيطار الأنثى الأساس الصلب الذي تقدم من خلاله مقولاتها كأنثى أولاً وككاتبة ثانياً، إذ نجد في أعمال بيطار الأنثى بكل أشكالها، الطالبة، الأم، الأخت، الحبيبة، ولعل مسلسلها «أشواك ناعمة» إخراج رشا شربتجي، هو من أكثر المسلسلات التي تخصصت في عرض مشكلات الأنثى في فترة المراهقة والدراسة، إذ جعلت بيطار من كل طالبة نموذجا أنثوياً يعكس حالة شريحة أنثوية كاملة في المجتمع ماديا واجتماعيا، وبذلك عرضت بيطار من خلال «أشواك ناعمة» الأنثى الطالب, ومالها وما عليها في مجتمع تحكمه المركزية الذكورية، مجتمع لم يستطع إلى الآن رغم كل المحاولات التنويرية الإفلات من نير التقاليد التي تحول الأنثى من كائن بشري إلى تابع للذكر الأب والأخ والزوج، بهذه الرؤية التي قدمتها بيطار في أشواك ناعمة استطاعت أن تتكلم بلسان آلاف النساء اللواتي يتقن لطعم الحرية الاجتماعية. أما في عملها «الصندوق الأسود»، إخراج سيف الشيخ نجيب، الذي سلطت فيه الضوء على الأنثى المتحكمة من خلال شخصية «منى واصف»، هذه الجدة التي تخطط وتعمل للمحافظة على تماسك الأسرة، ولو كان هذا الفعل الذي تقوم به أو ذاك لا يصب في مصلحة الجيل الجديد من العائلة، كانت شخصية «منى واصف» تمثل العقلية البالية التي ترفض أي محاولة للتغير أو التجديد في مسار العائلة، كما كانت الأم بمفهومها التقليدي في الحنو على الابن ولو كان على خطأ.  بقيت الأنثى هاجس الكاتبة رانيا بيطار إلى الآن، ولعل مسلسلها «بنات العيلة» التي تصوره المخرجة رشا هشام شربتجي ليعرض في الموسم الرمضاني 2012، سيكون الخطوة القادمة التي ستخطوها الكاتبة بيطار في عرض واقع حال الأنثى في المجتمع السوري.

يم مشهدي .... الشيطان يكمن في التفاصيل

عند الحديث عن الكاتبة يم مشهدي يجول بخاطري قدرة مشهدي على عرض المشكلات الكبيرة في المجتمع السوري من خلال التفاصيل الحياتية الصغيرة التي تقع على هامش حياتنا اليومية، فانطلاقاً من مسلسلها «وشاء الهوى» إخراج زهير قنوع، مروراً بمسلسل «يوم ممطر آخر» من إخراج المخرجة رشا هشام شربتجي، وصولاً إلى مسلسلها «تخت شرقي» من إخراج شربتجي أيضاً، استطاعت مشهدي أن تجعل من التفاصيل الصغيرة في حيوات شخصياتها اليومية، مرايا تعكس مشكلات مجتمعية كبرى، وتمكنت من تحويل الحوارات اليومية بين شخوص مسلسلاتها إلى أسس تنطلق منها لمقاربة التابوهات الثلاثة (دين، سياسية، جنس)، ولعل شغل مشهدي على التفاصيل بهذا الشكل كان خجولاً في «وشاء الهوى» الذي عرضت فيه مشكلات الشباب الجامعي بعد التخرج، الأمر ذاته حصل في «يوم ممطر آخر» لكن مع وضوح هذه الرؤية عما كانت عليه في «وشاء الهوى»، أما في «تخت شرقي» فكانت التفاصيل الصغيرة هي الحامل الأساسي للقضايا التي تطرقت إليها مشهدي، كما لعبت على حوارات شخوص المسلسل التي تظهر للوهلة الأولى حوارات حياتية ليست بذي أهمية، لكن إن وقفنا عند هذه الحوارات لبرهة يظهر لنا مدى العمق التي تطرحه مشهدي من خلال مجموعة الحوارات تلك، ناهيك عن أسلوب مشهدي الجديد في بناء الحكاية، إذ ابتعدت يم، وخاصة في «تخت شرقي»، عن تقديم الحدوتة بشكلها التقليدي المتمثل بافتعال الأحداث والوصول إلى الذرا ومن ثم حل عقدة الأحداث، بل انتهجت أسلوباً حداثوياً لا يعتمد على الأحداث وتطورها بقدر اعتماده على الحوار بين الشخوص كركيزة أساسية لعرض ما يود المسلسل عرضه.


أمل حنا ...... جدلية العلاقة بين الأنثى والذكر



ما يميز الكاتبة أمل حنا عن سواها من كاتبات السيناريو التلفزيوني في سورية، هو طرحها لعلاقة الأنثى والذكر بقالب رومانسي، وجعل هذه العلاقة بؤرة تنطلق منها أحداث العمل وخطوطه الفرعية. ففي مسلسلها «أحلام كبيرة» إخراج حاتم علي سلطت أمل الضوء على العلاقة بين الأنثى والذكر في المجتمع الشرقي من خلال الشبان الأربعة «باسل خياط، رامي حنا، قصي خولي، مكسيم خليل» وعلاقاتهم مع الأنثى الأم والحبيبة والصديقة، عارضة مجموعة القواعد التي تحكم هذه العلاقة بالمجتمع السوري، وما ينتج عن هذه القواعد المجتمعية من تصرفات يقوم فيها الذكر تجاه الأنثى. كما تعرضت إلى هذه العلاقة أيضاً في مسلسلها «قلبي معكم» إخراج سامر برقاوي، من خلال علاقة تجمع بين دكتور جراح «عباس النوري» وبين زوجته «ندين تحسين بك» التي تصغره بأكثر من خمسة عشر عاماً، متطرقة إلى سلبيات زواج كهذه وأثره على كل من الذكر والأنثى المتزوجين وعلى أبنائهما أيضاً. بينما في مسلسلها «على حافة الهاوية» إخراج المثنى صبح، تنطلق أمل حنا من هذه العلاقة لتصور المشكلات المجتمعية الناتجة عن القواعد الخاطئة التي تحكم علاقة الأنثى بالذكر، وأثرها على جيل الشباب. أما في جلسات نسائية فكانت العلاقة بين الذكر والأنثى هي الموضوع الرئيسي للعمل من خلال مجموعة من النساء من الطبقة الوسطى يتعرضن لمجموعة من المشكلات في علاقتهن مع أزواجهن. وبذلك فإن حنا ومن خلال أعمالها سابقة الذكر جعلت من علاقة الأنثى والذكر في المجتمع الحامل الأساسي لكل المشكلات والقضايا التي طرحتها في مسلسلاتها. وأكثر ما يميز كتابات أمل حنا هو عدم طرحها أحداثاً كبيرة للتعبير عن مشكلات مجتمعية أو قضايا إنسانية كبرى، بل تعتمد على الحوارات المهموسة لتسلط من خلالها الضوء على ما تريد إظهاره.

إن هذا العرض البانورامي لنتاجات بعض كاتبات السيناريو التلفزيوني، يؤكد على أهمية دور المرأة السورية ككاتبة في دفع عجلة الدراما السورية، وفي تقديم أعمال مهمة ومتنوعة ستبقى حاضرة في تاريخ الدراما التلفزيونية العربية، ولعل الأسماء الجديدة التي ظهرت في السنوات الأخيرة أمثال الكاتبة إيمان السعيد والكاتبة آراء جرماني ونور الشيشكلي وغيرهن، يعزز من دور المرأة الكاتبة في الدراما التلفزيونية السورية.