2013/05/29

غسان مسعود: الذين يحبونني يموتون باكراً لذلك لا أنصح أحداً بالانتصار لي..
غسان مسعود: الذين يحبونني يموتون باكراً لذلك لا أنصح أحداً بالانتصار لي..


سامر محمد إسماعيل – الوطن السورية


لم يعرف طالب الأدب العربي في جامعة دمشق بعدما قرر أن يقطع دراسته لأداء الخدمة الإلزامية عام 1980، أنها ستكون المرة الأخيرة التي سيرى فيها وجه والده: «لم أكن أعرف أن الموت كان قريباً من أبي إلى هذا الحد، كل ما كنتُ أعرفه أنه كان يذهب لزيارة الطبيب بين فترةٍ وأخرى شأنه شأن أي رجل بلغ الستين من عمره».. هذا المشهد سيظل مرافقاً لذاكرته ما بقي حياً، فالشيخ سليمان مسعود الذي لم يشاهد أحد دموعه، كان غير راضٍ عن خيار ابنه بترك دراسته الجامعية.

هذا الموقف بالذات سيؤلمه مراراً كلما تذكر صوت الأب وعينيه الدامعتين، ليجد الشاب نفسه في الجيش السوري وجهاً لوجه مع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982.

عاش غسان مسعود الطفل المولود في العشرين من آب 1958 في قرية «فجليت» قضاء «دريكيش» فتعلقت عيناه منذ الصغر بقوس قزح، مطلاً من جبل طرطوس نحو بحرها الذي يبعد ثلاثين كيلومتراً عن ضيعته العالية، إذ كان يحلم دائماً وبعد كل زخة مطر بالمرور تحت ألوان الطيف السبعة.

سينوغرافيا مسرحية أولى شكلتها أشجار «فجليت» ونباتاتها الخرافية، أمام عيني الصبي الطالع إلى برية الحياة، حيث كان المنظر يصل السماء بالبحر، وبأقدامه الصغيرة الغائصة في طين جبال الساحل السوري، ومن الحقول والسهول العميقة الملأى بشقائق النعمان والسماق والزعتر البري كان الطفل يدخل كل مساء جالباً حفنةً من ضوء ولون في جيوبه، ومنها إلى مخدعه في بيت تربى فيه مع إخوته العشرة، إذ كان يعيش مع أسرته المكونة من خمس بناتٍ ومثلها من الشبان، كان غسان سادسهم المدلل لأب عارف بالله؛ إذ كان الطفل كأخوته منصرفاً عن لعب الصغار إلى قراءة «جزء عما» الذي أنهى حفظه ولما يتجاوز العاشرة من عمره، لكن بعد أن تنبّه الأب إلى موهبة ابنه الصغير في الرسم والخط العربي، والحساسية الخاصة التي يمتلكها إزاء الأشياء، خصه برعاية ومعاملة مختلفة عن بقية أخوته، وأحلّه من الشغل في الأرض كقطاف الزيتون وما إلى ذلك، تاركاً المجال أمام مواهبه للتفتح والنضوج: «لم أكن أجرؤ على صيد العصافير ولا نصب الأفخاخ لها أو حتى قتلها، فعندما كنت أذهب إلى الصيد برفقة أخي الكبير محمد، كل ما أذكره أنني كنتُ مغرماً بصيد السمك من إحدى بحيرات القرية، لأذهب بعدها بما اصطدتُ داخل حوجلة زجاجية لأرميها في بحيرة (عين بنمرة) الكبيرة، ظناً مني أنني أساهم في الحفاظ على هذه المخلوقات ونقلها من مياه ضحلة إلى مياه أكثر رحابة واتساعاً».

