2014/04/27

السوريون لم يعرفوا في تاريخهم طائفة غير سورية
السوريون لم يعرفوا في تاريخهم طائفة غير سورية

 

سامر محمد اسماعيل – تشرين

 

 

اللقاء مع فنان من قامة الأستاذ دريد لحام يكاد يكون فرصة للإطلالة على وعي سوري أصيل ساهم صاحب شخصية «كاسك يا وطن» في صياغته مع نخبة من مثقفي وفناني سورية منذ خمسينيات القرن الفائت، فمنذ بدايات تأسيس التلفزيون العربي السوري عام 1960 الذي كان وقتها يتألف من 72 موظفاً بمن فيهم فرقة الفنون الشعبية، كانت البرامج التي ينتجها هما برنامجان يذاعان على التلفزيون المصري والسوري معاً أيام الوحدة، برنامج «البيت السعيد» لناديا الغزي، وبرنامج «سهرة دمشق» التي كان دريد لحام يقوم بتقديمها مع كل من نهاد قلعي وخلدون المالح منذ تلك الأيام وصاحب شخصية «غوار» لا يزال هو الفنان الأيقونة سواء على خشبة المسرح أو في السينما أو التلفزيون، ليمتلك أهم وأضخم أرشيف في ذاكرة كل السوريين.

تشرين التقت الفنان دريد لحام وكان الحوار الآتي:

 

• ستشهد البلاد استحقاق انتخابات رئاسية في الثالث من حزيران القادم، كيف ترى أستاذ دريد - - مثل هذا الاستحقاق بعد مضي ثلاث سنوات من الأزمة؟

• • أهمية الموضوع تأتي  في رأيي من أن  الانتخابات الرئاسية القادمة هذه انتخابات وليست استفتاء، هذا يجعلنا نقترب أكثر من تحقيق خطوة جادة وقوية باتجاه ديمقراطية حقيقية، فأنا لا أعد الاستفتاء أسلوباً ديمقراطياً لانتقاء شخص مقام الجمهورية، أما الانتخاب فيحسم الأمر بين المرشحين لهذا المنصب السياسي الرفيع، ولهذا أرى أن انتخابات حزيران 2014 هي خطوة أكثر ديمقراطية وستسجل في تاريخ السياسة السورية المعاصرة.

• كيف ترى أهمية هذه الخطوة في ظل الظروف الراهنة ومحاولة بعض الأطراف الدولية التشويش على هذه الانتخابات؟

• • مهما قدمت ومهما فعلت في سورية سينتقدونك، لأن هناك موقفاً معادياً لسورية، المسألة أن هناك عداوة مسبقة، وهم لا يدعون السوريين يقومون بخطوة مثل هذه الخطوة السياسية المهمة في تاريخ بلادهم، فالتدخل اليوم في انتخابات الرئاسة السورية هو تدخل غير شرعي ببلدٍ ذي سيادة، ولهذا يجب ألا نعوّل على ما يقوله الآخر المعادي لسورية أصلاً، ومن يكون لديه موقف سلفي منك، لا تنتظر منه العدل، وهذا يذكرني بما يحدث أحياناً في مجال الثقافة والفنون، فهناك نقاد يكون لديهم موقف سلفي مما تقدمه، كما حدث ذات مرة مع الفنان نهاد قلعي- رحمه الله- مع أحد النقاد الذي هاجم عرضاً مسرحياً له وكتب نقداً لاذعاً عن مسرحيته، ليتبين فيما بعد أن ظرفاً ما تدخل ومنع عرض المسرحية، وهذا يوضح أن أصحاب المواقف السلفية لم ولن يكونوا في يوم من الأيام أصحاب رأي موضوعي، بل هم على الدوام جاهزون ومستعدون لتوجيه سهامهم المسمومة نحو كل ما تفكر أن تقوم به، ما أريد قوله: إن هناك موقفاً مسبقاً من سورية بشكل عام، هذا الموقف المسبق يقابله اليوم كما تلاحظ إصرار من السوريين بتحقيق الانتخابات الرئاسية وخوضها حتى النهاية، لكونها تؤكد دور مؤسسات الدولة واحترام دستورها.

