2012/07/04

دراما الأم السورية: عندما يتكلم الجسد
دراما الأم السورية: عندما يتكلم الجسد


ماهر منصور - السفير


.. لم تزل دراما الأم تنتظر من يكتبها.. لكن من المنصف القول إن الفنانات اللواتي برعن في تقديم أدوار الأم، لم يكنّ ينتظرن ذلك النص الذي ينصفهن، فأعدن تشكيل ما كتب من نصوص في مربع الشاشة الصغيرة، على نحو كن يعشن فيه أدوارهن كأمهات حقيقيات، ويجسدن أدوارهن بفطرة الأمومة، أكثر منهن كممثلات.

الحكم هنا ليس عاطفياً، بل هي رؤية نقدية تبنى على طبيعة أداء معظم الفنانات السوريات اللواتي قمن بأدوار الأم. وهو أداء غالباً ما يكون مرتكزا على أدوات ما يعرف بلغة الجسد Body Language)) المعتمدة في فنون مثل فن التمثيل الصامت (Mim) أو فن البانتومايم (pantomime) حيث يستخدم الجسد أو أجزاء منه في تنفيذ حركات وأفعال وإيماءات، تعبيراً عن حالات أو عواطف مختلفة. وهو ما فعلته الفنانات السوريات بالضبط حين استعرن لغة الجسد هذه، لتحل مكان قصور الحوار والكلام الفائض فيه، وتتجاوز حالة الرتابة والملل التي قد تأتي من نمطية تناول أدوار الأمهات في كثير من مسلسلاتنا.

وبدت لغة الجسد في مرات كثيرة، ولا سيما الوجه، الأقدر تعبيراً حتى عن أدوار الأمومة المصاغة بشكل محكم. ومن منا ينسى الفنانة ثناء دبسي، حين قدمت شخصية أم منذر في مسلسل «زمن العار» بقليل من الكلام وبكثير من الأحاسيس والألم. وفي كل مشهد كانت دبسي نبعاً من الأحاسيس. ولا سيما في مشاهد حالات الاختناق التي كانت تصيبها فجأة، وصرخات وجعها خلالها التي بدت كما لو أنها صرخة احتجاجية حنونة على هزيمة عائلتها الأخلاقية... وربما صرخة يأس لأنها لن تستطيع أن تمنع عن أبنائها مصائرهم الفجائعية.

ويمكن فهم تأثير لغة الجسد في تأدية أدوار الأمهات على المشاهد، من خلال تحقيق كثيرات من هؤلاء الممثلات شهرة كبيرة رغم نمطية أدوارهن... كما هي الحال مع الفنانة الراحلة نبيلة النابلسي التي حرصت باكرا على تقديم شخصيات الأم من دون النظر إلى مساحتها في النص، سواء كانت شخصية رئيسية أو سنيدة. وحققت من خلالها شهرة كبيرة، رغم أن معظمها كانت تدور في فلك الأم الحنون أو المعذبة أو الضعيفة أو الأم المطلقة.

وبالمثل تجاوزت الفنانة هالة شوكت مسألة تقديم المخرجين لجمالها على موهبتها الفنية في إسناد الأدوار التمثيلية لها. فتميزت بالأداء الباهر لأدوار الأم بالرغم من أنها بدت في معظمها ذات نمط درامي واحد، فهي الأم الحنون، المشغول بالها دوماً على أولادها، وهي حيناً مغلوباً على أمرها، وحيناً آخر ثكلى بولد غائب. ولكن من منا يستطيع تجاوز دورها «أم نصار» في مسلسل «الخوالي» للمخرج بسام الملا، حيث شكلت لغة الجسد أداة مثالية للمزاوجة بين القسوة والحنان. وتكرر ذلك في دور منى واصف بشخصية «أم أسعد» في مسلسل «الحوت»، وشخصية «ضباع» التي أدتها الفنانة الراحلة نجاح العبدالله في مسلسل «الزير سالم».

وشكلت لغة الجسد أيضاً ملاذاً لفنانات شابات قدمن أدوار أمهات لأبناء كبار أو مراهقين، مثل سلاف فواخرجي في مسلسل «رسائل الحب والحرب» وفي فيلم «حسيبة»، وكاريس بشار في مسلسل «ليس سراباً»، أو قمن بأدوار تتطلب عاطفة الأمومة، كالمشهد الذي قدمته كاريس بشار (سعدية) في مسلسل «ليالي الصالحية»، حين فاضت بالحنان لحظة تمرير ابن حميها خالد عبر ثوبها.. كما لو أن الطفل منحها شعورا بالأمومة من دون أن تلد.