2012/07/04

المخرج محمد عزيزية
المخرج محمد عزيزية

    دمشق-بوسطة علي أحمد   واكب المخرج محمد عزيزية مراحل تطور الدراما التلفزيونية السورية، وقدم فيها أعمال هامة ومميزة بدأها بالبركان مروراً بالبحر أيوب وصولاً إلى الظاهر بيبرس، والآن يعمل على صدق وعده. ومحمد عزيزية أثناء هذه المسيرة لم يثبت عند نمط محدد من الإخراج بل كان يبحث دائماً عن الأفضل والمميز. أهي روح التجربة والمغامرة؟!!.. نعم إنها كذلك.. لدرجة بات فيها من الصعب على المراقب أن يصنف "عزيزية" كمخرج بالاستناد إلى "الشريحة العمرية"، فهو ينتمي إلى جيل "الشباب" عملاً.. وإلى جيل "الناضجين" تجربة.. أما عمراً، فهذه مسألة تحسب بعدد الأعمال وليس بعدد السنين.. ومن هذه الناحية فعزيزية ينتمي إلى جيل "الكبار"..   في لقاء معه تحدث عن عمله الجديد "صدق وعده": وصلنا في العمل إلى مرحلة المونتاج بعد أن صورنا في مدينة تدمر بأجواء حارة ومتعبة، وصدق وعده دراما تاريخية، تتحدث عن بداية الدعوة الإسلامية في مكة ومن ثم الهجرة وانتقاله إلى يثرب، وهذه الفترة الزمنية التي نتناولها في العمل تحمل أحداث متراكمة، وفيها المعارضين والمؤيدين وخطوط درامية مختلفة في أسلوبيتها، لذلك أعتقد أن الجديد في العمل يتمثل بالمعالجة الدرامية وبطريقة الطرح التي يقدمها، بالإضافة إلى أن العمل يحتوي كم كبير من الممثلين المصريين، ونخبة من الممثلين العرب من تونس والأردن والعراق وسوريا. كيف استطعت التوفيق بين هذا الكم من الممثلين، خصوصاً وأن طريقة إلقاء الفصحى تختلف تأثراً باللهجات المحلية في كل بلد عربي على حدة؟ تختلف أسلوبية الإلقاء بين المصريين والسوريين، مع تطور الدراما وأسلوبية الإلقاء والمدرسة الحديثة، بينما المصريين لا يزالون يتحدثون بأسلوبية يوسف وهبة وعبد الله غيث، لكننا تجاوزنا ذلك ولم تكن مشكلة في العمل، سيما أن الممثلين المشاركين عمالقة في الفن، عبد الرحمن أبو زهرة وأشرف عبد الغفور ومحمد وفيق وإبراهيم يسري وسوسن جبر. من خلال الأسماء المشاركين معك، يبدو أن الرأسمال العربي تجاوز الأقطار العربية؟ أرجوك لا تأخذنا إلى متاهات رأس المال، وهي خارج مسار لقاءنا، والعمل إنتاج مشترك للقطاع العام في التلفزيون المصري، وليست قضية رأسمال، هو إنتاج قومي. أقصد أن المنتج يبحث عن المخرج الرابح، ولا يرتبط بجنسيته؟ المنتج يبحث عن الأفضل وعن رؤية فنية صحيحة، لكن يفترض على المخرج أن يكون لديه رؤية رأسمالية جيدة، وأيضاً رؤية ثقافية وفنية. كيف تلخص تجربتك مع المنتجين؟ للأسف إن غالبية المنتجين ليس لديهم رؤية سليمة، فلو وجدت هذه الرؤية لتطور الإنتاج العربي بصورة أسرع وأهم مما هو عليه، لكن رأس المال يبحث عن الربح. مع أن إنتاج المسلسلات هو أكبر صفقة رابحة وقد تكون خاسرة. كيف ذلك؟ عندما تنجز عمل وتعتقد أنه سيحقق أرباح عالية، وفجأة تجد أنه لا يسوق ويباع  في المحطات، وكل الأموال التي دفعت ذهبت تحت الأقدام. وكيف يمكن أن ينجح عمل درامي؟ ينجح من خلال رؤية المنتج، والتي ترتبط بثقافته وإطلاعه وكيف يتعامل مع الواقع وما هو النص المشتغل عليه والممثلين المشاركين معه، وما صرف على العمل. هل لديك أصدقاء منتجين؟ كثر. ألا يستشيرونك في أعمالهم؟ المنتج أناني ويفكر في مصالحه، وعندما يأخذ رأيي في عمل ما، فإنه يعتقد أني سأخرب بيته. تخرب بيته؟ لأن لكل منا رؤيته الخاصة، فهو يريد أن ينتج عمل من ثلاثين حلقة بـ 250 ألف دولار،  بينما أقول له أن التكلفة 2مليون دولار، فكيف ستتحقق هذه المعادلة. أنت متطلب إنتاجياً؟ لست متطلباً بل أسعى لما هو أفضل، وكفنان أتمنى أن ترقى الدراما في عالمنا العربي لسوية عالمية، وهذا ليست تطلب بل هو رؤية فنية وطموح، ولولا ذلك لما استمر عملي بالإخراج إلى الآن. فهناك مخرجين جالسين في المقاهي. مثل من؟ كأنك تحقق معي، سأوقف التسجيل واللقاء. قلت لك أنه يوجد مخرجين عاطلين عن العمل. هؤلاء مخرجين كبروا، لكن أنت ما زلت شباب؟ لا. أصبحت في سن متقدم، لكن هناك مخرجين استبعدوا. لماذا استبعدوا؟ لعدم وجود الرؤية الفنية الأفضل ولم يحاولوا أن يقدموا أعمالاً أفضل، فمثلاً كان في الأردن مخرج في قائمة المخرجين الهامين، لكنه لم يتطور مع أنه في فترة السبعينات والثمانيات كان له أعمال درامية يشهد لها ويتعاون معه أهم الممثلين والكاتب وعلى رأسهم وليد سيف، لكنه تلاشى وانتهى. وأنت ماذا فعلت لتكون حاضراً إلى الآن؟ دوما أسعى لأن أكون مميزاً بأعمالي. كيف تكون مميزاً؟ لا تقل لي كيف، فإذا كنت لا تعرف، فلا أستطيع أن أتكلم عن أعمالي. أنا أعرف لكن الناس ترغب بأن تعرف؟ لا يهمني ذلك، إنما عليّ أن أقدم عمل ويشهد المشاهد، فهذا دليل أنني أسير على الطريق الصحيح، أما إذا كنت متقاعداً ولا أطور أدواتي وأدخل في التكنولوجيا الحديثة، فلا يمكن أن أنجح.  وهل كان لدراستك في أمريكا دور في ذلك؟ لا أعرف أين تبحث، من الأفضل أن يضعوك في برنامج الاتجاه المعاكس. اسمع أساس كل شيء أن فاقد الشيء لا يعطيه. أما أن يكون لديك شيء أولا يكون. ودراستي في أمريكا كانت بسبب أنني أهوى أن أكون مخرجاً أو غاوي لهذه المهنة، فذهبت إلى أمريكا، وقد أكون تكيفت مع البيئة هناك، لكنني أحمل شهادة عليا ماجستير بالإخراج من قبل مدة من الزمن بالإضافة إلى الخبرة العالية التي أمتلكها والإطلاع، وحتى تزداد ثقافة يجب أن تعرف لغة أخرى يا محترم، كي تقرأ الكتب وتواكب ما يجري في العالم، وأعتقد أن ذلك ساعدني كثيراً في عملي. في تجاربك الدرامية، واجهت مشاكل ومتاعب وخصامات مع الكثيرين، لكن في النهاية فاجأت الناس بالنتيجة؟ ربما أكون مرضي. لكن نريد أن نعرف أين السر؟ لا يمكنني الحديث عن نفسي، إنما يرتبط الأمر بتعاملي مع النص كيف أراه وأقرأه.. وقد يحتوي على مشاهد صعبة لكن يجب أن ننجزها، فلا أبخل على عملي. تقصد قرأت ما بين السطور؟ القراءة بين السطور أصبحت للترجمة، فهناك رؤية للترجمة ورؤية بصرية ومعايشة للعمل بحيث تجعله من لحم ودم، ويصبح له بيئة ومكان، وبدون ذلك يكون سطحياً، فالكثير من الأعمال ليس فيها روح ولا تشعر أنها تعنيك، فمثلاً في عمل تاريخي لا تشعر أنك في قاعة،  فكيف تجعل المشاهد يشعر بأنه في قاعة وأنه في ذلك المكان والزمان. لهذا السبب تميز المخرجون السوريون؟ عندما بدأنا من مسلسل "البركان" أنا وهيثم حقي، بدأنا نصور بواسطة الكاميرا المحمولة، وكانت الاستوديوهات ملك للدولة، مع انه اليوم يوجد استوديوهات خاصة، ولجأنا إلى الأماكن المناسبة لأحداث العمل، وهذا أدى إلى تطور العمل، فأصبح المشاهد يرى أدوات البيوت والامكان التي نقتحمها، الأبواب والنوافذ والطرقات والجدران الطينية والناس.. مما خلق بيئة للمكان وأدى إلى تطور الصناعة السورية للإنتاج التلفزيونية. وأغلب المخرجين الشباب يسعون لتطوير أدواتهم أكثر فأكثر، وهذا جانب إيجابي، لكن يبقى أن لا يصاب أي مخرج بالغرور، هنا تمكن المصيبة والمشكلة. أو تقاعس وأنه وصل إلى القمة وهذه بلوة أكبر. أتمنى أن يزداد المتعلمين والمتابعين والمثقفين الذين يواكبون تطور هذه المهنة. وأين دور الممثل؟ الممثل هو أداء وعطاء وموجود في الساحة، ولا ينقصه شيء، لكن مع الممثل يجب أن تملك الأدوات كي ترسم اللوحة وتظهر الممثل على الصورة الصحيحة، فإذا كانت الأدوات متوفرة ومتطورة بالشكل الصحيح، يتم الإنجاز. رغم كل ما تحدثت عنه، إلا أن هناك قلق على الدراما السورية؟ لان الإنتاج السوري متقلب وغير مستقر، فتجد شركة تغامر وتنتج بعض الأعمال، ثم تختفي، ثم تأتي شركة أخرى ويكون مصيرها نفس المصير، حتى أن شركات وصلت للقمة في الإنتاج ثم تلاشت، لكن المسار ما زال مستمراً، مع أن الأعمال المنتجة هذا العام أقل من العام الماضي، وهناك من يرد ذلك للانتكاسة المالية العالمية، وهذا ولد خوف عند البعض، ودوماً رأس المال جبان، لا يحب المغامرة. حتى من أصحاب الاختصاص في الإنتاج الدرامي؟ حتى هؤلاء ينتجون أعمالاً بتكلفة بسيطة كي لا يخسروا مبالغ كبيرة في حال الفشل. فلجؤوا للدراما التركية؟ الدراما التركية مكسب للمنتجين، حيث يقوم بشراء أعمال "استك" ويدبلوجونها، ويبيعونها بأسعار الأعمال السورية. وهذا بالنسبة لبعض المنتجين كنز. لكن هذه الأعمال لا تشكل خطورة على الدراما السورية؟ لا تشكل أية خطورة، فما زالت أعمال البيئة حاضرة في الدراما السورية، واليوم يتم تصوير الجزء الرابع من باب الحارة وقد ينجز العاشر، بالإضافة إلى الأعمال التاريخية، حتى أننا وصلنا إلى مستوى لا يستهان به، لدرجة أن تقارير المصريين تقول أن الأعمال التاريخية من اختصاص السوريين. شكراً محمد عزيزية