• كيف تقيّم هذه الرغبة السورية  لإنجاز الانتخابات في ظل ما حدث من إطلاق قذائف الهاون قرب مجلس الشعب أثناء تلاوة إعلان فتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية؟

• • السوريون كافة يتصدون لأعداء بلادهم، ليس فقط أعضاء مجلس الشعب، بل الشارع السوري كله، انظر إلى الشارع الذي يشهد سقوط عشرات قذائف الهاون، ولا تمضِ دقائق  حتى تعود الحياة لتدب في أوصال هذا الشارع أو ذاك، من دون أن يثني السوريين عن متابعة حياتهم اليومية، وهذا يعكس تصميماً وإرادة حياة لدى شعبنا السوري المقاوم، فالطلاب يذهبون إلى المدارس رغم القذائف التي تتساقط يومياً على مدارسهم، وبالتالي هناك أجيال تشع على أجيال، وما أراه اليوم أن الأطفال هم من يشحذون همم آبائهم بإصرارهم على المضي في الذهاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، وكأنهم يقولون لنا لا تتوقفوا، ولا تتقاعسوا عن الذهاب إلى أعمالكم ووظائفكم، خذ مثلاً ما حدث مؤخراً بسقوط قذائف الإرهاب على «مدرسة السلام»، وكيف في اليوم التالي قدم الطلاب إلى المدرسة، ولم ينصاعوا للخوف ولم يسمحوا لأحد أن يعوق حياتهم الدراسية، وهذا ما يحدث في كل مدارس سورية، وفي كل  قطاع من قطاعات العمل التي تتعرض يومياً لأعمال إرهابية، وهذه في رأيي حالة سورية تعكس إرادة الحياة والتمسك بالوطن، لكن دعني هنا أنتقد مسألة هي: لماذا يجب في قانون الترشح الرئاسي أن يحظى المرشح بثقة خمسة وثلاثين نائباً في البرلمان كي يستطيع ترشيح نفسه؟ وهذا سؤال لم أجد له جواباً، أقترح أن يكون باب الترشيح مفتوحاً بشرط أن توضع له الضوابط القانونية اللازمة.

• في ظل ما يجري اليوم كيف تقيم موقف بعض النخب المهاجرة مما يحدث في سورية؟

• • الهجرة لهؤلاء حدثت لسببين، السبب الأول هو الخوف الإنساني الذي اعترى البعض فخاف على أبنائه وذويه وقرر السفر خارج سورية، أما السبب الثاني فهو موقف، طبعاً هذا الموقف لم يعد قابلاً للنقاش، وأصحاب هذا الموقف لا يستطيعون مناقشتي لأن الفرز تم، وهؤلاء ممن اتخذوا موقفاً كانوا واضحين بعدائهم لوطنهم، ورأيناهم كيف أصروا ولا يزالون على تدخل أمريكي في سورية، هذا الجانب لا يمكن الحوار معه، فلو طلب أي شيء منطقي ومعقول لكنا معه، لكن أن تطلب تدخلاً عسكرياً أمريكياً- صهيونياً في بلادك،  فهذا لا يمكن ولا يجوز أن نتوقع منه أن يصير اليوم وطنياً، أو يتحدث لمصلحة بلاده، فهو إما معادٍ لوطنه، وإما اشتروه بالمال، وهذا لا يلغي أن هناك معارضة داخلية وخارجية محترمة للغاية ترفض التدخل الخارجي، أما من نادى بتدخل الغرب أو تركيا أو «إسرائيل» في سورية فهؤلاء لا يمكن أن تضع يدك في يدهم،  تخيل هؤلاء أنه لم تعد «إسرائيل» بالنسبة إليهم عدوّاً، وهذا يعني إغلاق باب الحوار معهم لأنهم كما قلت لك تم شراؤهم بالمال، وهم لا يريدون سوى تدمير سورية وقتل شعبها ثم المعارضة ما هي؟ ما مفهومها في العمق؟ هي صمام أمان لأي نظام في العالم، ولأجل ذلك هناك في أي بلد في العالم توجد معارضة ويوجد نظام، فالمعارضة هي من تأخذ دور الرقيب لسلوك النظام الذي تعارضه، وتدله على مكامن الخطأ، وهناك معارضة داخلية لم تهرب ولم تصمت، وهؤلاء أحترمهم ماداموا موجودين معنا ويتعرضون لما نتعرض له يومياً من أعمال إرهابية تطول كل السوريين وعلى امتداد الأرض السورية.

