2013/05/29

ذكرى | رحلوا قبل الربيع
ذكرى | رحلوا قبل الربيع


إعداد محمد عبد الرحمن، باسم الحكيم ــ الأخبار

عبد الحليم، أحمد زكي، عبدالله غيث، زكي ناصيف، نصري شمس الدين وسلوى القطريب... وجوه من زمن آخر يزداد بعداً يوماً بعد يوم. رحلوا كلّهم في هذا الشهر تاركين وراءهم أعمالاً سينمائية وتلفزيونية وغنائية ومسرحية حفرت عميقاً في الذاكرة وما زالت حاضرة حتى اليوم

معبود الجماهير


من منّا لم يتمايل على أنغام «دقّوا الشماسي»؟ ومن لم يدندن «أسمر يا أسمراني» و«على قد الشوق» و«صافيني مرّة» و«فاتت جنبنا» و«أهواك»، أو لم يسهر ليالي وهو يستمع إلى «توبة» و«حبيبها» و«قارئة الفنجان»؟ أكثر من 230 أغنية تنوّعت بين العاطفية والوطنية، فضلاً عن الابتهالات الدينية أنجزها عبد الحليم حافظ (1929 ــ 30/3/ 1977) خلال مسيرته. إنجازات لم تنحصر بالموسيقى، بل شملت مجموعة كبيرة من الأفلام أبرزها «لحن الوفاء» (1955) لإبراهيم عمارة، و«موعد غرام» (1956) لهنري بركات، وفيلم عز الدين ذو الفقار «شارع الحب» (1958)، إضافة إلى «معبودة الجماهير» (1967) إخراج حلمي رفلة وغيرها.

بعد ثورة «25 يناير»، لم يعد الفنان المصري الحائز دبلوم من «المعهد العالي للموسيقى العربية» حاضراً على القنوات المصرية، خصوصاً في ظل النظام الإخواني. كيف لا، وحافظ كان صوتاً يذكّر المصريين بجمال عبد الناصر، هو الذي كان في مقدمة من غنّوا له، كما يذكّر بالصورة الجامعة لكل المصريين. تنقّل العندليب الأسمر بين عيون أجمل نساء السينما المصرية، فغنّى لفاتن حمامة وشادية، وتلوّع بنار نادية لطفي ومريم فخر الدين وصباح وماجدة وغيرهن. فتن الملايين على امتداد الوطن العربي، قبل أن يفارق الحياة في 30 آذار (مارس) عام 1977 بعد إصابته بالبلهارسيا، فودّعه المصريون في جنازة مهيبة لم تشهد المحروسة مثيلاً لها منذ وفاة الزعيم جمال عبد الناصر و«كوكب الشرق» أم كلثوم. فكيف سيكون إحياء ذكرى رحيله الـ36 اليوم؟

الفتى الأسمر


سهّلت وفاة أحمد زكي (1949 ــ 27/3/ 2005) الربط بينه وبين عبد الحليم حافظ. كلاهما من المحافظة نفسها (الشرقية)، وكلاهما احتل مساحة كبيرة في قلوب الجماهير. صداقة لم تستمر طويلاً جمعت بين ابن مدينة الزقازيق والعندليب الأسمر قبل وفاة الأخير. المعاناة مع المرض والقدرة على التحدي نسخهما «فتى الشاشة الأسمر» في تجربته مع السرطان عن عبد الحليم في حربه مع البلهارسيا، قبل أن يفارق الحياة في الشهر نفسه أيضاً (27 مارس). لكنّ الأهم أنّ زكي نجح في التعبير عن الشخصيات الأقرب إلى الشارع المصري. هو أوّل من جسد شخصية الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر على الشاشة الذهبية في «ناصر 56» (1996) للمخرج محمد فاضل، ونجح في جعل معارضي السادات أكثر تعاطفاً معه عندما جسّد شخصيته في فيلم محمد خان «أيام السادات» (2001). وظهر طليق الفنانة الراحلة هالة فؤاد كجندي أمن مركزي في فيلم «البريء» (1986) للمخرج وحيد حامد. اليوم، يتذكره المصريون كلما تجدد الصدام بين الشرطة والشعب، وهو أيضاً الوزير الفاسد في «معالي الوزير» (2002) لسمير سيف، والمحامي الفاسد الذي قرر التوبة في فيلم عاطف الطيب «ضد الحكومة» (1992). ومن بين الشخصيات التي جسّدها نذكر ضابط أمن الدولة المؤمن بأنّ المعارضين خونة ومموّلون من دول أخرى في فيلم محمد خان «زوجة رجل مهم» (1987). والأهم أنّ الممثل الذي بقي في نظر كثر «الأفضل» في تاريخ السينما المصرية، جسّد شخصية حليم في شريط أنتجه شخصياً واختلف حوله كثيرون، بعدما أصرّ «أبو هيثم» على مقاومة مرضه الخبيث ليجسّد شخصية صاحب «أسمر يا أسمراني».

