2012/07/04

شيخوخة
شيخوخة

ابراهيم العريس-دار الحياة   يتفاعل الفن ايجاباً مع الزمن، كما مع ما يتولد عنه من نتاجات تستظل فيأه. وحده التلفزيون ببرامجه يشذ عن هذه القاعدة من دون سائر الفنون وأدوات توصيل هذه الفنون. فهو بمقدار ما يمر عليه الزمن يجد نفسه في حال تحلّل وتكوّن دائمين، ما يجعل قديمه، بشكل عام، جدير بكل تكريم وتبجيل، شرط أن يدرك أنه بات متحفياً، جزءاً من الماضي الساكن، لا جزءاً من صيرورة تاريخية متجددة دائماً. ومن هنا إذا كنا نقول دائماً أن انبعاث الفنون في كل مرة بتفسير جديد، هو جزء من التاريخ المتحرك لهذه الفنون، فإن استعادة ماضي التلفزيون يعصى عليها أن تتسم بدينامية متجددة، بل تبرز شيخوخة تفقده حتى متحفيته الجليلة... مثل هذه الأفكار، التي لا نزعم انها بسيطة وقادرة على الوصول في مثل هذه العجالة، تراود المرء وهو يشاهد الحلقات «الجديدة» من برنامج استوديو الفن، الذي كان في ماضيه قبل عقود السنين واحداً من أشهر وأجمل برامج الهواة في لبنان والعالم العربي، وكان كثر يترحمون على أيامه في كل مرة شاهدوا فيها برنامج هواة جديداً، يقلده أو يتجاهله. والمشكلة، هنا، هي أن الذين شاهدوا البرنامج في «حلته الجديدة» توقفوا فوراً على الترحم عليه. بل انهم فوجئوا سلباً، بتفاوت ما جاء به الآن، مع الصورة القديمة المعهودة عنه. ولعل هذا التفاوت، الذي لا يزال حتى الآن جنينياً على أية حال، دفع كثراً الى الافتراض بأن الصورة القديمة في أذهانهم كانت مبالغة ومجمّلة بفعل الأيام، فيما افترض غيرهم، ان المسألة يمكن أن تكون حقاً، مسألة انتاج، لا مهارة فردية عزيت دائماً الى صاحب البرنامج ومؤسسه سيمون أسمر، الإعلامي المعروف، بمعنى ان كون البرنامج قُدّم، أولاً في تلفزيون رسمي لبناني لا منافس له، ثم في تلفزيون ال.بي.سي. الذي أمن له انتاجاً ضخماً غلّفه ببريق عرف كيف يصنع من هواة مبتدئين نجوماً كباراً، كون البرنامج هكذا هو الذي جعل له كل ذلك الماضي المدهش. ونعرف أن ذلك الماضي سرعان ما اغتنى بمواهب حقيقية كبيرة، عرف تفاعلها مع جمهورها كيف يصقلها. أما اليوم فمن الواضح أن «استوديو الفن» الجديد، لم يوفق - حتى الآن - في خوضه تجربته الجديدة، ولا سيما خارج اطار الاهتمام الكبير والكريم بمنتجيه القدامى، وبعدما عرف الجمهور الجديد برامج فرضت نفسها ومشاركيها على الناس. ففي هذه المرة، لم تبرز حتى الآن أية مواهب حقيقية... بل حتى يبدو أن المنتجين لم يعثروا حتى على هواة يشاركون... فأخذ بعضهم ينافس نفسه و... يفوز. فهل علينا، بعد هذا، أن نتحدث عن لجان التحكيم التي، في رأي عامة الجمهور، لا تضم من يمكن اعتبارهم خبراء حقيقيين في المجالات التي يحكمون فيها. الى درجة أن واحدة منهم قالت حين سئلت رأيها في هاوٍ: «أنا لا أفهم في هذه الأمور كثيراً... لكنني أعطي صوتي لفلان»! ليس هذا سوى بعض طرائف عودة «ستوديو الفن»... طرائف يمكن التسامح معها، فقط حين نتنبّه الى ضرورة الرفق بالشيخوخة... فالبرامج تشيخ أيضاً.