• قلت في إحدى لقاءاتك الإعلامية مؤخراً أن هناك من يريد أن يجرمني فقط لأنني أحمل علم بلادي؟ ثمة من يريد تغيير العلم وتغيير النشيد؟

• • كل إنسان مسؤول عن موقفه، أنا شخصياً أقول: كل من هو معاد لبلدي معاد لعلمي ونشيده حماة الديار عدوٌّ لي شخصياً، هم اختاروا هذا الموقف وهم مسؤولون عن هذا الخيار، أتمنى أن يعودوا ويحاسبوا ضمائرهم الخاملة ليروا ماذا قدمت لهم سورية، وهذا يذكرني بقول الرئيس الأمريكي جون كيندي عندما نجح في الانتخابات وقف وقال للأمريكيين بالحرف الواحد: لا تسألوا ماذا أعطتكم أمريكا،  بل اسألوا أنفسكم ماذا أعطيتم أمريكا، وهنا أسأل من يحارب العلم والنشيد السوري: ماذا أعطيتم بلدكم مقابل  كل ما أعطتكم إياه؟

• عودة لمسألة الانتخابات... كيف تقيمون اليوم هذه الخطوة من الدولة السورية؟

• • رغم اعتراضي على بعض مواد الدستور فهذا لا يمنع حدوث الانتخابات، والتي إن لم تحدث عليكَ أن تتصور حجم المشكلة القاتلة التي من الممكن أن تقع فيها البلاد فيما لو كان هناك فراغ في مقام الرئاسة، فإذا لم تجر الانتخابات في موعدها، معناها هناك تمديد حتماً، وعندها سيعود من هم في الخارج ليشتموا التمديد، وهذا يؤكد لنا أنه مهما قام السوريون بأفعال وإجراءات سياسية سيكون رد فعل الخارج عليها سلبياً، فمن يتناول العملية الانتخابية القادمة هو ضد سورية، وليس ضد شخص أو نظام، ولاحظ من خلال ما يحدث اليوم من عمليات إرهابية وتخريب مستمر وممنهج لآثار سورية وكنائسها وجوامعها وجامعاتها ومدنها وبناها التحتية عموماً، ستلاحظ أن هدفهم هو تخريب سورية، وهم اليوم توضحت أكاذيبهم عن الحرية والديمقراطية، فهدفهم واضح وهو تدمير سورية الوطن والدولة، تصور بلداً بلا رئيس، تصور الفراغ الذي سيتركه ذلك، إذا كنتم اليوم ضد الانتخابات فأنتم اليوم مع الفراغ، والفراغ لمصلحة من سوى أعداء هذا البلد الذين دفعوا مليارات الدولارات من أجل تدميره والنيل من إرادة شعبه؟.

• هناك ثلاث عواصم تحت النار هي: دمشق وبغداد والقاهرة، كيف تقرؤون اليوم الواقع العربي في ظل محاولة المال النفطي واستماتته في تدمير المدينة العربية وحواضرها الأعرق عبر التاريخ؟

• • هم يريدون لنا ألا نكون، لكن الشعوب في سورية ومصر والعراق صممت على أن تكون، وهم يريدون أن تأتي الأوامر لرأس السلطة في هذه البلاد في ظرف غير مختوم: افعل كذا ولا تفعل كذا، وتحديداً أمريكا التي نرى ما تفعله اليوم في أوكرانيا، وتخيل معي روسيا التي تعرضت لعقوبات اقتصادية من قبل أمريكا والدول الأوروبية بسبب دفاعها عن مواطنيها في القرم وشرق أوكرانيا، والمطلوب ألا تدافع عنهم روسيا ليبقوا تحت سيطرة وهيمنة الاتحاد الأوروبي السابح في الفلك الأمريكي، لكن شعب القرم وشرق أوكرانيا لا يريدون ذلك، يريدون الانضواء تحت راية وطنهم الأم روسيا، وهذا يوضح أننا أمام رغبة شعوب تقابلها رغبة دول استعمارية، يجوز الجيوش لا تستعمر اليوم أوطاناً، لقد مرت هذه الحقبة من الزمن، لكن الاقتصاد يستعمر، الثقافة تستعمر، الإعلام يستعمر، فقد وصلت الدول الغربية لقناعة أنه ليس ضرورياً اليوم أن تستخدم جيوشاً لاستعمار بلد ما، فالاستعمار في طبعته الحداثية يسعى اليوم إلى إحداث فتن داخلية بين أبناء الوطن الواحد، بحيث يتم تفتيت هذه البلاد من داخلها.

