2012/07/04

«بشر» الجزائر و«آلهة» فرنسا
«بشر» الجزائر و«آلهة» فرنسا

يزن الأشقر - الأخبار

في عام 1996، وفي عزّ العشرية الدموية التي شهدتها الجزائر، اختطفت جماعة إسلامية سبعة رهبان فرنسيين مقيمين في دير أطلس في قرية تيبحيرين جنوب الجزائر العاصمة، وعُثر عليهم لاحقاً جثثاً مقطوعة الرأس. الجماعة الإسلامية أعلنت في ذلك الوقت تبنيها للعملية التي سببت اضطراباً في العلاقات الجزائرية الفرنسية. لكن لاحقاً، تضاربت الروايات في القضية التي ما زالت تشغل المجتمع الفرنسي حتى الآن. وفي معلومات كشفت لاحقاً، تبين أنه قد يكون للجيش الجزائري دور في مقتل الرهبان.

من هذا الحدث، ينطلق فيلم المخرج الفرنسي كزافييه بوفوا «بشر وآلهة» (2010)، متتبعاً المرحلة الأخيرة من حياة الرهبان وسط تصاعد المعارك بين الجيش الجزائري والجماعات الإسلامية المسلحة، واقتراب التهديد من دير سيدة الأطلس في قرية تيبحيرين. الشريط الذي أسال الكثير من الحبر والجدل بسبب تلميحه إلى ضلوع الجيش الجزائري في مقتل الرهبان، حظي بحفاوة نقدية وجماهيرية في فرنسا، مقابل إدانة جزائرية، ومنع عرضه في الصالات المحلية. في البداية، نرى التعايش المشترك بين سكان القرية الفقراء ورهبان الدير الذين يقدمون المساعدة الطبية المجانية للسكان، ويحضرون الاحتفالات. لكن مع انتشار خبر مقتل بعض السياح الأوروبيين على أيدي الجماعة المسلحة، يدبّ الذعر في سكان القرية المستنكرين لتشدد الجماعة الغريب عنهم، وذعر بعض رهبان الدير خصوصاً عندما يرفض رئيس الدير الراهب كريستيان (لامبير ويلسون) عرض الجيش الجزائري بتوفير حماية عسكرية لهم. هذا الذعر الطارئ هو ما يشكل النواة الرئيسية التي يلعب عليها مخرج الفيلم ببراعة بإسقاطه بعض المفاهيم الدينية على الحبكة.

من هنا، تمثّل النظرة المقربة إلى الحياة اليومية المتواضعة التي يعيشها الرهبان، أساس الفيلم. بلقطات جميلة، نشاهد روتينهم اليومي من الصلوات والأعمال البسيطة التي يقومون بها مثل الزراعة أو الطهي. انتشار الذعر بين الرهبان يبدأ بعد اقتراب العنف، ما يعيد مشكلات دينية عدة إلى الواجهة. وسط خوف بعض الرهبان على حياتهم، يحاول بعضهم تقرير ما إذا كانوا يريدون مغادرة الدير أو البقاء، فيبدأ الشك يدب في قلب أحدهم.

النظرة المقربة التي يوفرها الفيلم في لونه الأزرق البارد، والوتيرة الهادئة التي يحافظ عليها، تفاصيل تجعله يأخذ أبعاداً أخرى غير البعد السياسي في قضيته الرئيسية. ما أبهر المخرج ودفعه إلى كتابة سيناريو الفيلم، هو إرادة الرهبان في عدم مغادرة الدير وتفسير ذلك القرار دينياً. من ناحية أخرى، يحاول الفيلم الابتعاد عن إمرار رسائل سياسية مباشرة قدر الإمكان، هذا مع عدم تبيان الأسباب التي تولّد التطرف والعنف. وعدا لقطتين، الأولى تتهم مسؤولاً حكومياً في الاستعمار الفرنسي بأنه السبب الرئيسي في بلاء الجزائر، ورفض الراهب كريستيان الحماية من حكومة فاسدة، تتخذ فكرة التسامح الديني الجزء الأكبر من تلك الرسائل.

وفي لقطات عدة من الشريط، يحاول المخرج إمرار رسائله عن فكرة التسامح عبر الرهبان، سواء من خلال سكان القرية وحياتهم المشتركة مع الرهبان، أو في موقفهم الواضح من الطارئ الغريب الذي جلبه تشدّد الجماعة الإسلامية، وفي مواقف أخرى مثل المواجهة التي حصلت بيد الراهب كريستيان وأحد أفراد الجماعة، وصولاً إلى المشاهد الأخيرة في الفيلم.

الوتيرة الهادئة التي يسير عليها شريط كزافييه بوفوا تمنحه طابعاً تأملياً يحمل ثقل الفيلم الفلسفي. ومنذ الدقائق الأولى التي يفتتح بها الفيلم في تتبعه الهادئ لروتين الرهبان اليومي، يستمر على هذا المنوال التأملي، وقد ساعد في ذلك عدم استخدام الموسيقى في معظم مشاهد الفيلم. هذا التأمل يوجد في ثنائيات الشك والإيمان، والموت والحياة، وتساؤلات القدر. لكن رغم ذلك التتبع الدقيق، يبقى هناك نوع من المسافة بين المشاهد وبين الرهبان ككل. ليست مسافة عاطفية، بل متوازنة، يستطيع المشاهد من خلالها التوجه إلى كل شخصية على حدة ومحاولة فهم طريقة تفكيرها في مواجهتها لهذا الموقف.

من هنا، جاء أحد أسباب نجاح الفيلم، إلى جانب براعة التصوير السينمائي التأملي الذي يبلغ ذروته في مشهد «العشاء الأخير» ولقطاته المقربة وموسيقى بحيرة البجع، وصولاً إلى مشاهد النهاية. الفيلم الذي نال أيضاً جائزة «سيزار» أفضل فيلم، وكاد يسبب أزمة بين الجزائر وفرنسا، هو بالتأكيد أحد أهم إنتاجات السينما الأوروبية في الفترة الأخيرة