جبلية النسمة


للمرة الأولى، لم تمر ذكرى رحيل نصري شمس الدين مرور الكرام (1927ــ 18/3/ 1983). أراد ابنه مصطفى شمس الدين، والشاعر والممثل سليم علاء الدين، أن يجعلا للعقد الثالث على وفاة نصري شكلاً مختلفاً، فاستنهض الهمم ودعا الإذاعات للاستماع إلى أغانيه وأعماله في أسبوع الغياب الذي بدأ في 18 آذار (مارس). المطرب ونجم المسرح الذي سقط على الخشبة في أحد مرابع دمشق الليلية، احتفي به أخيراً في بلدته جون الشوفيّة التي أعطتنا أيضاً الفنان حسن علاء الدين (شوشو). مسيرة استثنائيّة توزعت بين المسرح الغنائي الرحباني والأغنية اللبنانيّة التي تعيش في الذاكرة. في بداية حياته، غنّى في مدرسته في جون وأمام الأصدقاء، فأطلق عليه لقب «مطرب الضيعة». وعندما أصبح في سن الشباب، اعتمد مطرباً في إذاعة الشرق الأدنى. ورغم أن الظروف شاءت أن يسافر إلى القاهرة، لم يحصد شهرة في أم الدنيا خلافاً لمعظم فناني لبنان. حين عاد إلى وطنه، التقى الأخوين رحباني، وسرعان ما صار إحدى الركائز المهمة في مسرحهما منذ عام 1961 مع فيروز، حتى تركهم عام 1978، وكانت آخر مسرحياته مع فيروز «بترا»، ومع الأخوين إعادة «الشخص» مع رونزا. بعدها عاش نجاحاً من نوع آخر، حين أطلق العنان لصوت كان مقموعاً على المسرح، فقدّم الأغنيات الجبليّة التي أسهم في إنجاحها مع وديع الصافي. لم يمر نصري عابراً على الفن اللبناني. تشهد على ذلك أغنياته «كيف حالهن حبايبنا»، «منتزاعل ومنرضى»، «محبوبة قلبي هالا»، «يا مارق عالطواحين»... ومسرحيّاته والأفلام الرحبانية الثلاثة «بنت الحارس»، «بياع الخواتم» و«سفر برلك».

«بنت الجبل» في البال


أربعة أعوام مضت على رحيل «بنت الجبل» (1954ــ 4/3 /2009)، لكنّ الغياب الفعلي لهذه الفنانة الاستعراضية الشاملة، لم يكن منذ أربعة أعوام فقط، بل قبل ذلك بسنوات، يوم قررت الابتعاد عن الأضواء. بقي في بالها حلم يتمثل في تقاسمها بطولة عمل استعراضي ضخم مع ابنتها ألين لحود، ومن تنفيذ صهرها الفنان والمسرحي روميو لحود. إنها سلوى القطريب التي عاشت ربع قرن من حياتها على المسرح، ولم تشأ إفساد رحلتها ولو بعمل واحد يمثّل «دعسة ناقصة» في مسيرة حفلت بعشرات المسرحيات والأغنيات التي ما زالت في البال. أثبتت المغنية والممثلة الراحلة حضورها كسيّدة للمسرح الاستعراضي في لبنان عبر «الأميرة زمرد»، و«ياسمين»، و«اسمك بقلبي». في بدايتها قبل الحرب الأهلية اللبنانيّة، كتبت الصحافة عن ولادة موهبة جديدة اسمها سلوى القطريب، هي فنانة الصدفة التي اكتشفها روميو لحود وأسند إليها دوراً استعراضياً غنائياً في مسرحية «سنكف سنكف» مع جورجينا رزق، ثم لمع نجمها عام 1977 حين جسدت بطولة «بنت الجبل». قدمت عروضاً مميزة على خشبة «كازينو لبنان» ومسرح «البيكاديللي» و«الإليزيه» وغنّت على مسارح الكويت وسوريا والأردن والعراق. هذا التاريخ الحافل بالنجاح، لم تشأ الأميرة زمرد أن تلطخه بعمل يحسب ضدها، لذا كانت تردد أنّها ستعود حين تقع على العمل المناسب، وبقي المشروع الحلم في أيد أمينة مع ابنتها ألين التي أصدرت أخيراً أغنية بعنوان «بكير تتركيني»، أهدتها إلى والدتها في مناسبة عيد الأم.