• ما رأيك في واقع الفن عموماً.. ورؤوس الأموال التي تشتري النخب والفنانين والذهاب بهم بعيداً عن هواجس أوطانهم وشعوبهم؟

• • يكفي اليوم أن نقول: إنه تحت القصف ما زالت الأعمال  الفنية تصوّر، وما زال قسم كبير من الفنانين متمسكين بأرضهم وببلدهم، حتى عندما صوّرت دوري في مسلسل «سنعود بعد قليل» مع الليث حجو، لم يكن هناك من داع لتصنيع أصوات قذائف وقصف، بل حافظ المخرج في هذا العمل على أصوات القذائف الحية التي كانت تنهمر على دمشق، وهذا لم يثن الفنانين عن متابعة تصوير المسلسل، ومثلهم الكثير من الأعمال التي يتم تصويرها اليوم بعناد وإصرار من قبل فنانينا الذين يقدمون اليوم أعمالاً في غاية الأهمية، ورغم الظروف الصعبة التي نمر بها، إلا أن سورية بخير، الناس مازالت تأكل خبزاً، والأفران تعمل بأقصى طاقاتها، والجامعات والمدارس والمعاهد والمصانع والحقول كلها في سورية تقف في وجه هذه الهجمة البربرية على الوطن،  انظر إلى الناس بعد أقل من دقيقتين من سقوط قذيفة هاون في شارع أو حي تراهم عادوا للمشي والعمل في المكان نفسه،  صحيح إن أحداً من السوريين لا يتوقع عند خروجه من البيت أنه سيعود، فهناك معرفة وتسليم وإيمان بأنه من الممكن ألا يعود إلى بيته، ورغم ذلك ترى الناس يذهبون كل صباح إلى أعمالهم والابتسامة تعلو محياهم، والأمل يحدوهم بغدٍ أفضل لكل السوريين، وهنا أريد أن أقول: إن سورية تتعرض لظلم لم يتعرض له بلد في العالم إطلاقاً وتحت مسميات كاذبة، لا أحد منا ضد الحرية أو ضد الديمقراطية، على العكس، فمنذ أيام (مسرح الشوك) مع الأستاذ عمر حجو كنا نطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكن ما يجري على الأرض السورية اليوم ليست له علاقة بهذه الشعارات، فأن يأتي أشخاص من بلد عربي حاملاً السلاح لقتل السوريين وفي بلاده لم يشتم رائحة الديمقراطية يوماً، ولم يسمع بها تحت شعار الديمقراطية والحرية، فهذا أرى منه الهدف هو تدمير سورية، تدمير ثقافتها وتاريخها وتراثها وحضارتها وأخلاقها، عندما ترى مسلحين قادمين من كل أنحاء الأرض تعرف أن الهدف هو تدمير البلد وليس الهدف الحرية، فالحرية تعني السوريين وحدهم، وإذا لم تتوقف الدول المشاركة في تدمير سورية بمد المسلحين بالمال والسلاح والرجال والمغرر بهم ومن صودرت عقولهم، فالأمور سوف تكون سيئة، ومن يفتي لهم بالجهاد نعرف كذبه حين لا يكون مع من يحرضهم على هذا الجهاد..الجيش السوري في عام 1948 على ضآلة حجمه وقتها احتل ثلاث مستعمرات في فلسطين هي يلي مشمار والعزيزيات وكعوش، كان القائد في الجيش العربي السوري وقتها في مقدمة جنوده يقول لهم: (الحقوني يا ولادي)..أما من يفتي اليوم بالجهاد نراه يحرض ويدفع الناس إلى الموت وهو على الشاشات أو من وراء البحار.