هذه المياه الرحبة سيجعل منها الفتى أسلوباً لحياته؛ حيث تعلم في مدارس فجليت الرسمية قافزاً من الابتدائية إلى الإعدادية كطالب مبرز في اللغتين العربية والإنكليزية ليترك الضيعة لأول مرة متجهاً لدراسة الثانوية الأدبية في مدرسة خالد بن الوليد في الدريكيش التي أحبها، كما أحب طريق المدرسة إليها. هناك كان الشاب اليافع يرسم أشجاره كل يوم بألوانه المائية متغزلاً بقريته وصباياها، ليحصل بعدها على شهادة البكالوريا الأدبي مسجلاً في كلية الأدب العربي بجامعة دمشق عام 1978، ليغادر الشاب قريته المسحورة تاركاً وراءه قوس قزح وأشجار الرمان والتين والأسماك والأنهار، ليكتشف هذه المرة مكاناً آخر أقل أفقاً وأكثر ابتعاداً عن خط المطر الذي كانت تقع عليه قريته الجبلية: «كانت دمشق بالنسبة لي عالماً مغلقاً ومليئاً بالضجيج» عاش غسان متنقلاً بين أحياء ركن الدين والصالحية والمزرعة، مقيماً في بيوت أخوته الذين كانوا قد سبقوه إلى دمشق الثمانينيات، لقد تغيرت ظروف الحياة، لكن حلماً مجهولاً ظل يراوده في قاعات الجامعة السورية التي كانت تشهد وقتها حراكاً ثقافياً منقطع النظير؛ وحده حماس الشباب وطيشه سيتدخل هنا ليترك الشاب الجامعة فجأةً لأداء خدمة العلم، لكن ذلك لن يعني انقطاعه عن الدراسة التي كان يفكر أنه سيستطيع إكمالها جنباً إلى جنب مع الخدمة الإجبارية، ليتوفى والده الذي رفض فكرة ذهابه إلى الجيش، وما زاد الحسرة في قلبه أنه لم يره إلا في تلك المرة الوحيدة التي جاء فيها لوداعه في فجليت: «أتذكر كيف أشاح بوجهه عني، ولم يدعني أراه، فقبّلت يده وخرجت تدفعني حماقة الشباب ونزقه، ولولا صوت أمي (نديمة المحمود) لما عدت ورأيته غارقاً في دموعه..».

واظب رغم ظروفه المادية الحرجة على العمل مع طلابه وشغله على مختبره المسرحي الذي وصِف نقدياً بالمختلف والمشاكس، فوصلت أصداؤه إلى كل مسارح الوطن العربي ومهرجاناته المسرحية؛ إلى أن قدم عرضه «الملك لير1995» في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ضمن الدروة التي خصصها المهرجان آنذاك لتجارب تشتغل على نصوص شكسبير، لينال العرض الذي هاجمه زملاؤه من أساتذة المعهد آنذاك جائزة أفضل عرض مسرحي، وليقدم بعده العديد من التجارب المهمة على نحو «ألو تشيخوف، لن يكون، مذكرات رجل نعرفه جيداً، ريما، »، لكن ضريبة هذا النجاح كانت قاسية دفعها على حساب أسرته التي كان يسكن معها في بيت استأجره في منطقة دمر البلد، فالمواقف والآراء حادة النبرة التي كان يصرح بها للصحافة جعلت مخرجي ومنتجي التلفزيون يستمرون في مناصبته العداء معلنين مقاطعته على الملأ، تاركينه لشظف العيش ومكابدته المريرة: «مرت أيام لم يتوفّر في جيبي أجرة الطريق إلى المعهد، فتغيبت عن المحاضرة وقلت لطلابي لن أدرّسكم بعد اليوم، فما كان من عميد المعهد الراحل صلحي الوادي إلا أن خصص لي مكافآت بسيطة كي يعدّل من وضعي ويسندني، لكن هذا لم يكن كافياً لإعانة أسرتي وتربية طفلي سدير الذي لم يكن بعد قد أتم السنتين من عمره».

فترة التسعينيات كانت صعبة على غسان مسعود، وخلالها لم يشتغل إلا في الفيلم الإيراني «المتبقي عام 1994» حيث لعب شخصية الضابط الإسرائيلي عن قصة «عائد إلى حيفا» للأديب الفلسطيني «غسان كنفاني»، لكن ومع نهاية عقد التسعينيات اختاره هيثم حقي لأداء شخصية تشبهه إلى حدٍ كبير في مسلسله «سيرة آل الجلالي» عن نص للسيناريست والروائي خالد خليفة. لعب مسعود شخصية «وحيد الجلالي» الدور الذي يتعرض فيه لمعاناة المسرحيين السوريين وشجونهم، لقد نجح هذه المرة في إثارة الانتباه وعبر التلفزيون إلى هموم النخبة الثقافية المسرحية، فكان لنجاحه في الدراما السورية التي بدأت تأخذ بالانفتاح على الإنتاج الخاص وبزوغ الفضائيات العربية دوراً مهماً في إعادته إلى نجومية الدراما التي غاب عنها ردحاً من الزمن، واستطاع عبر أدائه الحار أن ينقل همومه كرجل مسرح، ويعرّف بتجربته الشخصية من أجل الفن الذي استنزفه لسنوات طوال، ليقدم هذا العام دوره في مسلسل «الفاروق» من إخراج حاتم علي حيث لعب شخصية أبو بكر الصديق ببراعة متناهية وضعته من جديد في مقدمة ممثلي النبرة الخاصة في تجسيد التاريخي بأناقة لافتة، إضافة لدوره المميز في مسلسل «المصابيح الزرق» مع المخرج فهد ميري.

