2012/07/04

حرب «التطبيع» السينمائي
حرب «التطبيع» السينمائي


عبد الرحمن سلام – الكفاح العربي

في الوسط السينمائي المصري جدل يتصاعد منذ اسابيع حول تلبية بعض اهل السينما المصرية دعوة شركة "اي فيلم ـ الشركة الرسمية الايرانية للانتاج والتوزيع السينمائي"، لزيارة طهران من اجل بدء مسيرة "تطبيع سينمائي" مصري ـ ايراني. لماذا الضجة؟

البداية كانت عندما تقدمت شركة "اي فيلم" الايرانية من وزارة الثقافة المصرية (بعد ثورة 25 يناير) بطلب اقامة "اسبوع للفيلم الايراني" في مصر. كانت المرة الاولى التي يقدم فيها القطاع العام السينمائي الايراني على مثل هذه الخطوة. لكن الطلب "نام" لأيام في ادراج وزارة الثقافة، قبل ان يفرج عنه مشفوعا بعبارة "الاعتذار" بحجة "الاوضاع الامنية التي تمر بها مصر في الوقت الراهن". هذا "الاعتذار" تعرض لضغوط ومداخلات، فتم التراجع عنه وسمح بإقامة "الاسبوع" شرط نيل الافلام المزمع عرضها موافقة الرقابة على المصنفات الفنية، وهو ما حدث، وأن تكون العروض محصورة بجمهور خاص، اي النقاد والاعلاميين واهل السينما، وليس جمهور السينما العريض، وهذا ايضا ما حدث.

إلا ان المفاجأة الكبيرة حصلت بعد ايام من انتهاء "اسبوع الفيلم الايراني"، مع الاشارة هنا الى ان تلك العروض لم تجد الاقبال المتوقع، وفق ما اكدته الصحف القاهرية والكثيرون من اهل النقد والسينما في مصر، وقد وجهت الى السينمائيين المصريين، بمن فيهم ممثلو "جمعية نقاد السينما" دعوة لزيارة طهران للاطلاع على ستديوهاتها، والتعرف إلى صناعة افلامها وكوادرها السينمائية، الامر الذي اعتبره اهل النقد والسينما في مصر، خطوة اولية على طريق "التطبيع السينمائي" بين البلدين. هذه الدعوة احدثت انقساما في الوسط الفني المصري، مع التوضيح هنا ان جبهة الموافقين كانت تعد على اصابع اليد الواحدة.

وقبل استكمال التفاصيل، لا بد من الاشارة الى انه حين يجري الحديث عن "مراكز" لصناعة السينما في الشرق الاوسط بالمعايير العالمية للبنية الاساسية لهذه الصناعة، لا بد من الاعتراف بأن اهم مركزين في هذا المجال هما بالتأكيد مصر وايران، او القاهرة وطهران. رغم ذلك، فإن العلاقة بين "المركزين" استمرت فاترة وشبه مقطوعة، خصوصا منذ قيام الثورة الاسلامية الايرانية. ومن النادر جدا ان يسمع اهل السينما في الوطن العربي، بشكل عام، وفي كل من القاهرة وطهران، بشكل خاص، عن عرض سينمائي جماهيري (أو خاص) لفيلم ايراني في القاهرة او فيلم مصري في طهران.

رغم ذلك فان السينمائيين في البلدين كانوا دائما يظهرون، وبشكل واضح، اهتمامهم الكبير بأفلام البلد الآخر، ولطالما تحدث اهل السينما في مصر عن "التقدم الكبير" الذي تحقق للسينما الايرانية، وعن "مكتسبات" هذه السينما، ومكانتها وشهرتها وما تحققه ايضا من حضور فاعل في اكبر المهرجانات السينمائية العالمية، في موازاة الحديث عن "مشاكل" هذه السينما مع السلطات المحلية، والتي بلغت حد اصدار احكام السجن على بعض المخرجين والممثلين والمنتجين، وأخرى بمنعهم من العمل السينمائي، او بالنفي الاختياري. لهذه الاسباب كان لأهل السينما في مصر مواقف اعتراضية ورافضة للتعاون "الرسمي"، فيما كانت السلطة في طهران تعتبر ان غياب السينما الايرانية وعروضها عن الساحة المصرية، هو نتاج للقطيعة السياسية والدبلوماسية والثقافية بين البلدين.