• لكن هل الفن قادر اليوم على لعب دور مهم وحاسم في صياغة الرأي العام؟

• • الفن يمكن أن يشارك في الفرز، لكننا اليوم أمام عقول غير قابلة للنقاش، فمن يفجر نفسه في سوق لو كان عقله معه لفكر كيف سيدخل الجنة وهو يتسبب بقتل أطفال وطلاب مدارس وأبرياء..لو كان عقله موجوداً لفكّر كيف  سيقبله الله شهيداً في الجنة وهو يقتل أطفالاً ونساء؟ لكن للأسف هذا كله تابع للعبة المال القادر اليوم أن يشتري ضمائر  الكثيرين.

• ماذا عن الفنانين السوريين؟

• • الفنانون السوريون مثلهم مثل كل الناس تملكتهم الشجاعة أكثر من أي وقتٍ مضى، فعندما تطلب من فنان أن يصور دوراً في مسلسل في منطقة خطرة وغير آمنة، ويمكن أن يتعرض للموت، هذا يعني أن هذا الفنان صار اليوم أكثر شجاعة لتقديم أعمال درامية، ومن جملة هذه الأعمال مسلسل «بواب الريح» الذي يتحدث عن أحداث 1860، حيث يسلط الضوء كل من الكاتب خلدون قتلان والمخرج مثنى صبح على زمن الاحتلال العثماني الذي كان عهداً أسود، حكم السلاطين هذا كان أسوأ مرحلة مرت فيها بلادنا، هناك سلطان عثماني قتل كل أخوته وزوجاتهم وأولادهم حتى لا يطالبه أحد بالسلطة! هذه هي حقيقة الحكم العثماني الذي خدع الناس بحجة الدين الإسلامي.

• ما الشخصية التي تقدمونها أستاذ دريد في مسلسل «بواب الريح»؟ هل لنا أن نطلع القارئ عليها؟

• • أقوم  في «بواب الريح» بأداء شخصية «يوسف آغا» شيخ كار النحاسين في دمشق، الشخصية السورية اليهودية، والرجل المسموعة كلمته بين أبناء قومه، وهو شخصية وطنية متعلقة بالشام، يحارب ويناضل ضد هجرة اليهود الشوام إلى أرض الميعاد، ما يعرضه للقتل نتيجة مواقفه الوطنية هذه، حيث يتعرض هذا المسلسل لأحداث الفتنة الطائفية التي بدأت في جبل الشوف في لبنان بين الدروز والمسيحيين عام 1860، لتنتقل أصداؤها إلى دمشق ..وهنا يقف «يوسف آغا» ضد هذه الفتنة فيدفع حياته ثمناً لإيقافها بإعدامه من قبل السلطات العثمانية نتيجة مواقفه الوطنية هو ومن معه من الشخصيات الوطنية الأخرى، والعمل يتعرض لحقيقة الفتنة التي أثارها العثماني بين أبناء البلد الواحد، هكذا كان العثماني يفعل بالتآمر والتواطؤ مع سلطة القنصلين الفرنسي والإنكليزي للقضاء على صناعة الحرير التي كانت سورية عاصمتها والرائدة على مستوى العالم، ولاسيما في حيي باب شرقي وباب توما، ونحن نعرف أن دمشق طوال عمرها كانت مجتمعاً مدنياً شديد الانسجام، والسوريون على امتداد الأرض السورية لم يعرفوا طائفة لهم إلا سورية، لكن العثماني عمل كثيراً على إثارة الفتن منذ نهايات القرن التاسع عشر.

• كيف تفسر اهتمام العديد من الأعمال الدرامية بالسوريين اليهود وهجرتهم إلى فلسطين المحتلة؟

• • اليهود جزء لا يتجزأ- كان ولا يزال- من النسيج الديموغرافي السوري، لقد كان لهم نائبان في البرلمان السوري خمسينيات القرن الفائت، فهم سوريون قبل أن يكونوا يهوداً، والفرق كبير بين أن تقول (سوري يهودي) أو تقول (يهودي سوري) فالمرء يجب أن ينتمي لوطنه قبل أن ينتمي لطائفته، وهذا ينطلي على معظم الطوائف الأخرى، فأنا سوري قبل أن أكون مسلماً أو مسيحياً أو أي شيء آخر.. فالانتماء للبلد قبل الانتماء للطائفة و للمذهب.

