2012/07/04

«صبحية بحرية».. حين يهمس البحر
«صبحية بحرية».. حين يهمس البحر

غصون سليمان - الثورة

إلى أي حد يعكس الفن روح الزمان والمكان لبني البشر وإلى أي حد تستطيع اللغة البصرية أن تجسد الواقع وتقتحم المجهول، وتعزز الإيجابي والسلبي

للعلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية..؟

الفن السوري وعبر خطوطه وخطواته ومساحاته الواسعة أجاد إلى حد كبير كل أنواع وألوان الفنون، ولا نبالغ أو نجامل في هذا الوصف لقد أنطق الطبيعة

الصامتة ونبش من زبد البحر ذكريات وحكايا وقصصاً ترجمها من عاشوا الشقاء والتعب وأعانهم الصبر على رسم أجمل لوحات الحياة لدفء العلاقات

المجتمعية ضمن الوطن الواحد وعلاقته بالجوار، وهذا ما عكسه الفيلم السوري الخاص (صبحية بحرية) من تأليف عادل سفر وإخراج أسامة الحمد ومن إنتاج

الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والذي عرض في 30/1 بدار الأسد للثقافة والفنون برعاية وزارة الإعلام وبالتعاون مع سفارة الجمهورية التركية في دمشق،

حيث أحداث الفيلم عادت بالذاكرة إلى أيام خلت رصدت من خلالها حروف المؤلف والتقنية الإبداعية للمخرج والمصور فأخرجت من أعماق الصيادين اللؤلؤ

المخبأ في جوف الأسماك التي كانوا يجنونها عبر أمواج البحر على امتداد الشريط الساحلي الممتد بين سورية وتركيا، ومع كل «صيدة سمك» كانت

الشباك تلون المشاعر والأحاسيس لزنود هؤلاء الصيادين الذين طوعوا عنفوان الأمواج بصبرهم وحبهم لعملهم إذ لا مهنة غير الصيد في البحر.‏

ولعل الأهم في هذه الصبحية هو التكوين المؤثر للعامل الاجتماعي وامتداد العلاقات إلى المحيط الإقليمي (تركيا) أظهرتها إلى حد كبير علاقات الصداقة

والمحبة والتعاون في الشدائد والمشاركة الوجدانية حتى تقسيم الرزق من خلال جمع صناديق الأسماك فللوهلة الأولى ينصهر المشاهد بلوحة واحدة

تزينها الحياة البسيطة والتي لا تخلو سطورها من علاقات الحب العائلية وتلك القلوب التي تنتظر بشغف واضطراب مجيء الأحباب عبر مراكب الصيد وهذا ما

جسدته شخصية مريم «مريومة» التي كانت تناشد كل يوم شيخ البحر داعية إياه إلى أن يرزق أخاها وزوجها ويبعد عنهما المخاطر حيث تكلل دعاءها كل

يوم بصرّة ورد لونها أخضر ترسلها مع كل سفرة صيد إلى أمها من خلال أخيها على اعتبارها أنها متزوجة تعيش في الساحل البحري التركي الصديق

لشقيقه السوري ومع كل إرسالية كان الورد الجوري المفروط سيد الكلام وهو يوضع في الصندوق الخشبي من الأم التي اعتادت فتحه على الدوام، ومن

اللوحات الإنسانية التي عرضها الفيلم أيضاً ما كان يجري أيام الشدائد على صعيد المناخ ما يؤدي إلى بقاء الصيادين السوريين عند إخوانهم الصيادين من

الأتراك والذين اعتادوا على المشاركة في كل شيء، وهذه الصورة كان لها أثر بالغ في الصعيد الاجتماعي وحتى الأيام التي كان لا يجني فيها أي طرف

الغلة الكافية من صيد السمك، كان صاحب الغلة الوفيرة يتقاسمها بالتساوي مع إخوانه من الصيادين (سوريين وأتراك).‏

كما أفرز الفيلم ومن خلال العديد من المشاهد كيف أن للبحر لوناً آخر وهو لون الحزن والأسى حينما أفقد إحدى العائلات أبناءها وبقي الأب الذي أصبح جداً

وقام بدوره الفنان زهير رمضان يزور مع حفيدته شط البحر كل يوم مواسياً حفيدته وهي ترسل عبر زجاجة بلاستيكية وضعت في داخلها رسالتها المهدية

إلى والدها على الأمواج توصلها وإن كانت تتقاذفها يمنة ويسرة دون أن تدري تلك الصغيرة أن أباها قد ذهب في رحلته الأدبية ولن يعود؟ ولكن الجد احتفظ

بمواساة الأمل إلى أن يحين الوقت والنطق بالحقيقة.‏

الفيلم فيه الكثير من المشاهد الغنية والمحطات العميقة اعتمد المؤلف تشخيصها باللغة المحكية التي يفهمها ساكنو البحر فرغم بساطتها فهي معبرة

جداً وقد عزز غنى هذه اللغة الموسيقا التصويرية التي أنستنا إلى حد كبير أننا كنا نتابع المشاهد في الصالة بل حسبنا نفسنا أننا جزء من الزمان والمكان

نعيش مع هؤلاء حياتهم بحلوها ومرها وهذه مهارة أجادتها عين الكاميرا ورؤية المخرج وإحساس الممثلين الرائع لخصوصية حياة البحر، وإن كان ينقص بعض

المشاهد إظهار الوجه الاجتماعي في الجانب التركي بشكل أوسع بما يوازي إلى حد ما الطرف الآخر.‏

ومن ناحية الترجمة فقد استطاع السيد جميل يوجة الذي ترجم العمل من العربية إلى التركية أن يوصل إحساس اللغة العربية إلى اللغة التركية بما يساعد

على إبقاء جوهر العمل بلمساته وجوانبه الجمالية قائمة وهذا ما استخلصناه من خلال بعض الإخوة الأتراك الذين حضروا العمل من السفارة التركية وبعض

الضيوف الآخرين فهم فهموا الرسالة وقد أعجبتهم كثيراً.‏

فالصداقة لا تعرف حدوداً وهي من أهم شروط الحياة على الصعيد المهني وغيره.‏

وهكذا استطاع فيلم صبحية بحرية أن يخطف همس المكان وروح البحر الذي يختزن في عالمه أسرار الجانب الآخر للطبيعة.‏