السهل الممتنع


تسع سنوات مرّت على رحيل زكي ناصيف (1916ــ 10/3/2004). شكّل حالة خاصة، وتحوّلت أغنيته «راجع يتعمر لبنان» إلى نشيد بديل للنشيد الوطني اللبناني أحياناً. منذ رحيله، لم تهدأ عائلته. أحيت ذكراه بأشكال مختلفة. المحطة الأولى، كانت بين أهله في مشغرة (البقاع)، ثم احتفال سنوي في ذكراه، ومشروع إنشاء متحف زكي ناصيف. تميز الرجل الذي شكّل أحد أعمدة الموسيقى والغناء اللبنانيّين، بأسلوبه السهل الممتنع. دمج الألحان والكلمات مع النوتة والآلات لتتماشى مع الإيقاع الشعبي والرقص الفولكلوري، فطبع الموسيقى الشعبية اللبنانية. قدّم أكثر من 500 أغنية، لحنها وغنّاها بصوته أو بأصوات عدد كبير من المطربين. وكان أحد الذين شكلوا الرعيل الأول من الملحنين اللبنانيين الذين واكبوا نهوض «إذاعة لبنان». كان أحد أطراف ما سمّي بـ «عصبة الخمسة» مع الاخوين رحباني، وتوفيق الباشا، وتوفيق سكر، وفيلمون وهبي، وأحد نجوم فرقة «الأنوار» التي أسسها الراحل سعيد فريحة. وضع أغنيات لفيروز، وصباح، وسعاد الهاشم، ووديع الصافي، وماجدة الرومي... وأدى عدداً من الأغنيات منها «اشتقنا كتير»، و«اشتقنا ع لبنان»، ودرّس في الكونسيرفاتوار. واليوم، ما زالت ابنة شقيقه شفيق، تقول «للأسف زكي راح وما أخد حقو».

رمز «ثورة يناير» | «عباس الضو» لا يموت


بعد فيلم «أدهم الشرقاوي» (1964) للمخرج حسام الدين مصطفى، كان بإمكان عبدالله غيث (1930 ــ 13/3/ 1993) أن يتحوّل بطلاً شعبياً، إلّا أنّه خاصم النجومية. فضّل الإفادة من ملامحه الشرقية ولغته العربية السليمة في أعمال لا يستهويها شباك التذاكر. ورغم حصر أعماله بالخشبة، ترك بصمات مؤثرة سينمائياً وتلفزيونياً. تألّق أمام فاتن حمامة في «الحرام» (1965) لهنري بركات عن رواية يوسف إدريس الشهيرة، وكرّمه المخرج مصطفى العقاد من خلال بطولة النسخة العربية من فيلم «الرسالة». جسّد غيث شخصية حمزة بن عبد المطلب، حتى أنطوني كوين اعترف بأنّه أفاد من أداء غيث في النسخة الإنكليزية من الشريط. لكن يبقى الجزء الأوّل من مسلسل «المال والبنون» (1993) الأكثر تأثيراً في مسيرة غيث، يوم لعب دور «عباس الضو» الذي فضّل الفقر على سرقة الآثار. وبعد «ثورة يناير»، عادت هذه الشخصية بقوّة. أمام كل استفتاء تحاول السلطات الجديدة فرضه على الناس، يستعين الرافضون بالعبارة الشهيرة: «عباس الضو بيقول لأ».