•البعض يقول إن الدولة السورية ارتكبت خطأً عندما سمحت بهجرتهم إلى خارج البلاد؟

• • إطلاقاً، الدولة السورية لا تستطيع أن تمنع أحداً من السفر، وهي لا تسأل أي مواطن عن وجهة سفره، فإذا سافر أحدهم من دمشق لإيطاليا مثلاً، وبعدها سافر إلى الأرض المحتلة، فما الذي يمكن أن تفعله الدولة؟  الدولة غير قادرة على منع نوع كهذا من الهجرات، لكن ما حدث أن سفر السوريين اليهود تحول إلى هجرة..

• لكن ما الذي دفع دريد لحام للمشاركة في مسلسل «بواب الريح» ما الذي حفّزه على لعب شخصية شيخ كار النحاسين؟

• • ما أحببته في العمل هو أنه واقعي يتكلم عن حقبة تاريخية من الحياة السورية المعاصرة، ولقد رجعت عند قراءتي للعمل إلى وثائق ومراجع تاريخية، وتأكدت من جميع الأحداث التي يعالجها هذا المسلسل، وهي قد حدثت فعلاً في الخط الرئيس للعمل.. طبعاً هناك ما يتناوله الكاتب ضمن قالب درامي وهذا حقه لكونه ليس مؤرخاً ، لكن الأحداث المكتوبة بالمجمل هي موثقة وواقعية..وهذا ما أعجبني في هذا المسلسل، وثانياً أن ( بواب الريح) عمل يحترم المرأة السورية، فهو عمل ينتمي إلى أعمال عُرفت بأعمال “البيئة الشامية” التي أساءت كثيراً لواقع المرأة السورية وصورتها الاجتماعية، إلا أن (بواب الريح) عمل يحترم هذه المرأة، يحترم نضالها وكفاحها ووجودها في المجتمع السوري، فهي في هذا المسلسل ليست فقط (لتأكل قتلة وتخلّف الأولاد)..

• كيف ترى واقع ما يسمى بمسلسلات البيئة الشامية؟

• • نعم أعمال البيئة الشامية أحببتها كحكاية، لكنني قلت لمعظم صناع هذه الأعمال إنها ستكون أعمالاً جيدة لو لم تنسبوها للشام، ولو كانت عبارة عن فانتازيا على طريقة مسلسلات (الجوارح) و(الكواسر) فهي أعمال ليست لها علاقة بدمشق كتاريخ وكواقع عيش، لكن صناع أعمال البيئة الشامية وقعوا في فخ التاريخ لكونهم تعرضوا في هذه المسلسلات لحقبة الاستعمارين العثماني والفرنسي، وهذا ما كان يجب أن يأخذوه بالحسبان في تعاملهم الاجتماعي تاريخياً مع المرأة، والتي أعتبر الصورة التي قُدمت عنها في هذه الأعمال خاطئة وظالمة، فمن ينسى المناضلة ثريا الحافظ التي كانت تخطب بالمتظاهرين في ساحات وشوارع دمشق ضد الاستعمار الفرنسي؟ من ينسى نازك العابد التي حملت السلاح إلى جانب  البطل الشهيد يوسف العظمة في موقعة ميسلون ضد جيش الاستعمار؟ كل أم في دمشق في تلك الفترة كانت مناضلة، أمي مثلاً ولدت اثني عشر ولداً  ولا أذكر أنها سمعت يوماً كلمة نابية من أبي.. لقد هزؤوا المرأة في أعمال البيئة، لكنني أتساءل فعلاً: لماذا تُقدم المرأة اليوم في أعمال البيئة على هذا النحو؟..ونحن قد كنا قدمناها سابقاً سيدة أعمال كما في شخصية (فطوم حيص بيص) بمسلسل (صح النوم) أعتقد أنه من الخاطئ أن نسميها (بيئة شامية) فهي بيئة نعم من حيث ديكورات المدينة والبيوت والأزياء.. أي من الخارج، لكنها من الداخل، من المضمون ليست بيئة شامية إطلاقاً .

• ماذا عن واقع الدراما السورية كيف تنظرون اليوم إلى مستقبل هذه الدراما؟

• • أرى الدراما السورية في أحسن حالاتها، وهي أشبه إلى زهر البيلسان الذي ينبتُ  من كعب الصخرة، هذه الدراما التي تنبت من قلب الصخر، وما دامت هناك هذه الشجاعة وهذا التصميم من القائمين على هذه الدراما والمشتغلين فيها، فهي بالتالي دراما مستمرة وجادة وفاعلة ومهمة.

