2012/07/04

فرقة كون المسرحية تقدم (جثة على الرصيف) لسعد الله ونوس
فرقة كون المسرحية تقدم (جثة على الرصيف) لسعد الله ونوس


سانا



استطاع الفنان أسامة حلال تقديم قراءة مختلفة ومعاصرة لنص (جثة على الرصيف) للكاتب لسوري الراحل سعد الله ونوس حيث افتتحت فرقة (كون) عروض المسرحية أمس الأول على مسرح الاستعمالات المتعددة في دار الأوبرا السورية بحضور جيد لمتذوقي وعشاق صاحب مقولة (إننا محكومون بالأمل).

وتروي المسرحية التي كتبها الراحل ونوس في المرحلة الأولى من رحلته الإبداعية حكاية أقرب إلى العبث بين شخصيات من قبيل (متسول وجثة وشرطي وسيد) في إطار من اللاجدوى والعدمية وفي محاكاة للمسرح التسجيلي عند المسرحي الألماني بيترفايس الذي جمعته علاقة وثيقة مع صاحب (منمنمات تاريخية) من خلال مساهمة هذا الأخير بمقالاته في المجلة الألمانية المعروفة (مسرح العصر) وعبر قراءات ونوس الأولى لمسرحيات كل من البلغاري يوجين يونسكو والألماني بيسكاتور لاسيما مدرسته التي عرفت فيما بعد بالمسرح السياسي.

وتجسد مسرحية (جثة على الرصيف) عالم الشارع المرعب والمريب من خلال علاقة عدمية بين متسول ينام إلى جانب جثة متسول آخر وبجانب كل منهما جثث لقطط وفئران إضافةً لشخصية الشرطي الذي يفقد أعصابه أمام شخصية أشد حضوراً هي شخصية السيد الذي يعرض على المتسول شراء جثة صديقه من أجل إطعامها لكلبه بعد الكشف عليها بطريقة عديمة الإنسانية مما يدفع بالمتسول إلى عرض نفسه للبيع مقابل مبلغ تافه من المال لنكون أمام ما يشبه عراء كامل تنعدم فيه العلاقات الدرامية التقليدية مقابل صراع نفسي داخلي مصدره الجوهري هو عالم الشخصية المسرحية ومواجهتها لخطر فقدان وجودها.

وعكست فرقة (كون) في قراءتها لنص سعد الله ونوس قدرة عالية على إعداد النص وتحقيقه دراماتورجياً من خلال العمل على فن الإنشاء الدرامي الذي يعتبر الجمهور كائناً جغرافياً وتاريخياً لا يمكن تجاهله في أثناء تناول الأفكار وصياغتها منعتقين في ذلك مما يسميه أنطونان آرتو (الالتصاق الأحمق بالنص) ليكون المتفرج أمام عرض مسرحي من بطولة الممثلين الذين برعوا في استخدام أدواتهم التعبيرية بعيداً عن صيغ التفاصح والتعالي على الجمهور الجالس على كراسي الصالة.

واستطاع أسامة حلال مخرج العرض تقديم قراءة مختلفة لنص سعد الله ونوس من خلال التصعيد النفسي الجماعي لشخصيات العرض واضعاً إياها في مناخات باردة ومعتمة مقارباً بذلك عراء شخصيات مسرح اللامعقول بقدريتها وغرابتها وابتعادها عن التنميط المتبع عادةً في مدارس المسرح الطبيعي والواقعي فلا صراع واضح ولا علاقة سببية بين شخصيات وجدت نفسها مقذوفةً في عراء شبه ضبابي ومحجوب وكتيم تماماً كما هي الحال مع شخصيات صموئيل بيكيت وبيتر هاندكه وأداموف.

واستعار المخرج إضاءته من خلال عالم المناجم السفلي لتحمل كل شخصية من شخصيات العرض فانوساً كهربائياً مثبتاً على رأسها بدرجات إنارة متعددة المستويات ليكون الجمهور أمام هذا النوع من التقتير في الضوء في مواجهة صامتة وحساسة مع أبطال العرض الذين برزوا كممثلين مسرحيين من الطراز الرفيع سواء في استحضار حواراتهم أو مونولوجاتهم الفردية التي ابتعدت بطبيعة الحال عن شكل الحوارات الدرامية التقليدية معززةً بذلك جواً من العبث والأفكار الوجودية المحضة التي لطالما تأثر بها كاتب النص في مقتبل حياته حيث كان يكتب متناسياً فكرة تقديم كتاباته على الخشبة.

وتعتبر مسرحية (جثة على الرصيف) من أوائل النصوص التي كتبها سعد الله ونوس ومن أقصرها إذ تحمل الكثير من رؤى ونوس الأولية حول الحياة ونظرته وفهمه للمسرح مما دفع فرقة (كون) بتحوير النص من الفصحى إلى العامية مشتغلةً على ملء الفجوات داخله من خلال الارتجال واللعب على النص لكن بالرغم من ذلك فإنه يحمل في طياته الكثير من الأمور التي تدفع لاكتشافها وإعادة صياغتها ضمن قالب يتوافق مع روح العصر.

وتتألف شخصيات العرض الرئيسية من (متسول، شرطي، سيد، جثة) عمل عليها أسامة حلال مؤسس ومخرج فرقة كون المسرحية بعد مشاركته في العديد من المهرجانات المسرحية العربية والعالمية وحصوله على جائزة أفضل مخرج عن عرض (الدون كيشوت) في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي عام 2009 وعمله المستمر لتطوير قوالب مسرحية معاصرة اعتمدت على قراءة التراث والنصوص القديمة في سياقات حياتية راهنة كما في شغله في عرضه (علاء الدين والمصباح السحري) الذي اعتمد فيه على أجواء ألف ليلة وليلة.

يذكر أن مسرحية (جثة على الرصيف) من بطولة حسام الشاه بدور(السيد) أسامة تيناوي (المتسول) جلال الطويل (الجثة) وسيم الرحبي (الشرطي) وهي من إعداد عمرو السواح وسينوغرافيا أسامة حلال ويستمر عرضها يومياً عند الساعة الثامنة في دار الأسد للثقافة والفنون وذلك لغاية 17 أيار الجاري.