2013/05/29

عميان الدراما يبحثون عـن مؤلف..!
عميان الدراما يبحثون عـن مؤلف..!


سامر اسماعيل – تشرين

سجلت الدراما السورية أنماطاً مختلفة من الشخصيات التي تصدّرتها كنماذج جديدة في سياق المسلسل التلفزيوني مراهنةً على جودة أداء الممثل الذي استطاع مؤخراً أن يقترب من يوميات الناس وهواجسهم الحقيقية، ولعل أهم الكاراكترات التي قدمتها هذه الدراما «على الأقل ما بقي في ذاكرة المشاهدة» كانت شخصية الأعمى التي تصدى لها الفنان «هاني الروماني» تسعينيات القرن الفائت في شخصية «الشيخ هديبان» بمسلسل «هجرة القلوب إلى القلوب» وشخصية «الشيخ علي» التي قدمها الفنان «فايز أبو دان» في مسلسل «خان الحرير»، ولئن اعتمد كل من «الروماني وأبو دان» على خلفية الأداء الشعبي لشيخ الجامع الحلبي، أو شخصية أعمى الحارة الشعبية، إلا أن مفردات هذا النوع من الأداء ظلت تنهل من معين الذاكرة القريبة لمساكين الأحياء الفقيرة والنائية، دراويشها المتكئين على عصيّهم.

بالمقارنة بين الدورين السابقين والأدوار الجديدة لشخصية الأعمى سجل الفنان «عبد المنعم عمايري» في مسلسل «ظل امرأة» تصوراً مغايراً لهذا النوع من الشخصيات التي تشكل تحدياً حقيقياً لأدوات الممثل وحرفيته، واضعةً إياه أمام مغامرة جديدة من المشاعر والأحاسيس الخفية والدقيقة في آن معاً، وطريقة اللعب المغايرة التي وضب لها النص مناخاً خارجاً على المألوف والمكتوب عادةً لهذا النوع من الشخصيات الصعبة، والتي عادةً ما يضعها الكاتب خارج المعنى الدرامي لسياق الأحداث، وكأن كتّاب الدراما السورية اعتادوا على وضع أعمى في كل حارة وعند عتبة كل دكان.

الكاتب خالد خليفة لم يعمد إلى هذا التنميط الحرفي لعميان بعصي ونظارات سوداء، بل ذهب نحو مفاجأة صاعقة لمشاهده عبر شخصية شاعر شاب يتعرض لحادث سير يغير مجرى حياته بالكامل، ليتصدى «عمايري» لشخصية«وائل السالم» التي ستعيش أكثر من نصف زمن المسلسل في ظلام النظرة الشاخصة نحو الخواء، ولكن صاحب «دفاتر القرباط» لم يستغن بالكامل عن الكتابة القديمة لشخصية الأعمى الذي عاد وقدمها عندما استسلمت شخصيته لعماها باحثةً عن عالمٍ آخر، عالم لم تتخيل أنها ستقترب منه بكامل هذا الصدق والكوميديا السوداء، لينقل لنا صاحب «مديح الكراهية» عالماً رحباً عن حياة العميان، عاداتهم، أسلوب عيشهم، طريقتهم في كسب الرزق، متنقلاً بين أسواق حلب ودمشق ليقدم الفنان الراحل خالد تاجا لجمهوره وعبر الموديل القديم للدرويش والسائل بفلسفة خاصة لرجل يتاجر بأصناف خاصة من«البتاع» العقاقير الشعبية التي يتعاطاها رجال دخلوا مرحلة اليأس.

لم يكن تاجا هذه المرة أقل لياقة في أداء دوره، بل كان أقرب إلى حرافيش شارع محمد علي، الرجل الأعمى الذي يمسك عوده ويحيي حفلات الأسطحة، وهو نموذج يحاكي من بعيد الشيخ إمام وشاعره «أحمد فؤاد نجم»، ولكن مع «تاجا وعاصم حواط» الحكاية مختلفة، إنهم سعداء وعلى علاقة مع أصدقاء كثر، يأخذون «الشاعر الأعمى- وائل السالم» إلى مجاهيل الحارات القديمة، اللفات والدهاليز المغرقة في ضوء بصيرتهم، يعرفونه على حياتهم السرية التي وحدتهم معه بحكم نوع الإعاقة، العمى بمستوى مختلف عما كتبه البرتغالي «جوزيه ساراماغو»، المرح والسياحة في شوارع لا يرونها، لكن عصيّهم تحفظها عن ظهر قلب.

من هنا استطاع «خليفة» أن يكسر رتابة القالب الذي اعتادت الدراما أن تقدمه لشخصية الأعمى، المسكين أو الشيخ الدرويش.

على مستوى آخر قدم الفنان «عمر حجو» شخصية الأعمى أيضاً في مسلسل «رياح الخماسين»، ورغم محاولة «حجو» تقديم كل ما لديه من الطرافة والشغل على الأداء النوعي للشخصية، إلا أن النص المكتوب لم يوفر له مناخاً جيداً، فالشخصية مكتوبة بنمطية لم تسمح لمؤسس «مسرح الشوك» أن يتعامل معها بحرفية مختلفة، وهذا أيضاً بقي في خانة الذهنية القديمة التي تغذت طويلاً من معين الدراما المصرية، وهو معين لا يستهان به على الرغم من كل الانتقادات التي يوجهها الفنانون والمخرجون السوريون للدراما المصرية.

ولسبب مجهول لم تقدم الدراما السورية نماذجاً لنساء عمياوات، وما نشاهده حتى الآن في معظمه لم يكن سوى إعجاب خفي لدى كتّاب ومخرجين سوريين ما زالوا يعدون شخصية الأعمى عبارة عن إكسسوار مسروق من شخصيات الدراما والسينما المصرية، وعلى رأسها الشخصية التي قدمها الفنان «محمود عبد العزيز» في فيلم «الكيت كات»، بينما ظل النموذج الهوليوودي الذي قدمه «آل باتشينو» في فيلم «عطر امرأة» عصياً على التقليد، فالعمى باستثناء تجربة «خليفة وعمايري» لا يصيب إلا الرجال، تحديداً الأميين منهم، وهذا غير حقيقي وملفق لدرجة مضحكة.