• هل هي قادرة اليوم أن تكون مؤثرة في الوعي الجمعي للجمهور كي تسترده من برامج ومسلسلات تلفزيون الواقع؟

• • المشكلة أن الناس عندما يشاهدون مسلسلاً يشاهدونه على سبيل التسلية، ربما يخزنون باللاوعي أفكاراً وعواطف وهواجس بشأن هذا المسلسل أو ذاك، لكن ما يختزنونه عنه لا يدفعهم نحو اتخاذ موقف آني من ما يجري حولهم، بالتالي تظل الدراما للتسلية أكثر من أن تنشر أفكاراً ومبادئ، لكن  في رأيي الحدث اليومي أكثر تأثيراً من الدراما أو غير الدراما، وهذا يذكرني عندما كنت أقوم بتقديم مسرحيات  «كاسك يا وطن» و«ضيعة تشرين» كنتُ أفكر أنني بهذه الأعمال سأغير العالم، لكن اتضح لي فيما بعد أن العالم يذهب باستمرار نحو الأسوأ، وهذا ما دفعني فيما يبدو لأن أحمّل العمل الفني فوق طاقته، ولهذا في مرحلة من المراحل فكرت بأن أتوقف عن العمل في المسرح، فقد خاب رجائي، وحلمي في التغيير، واكتشفتُ حينها أن العمل الفني ربما يدعوك للتأمل في الواقع ليس أكثر، فهل شاهدت يوماً أناساً يخرجون من المسرح مثلاً ليعلموا الآخرين احترام الوقوف على إشارة المرور؟ العمل الفني أولاً وأخيراً لتحقيق المتعة ولغرس أفكار ربما لن تزهر مباشرةً أو في القريب من الأيام، بل يتطلب ذلك مرور جيل وجيلين حتى تنمو هذه الأفكار التي حاول  الفن غرسها  في النفوس، لكن علينا ألا نيأس من غرس هذه الأفكار التي قد تزهر في جيلٍ ما، فنحن اعتدنا أن نستعجل الأمور، أذكر أنه في المدارس علمونا أن الثورة الفرنسية قامت لأن ماري أنطوانيت قالت للفلاحين الذين طالبوا بالخبز بأن يأكلوا بسكويتاً، وهذا ليس كافياً في رأيي لقيام احتجاج أو ثورة، بل كان السبب الرئيس لقيام الثورة الفرنسية مخزوناً عمره أكثر من مئة عام من شعراء وقصائد, أغان للحرية والعدالة، فالثورة لا تقوم عبر التلفزيونات وبفتاوى الفتنة لشيوخ التلفزيون، الثورة عبارة عن مخزوناً هائل في ضمير الناس ولا وعيهم الجمعي، وعندما تنفجر ثورة  تكون ثورة نحو التطوير نحو الأفضل، وتكون ثورة في المقام الأول ضد الفساد، هذا لا يلغي أن حارة «كل من إيدو إلو» مازالت قائمة في العالم الثالث، لكنها لدينا لا تزال أقل وطأةً من غيرنا من الدول، وذلك بسبب احترام الناس للظروف، ووقوفها مع بعضها بعضاً في المحن.

• هل نستطيع القول إن تجربتك المسرحية مع الشاعر الراحل محمد الماغوط تقف على طرفي نقيض من مسرح النظرية أو ما سمي «المسرح الجاد»؟

• • مشكلتنا أننا نمارس ديكتاتورية على بعض، أنا مسرحي كان شعبياً، وعندما أقول شعبياً فهذا لا يعني أنه مسرح سطحي وبسيط، فالشعبي يعني لكل شرائح الشعب، وهو مسرح ليس نخبوياً، فأنا ضد مسرح النخبة، والنخبة ضد مسرح الشعب، ولا لقاء بينهما، لكن اليوم المسرح هو أكثر فن يحتاج ظرفاً أمنياً ومناخاً من السلام، صحيح ان هناك تجارب مسرحية هنا أو هناك، ولاسيما عروض  طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، لكن ما «طفّش» الجمهور عن خشباتنا هو تحويل بعض المخرجين عروضهم إلى نوع من «الحزازير» التي لا يفهمها الجمهور.