2012/07/04

برنامج «احكيلي عن بلدي».. استسهال في الإعداد والإخراج والتقديم
برنامج «احكيلي عن بلدي».. استسهال في الإعداد والإخراج والتقديم


بديع منير صنيج - تشرين


لعل أكثر ما ينطبق على برنامج «احكيلي عن بلدي» هو مقولة «ما في أسهل من الحكي» ففي الحلقة التي عرضت على الفضائية السورية عند السابعة من مساء الأحد الماضي رافقتنا المذيعة «أجفان قبلان» والممثل «مشهور خيزران» إلى إحدى قرى جبل العرب في الجنوب السوري بغية تعريفنا على أوابد تلك المناطق وعادات أهلها ومناقبهم المتعددة. لكن رغم الاستعانة بعنصر مهم من العناصر الدرامية وأقصد هنا الممثل/الراوي «خيزران» الذي أدى شخصية سائق التاكسي ذي الميول الشيوعية في مسلسل «الخربة»، فإن بقية العناصر الدرامية التي كان من المفيد جداً تسخيرها في هذا البرنامج بقيت على الهامش تماماً. ‏

وما يثبت صحة هذا التوجه الخاطئ للقائمين على البرنامج هو مقارنة بصرية بسيطة بين بعض البيوت التي جرى فيها تصوير «الخربة»، والبيوت ذاتها ضمن «احكيلي عن بلدي»، ما يجعلنا متأكدين من ارتجالية الإعداد والإخراج، فما كنا نراه بكامل ألقه بكاميرا «الليث حجو» كان فاقداً لأي جمال بصري. ورغم أنني لا أطالب عموماً بتوضيب الأمكنة في البرامج التي تريد تصوير واقع الحال، فإن هذا البرنامج يحمل صبغة سياحية، وهذه الصبغة هي من جوهر العمل وروحانيته، لذلك كان من واجب المخرج «عدنان أبو سرية» أن يستفيد من الدراما السورية ونجاحاتها ولو بالحد الأدنى، وطبعاً الشيء ذاته ينطبق على المعدّة «قبلان»، فما معنى الانتقال من بيت إلى آخر ضمن تلك القرى، ومن ضيف إلى سواه من دون التأكيد البصري الذي يجعلنا مسحورين بحركة كاميرا ستقودنا تلقائياً إلى ذرا جمالية بصرية تغني معرفتنا بذاك المكان، وتزيد وعينا بأهمية تلك الأوابد الأثرية التي حافظت الحجارة البركانية وطيبة السكان على معظم ملامحها، فضلاً عن واجب هذا البرنامج في نبش ذاكرة ضيوفه وإحيائها؛ عبر لغة فيلمية موازية قادرة على تحقيق مستوى جمالي عالٍ يستلهم فيروز بنَفَسِها الرحباني التي تطلُبُ من النسيم أن يحكي لها عن بلدها.. عن أهلها.. عن جار الطفولة.. عن حال الزيتون وعن الصبي والصبية بفيء الطاحون. ‏

الاستلهام هنا أساس بكل ما في الكلمة من معنى، والقصد ليس التتبع الحرفي لحكاية الأغنية بقدر استنهاض أبعادها الدرامية وشفافية طروحاتها، فضلاً عن الحميمية والشاعرية في تناول مضامينها، لأن ذلك سيعكس مدى المعرفة بالموضوع المطروح، ومقدار الجهد المبذول في إعادة هيكلة المواد الفيلمية المتوفرة، وليس البقاء ضمن صيغ «ما في أسهل من الحكي»، «ما في أسهل من التصوير»، «ما في أسهل من الإعداد والإخراج والتقديم...»، من دون إدراك حقيقي أن كل خلل في أحد تلك العناصر سينعكس بالضرورة على العناصر الأخرى، وأن إغفال أهمية الدراما في بناء تلك العناصر مجتمعة سيجعل النتيجة النهائية لا تتعدى كونها توليفة سيئة لمجموعة مقابلات وبعض الصور تمّ ربطها مع بعضها على خلفية موسيقية متكررة لأغنية غاية في الجمال استطاعت ببساطة أن تلغي جميع المكونات الأخرى. ‏

«احكيلي عن بلدي» في هذه الحلقة خالف عنوانه بصرياً، وترك سيرورته كبرنامج يعوّل على الحكي والعفوية، ضارباً عرض الحائط بمناخات اجتماعية وثقافية وآثارية غنية جداً لمنطقة جبل العرب تنبغي الاستفادة منها للخروج بمادة برامجية دسمة تشجع على زيارة تلك المنطقة، وتثير الشهية للتعمق في معرفتها واستكشاف المزيد من جمالياتها، لا أن يؤكد في كل تفصيل من تفاصيله أنه «شُغْلْ ساعتُهْ» كما رددت كثيراً «شكران مرتجى» في دورها ضمن مسلسل «الخربة»!! ‏