بالعودة إلى المسرح سجل هذا الفنان بصمته الخاصة في صياغة مختبره على الخشبة، ناقلاً معارفه وهواجسه إلى أجيال من عشاق فن المسرح فعام 2000 أعلن مسعود عن عرضه الجديد «كسور» عن نص «الشقيقات الثلاث» لتشيخوف، ليشهد شباك تذاكر مسرح الحمراء حشوداً كبيرة من جمهورٍ كان قد شاهده في آل الجلالي، شخصية اندمج فيها المسرحي بالتلفزيوني، جعلت منه كاهناً مسرحياً بامتياز، نجاح شعر معه أنه أكثر حيوية وإقبال على الكتابة والإخراج للمسرح، ما ساهم في تقديم فرص أخرى له في أعمال درامية عديدة سجل من خلالها حضوراً لائقاً بسمعته الثقافية كرجل آتٍ من عالم البروليتاريا المثقفة.

في الوقت ذاته لم يتخل قيصر المسرح السوري عن عشقه الأول، فقدم أدواراً مسرحية مهمة كان أولها مع تلميذه عبد المنعم عمايري في مسرحيته «صدى» ونال عليها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج، كما لعب شخصية الشاعر بابلو نيرودا في المسرحية التي أعدها الراحل ممدوح عدوان عن نص سكارميتا الشهير «ساعي بريد نيرودا» وأخرجها محمود خضور للمسرح القومي.

كل هذا النجاح الذي أعاده إلى ممثلي الصف الأول في التلفزيون، لم يثنه عن مشروعه المسرحي، لكن وأثناء تحضيره لعرضه «الدبلوماسيون 2003» كان الغيب يدبر مفاجأته الكبرى لهذا الرجل بترشيحه لأداء شخصية الناصر صلاح الدين الأيوبي في فيلم «مملكة السماء» للمخرج ريدلي سكوت، نقلة في المكان لهذا الرجل وضعته في قلب استديوهات هوليوود وأمام أهم مخرجيها بعد أن كان مرشحاً لأداء دور صلاح الدين كل من الممثلين العالميين «شين كونري» و«بن كنجسلي»، هذه الفرصة التي فتحت أبواب السينما العالمية لم تشغله عن مسؤولية تحملها هذا الفنان، فالمال لم يسلخه عن قوس قزح في جبل طرطوس ولا عن مياه دمشق التي شربها، وكذلك هو الأمر مع المسرح الذي أخلص له، ونافح لضرورته كفن يعلي شأن الإنسان واحترامه لذاته، فقدم عرض «عربة ترام اسمها الرغبة عام 2008» عن نص الأميركي تينسي وليامز، محتفلاً بعاصمة بلاده عاصمة للثقافة العربية، ليقدم مؤخراً تجربة جديدة بالشغل على نص قارب من خلاله بين نصي شكسبير «ماكبث وريتشارد الثالث» من إعداد الدكتور رياض عصمت (قدمت كمشروع تخرج لطلاب التمثيل 2011) إضافة إلى شغله على نصه الجديد «جبران يروي والزرقاء ترى» يتعرض فيه لعلاقات المجتمعات الريفية في سورية.

كاريزما آسرة وقدرة غريبة في الصدق والإقناع يعكسها جسده المنحوت ووجهه الطيب الذكي في اللقطات القريبة منها والمتوسطة تجعلك تصدقه عندما يقول لك وبكل صراحة عن حلمه بأداء شخصية المتنبي: «أعتقد أن في داخلي كوكباً آخر، وكثيرةٌ هي الأحلام التي ستموت معي..».