بمجرد ان نجحت "ثورة 25 يناير" المصرية في إطاحة رأس النظام السابق و"ثوابت" كبيرة من سياساته، بدأت ايران السعي الى "ترطيب" الاجواء، وبادرت الى دعوة اكثر من وفد شعبي مصري لزيارة طهران، كان من بينهم الممثل عبد العزيز مخيون، ثم دفعت بـ"اي فيلم" الى الاتفاق مع جمعية ثقافية، للاعلان عن "الاسبوع السينمائي الايراني" في القاهرة.

في افتتاح عروض "اسبوع السينما الايرانية" في القاهرة، اعلن المذيع في قناة "العالم" الرسمية الايرانية حسين مرتضى، أن "اسبوع الفيلم الايراني" في مصر هو محاولة للتعاون بين مصر وايران، "من اجل التصدي للغزو الثقافي الغربي"، ما فسر بالتالي الاسس التي ارتكز عليها القائمون على "الاسبوع" في اختيار الافلام التي عرضت، وهي افلام ايرانية شهيرة، منها "صبغة الله" للمخرج مجيد مجيدي، وفيلم "الرجل المتبدل" للمخرج محمد رضا هنرمند، وأفلام حديثة، منها "حلم التأشيرة" و"اللص الظريف" وغيرهما...

وبالعودة الى الدعوة التي وجهت لأهل السينما لزيارة طهران، فقد تبين ان ابرز من تلقوها هم: المخرج محمد خان وزميله علي بدرخان، والسيناريست بشير الديك، الناقد المعروف كمال رمزي، وطبعاً عدد كبير من صناع السينما والنقاد، على رأسهم سمير فريد. ومع الاعلان عن هذه الدعوة، وترحيب عدد من المدعوين بها، انفجرت الخلافات بين وجهتي نظر، فقد اعلن المخرج محمد خان "ان القطيعة مع ايران كانت بسبب اسرائيل واميركا في العهدين السابقين ومن الطبيعي ان تعود العلاقات معها بعد "ثورة 25 يناير"، ولذلك انا تحمست لتلبية الدعوة"، في حين ان الناقد كمال رمزي سأل المخرج محمد خان عما اذا كان سيستغل هذه الدعوة والزيارة ليتقدم بطلب الى الحكومة الايرانية للافراج عن زميل مخرج معتقل هو جعفر بناهي، وأن رد محمد خان كان استبعاده القيام بهذه الخطوة، ما دفع بالناقد كمال رمزي الى البوح عن ابرز اسباب رفضه للدعوة، وقد تساءل في المؤتمر الذي انعقد في مقر "جمعية نقاد السينما" بالقاهرية: ماذا يمكن ان اقول لصديقي المعتقل المخرج جعفر بناهي، ولصديقي المنفي المخرج محسن مخملباف، اذا ما التقيتهم ذات يوم، في حال موافقتي على تلبية هذه الدعوة؟

اما سمير فريد فقد كتب في جريدة "المصري اليوم" القاهرية، عمودا بعنوان حاد هو "العار"، قال فيه: "ان كل سينمائي او ناقد او حتى لو كان من صناع الثورة او في اي موقع فني يلبي دعوة طهران، يسهم في تلطيخ سمعة "ثورة 25 يناير"... عار عليكم ان تذهبوا الى بلد يقتل نظامه المعارضين منذ العام 2009. ويحكم على المخرج جعفر بناهي وزميله محمد راسولوف بالسجن 9 سنين والمنع من الاخراج لعشرين سنة، لأنهما يؤيدان ثورة 2009.

وقد اجمعت آراء السينمائيين الذين يرفضون "التطبيع" بين مصر وايران، على ان الاهتمام بالسينما الايرانية في مصر، هو اهتمام حقيقي، وأنه من المطلوب ان تتاح للجمهور المصري فرصة مشاهدة افلامها، لكن المشكلة تبقى في ان هذا يأتي عبر قنوات تختار هي ما تسمح بعرضه، وتستبعد في المقابل الكثير من الافلام المعارضة، او تلك التي تقدم وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر النظام.

بقي أن نذكر ان هذه الآراء تضمنها البيان الذي صدر عن اهل السينما والنقد في مصر، على اثر الاجتماع الذي عقدته "جمعية نقاد السينما" في القاهرة، وحمل تواقيع كثيرة للنقاد ومخرجين وكتاب وممثلين وممثلات، واعتبر رداً على "الدعوة" وشرحاً لأسباب "الاعتذار".