2012/07/04

قاع وانتظار وسراب.. التراجيديا تهب الدراما خصوبتها
قاع وانتظار وسراب.. التراجيديا تهب الدراما خصوبتها


سوزان الصعبي – تشرين


استطاعت الدراما السورية وعبر كثير من أعمالها أن تنسج حكايات ومشاهد تراجيدية منتشلة من عمق المجتمع وسارحة في الخيال كما يسرح الراعي مع ناياته، فكانت صادقة عميقة كما هو حال الحزن، باقية في الذاكرة كما هي حال الجمال.  المأساة والحزن والشقاء ومترادفات ذلك، هي التي خلدت الكثير من الأعمال الأدبية والفنية العالمية، وهي التي تبقي الدراما قريبة من النفوس، هكذا تعود بنا الذاكرة إلى عدد من المشاهد ذات الجاذبية العابرة للأماكن والأزمان.

في الحلقة الأخيرة من المسلسل الرائع (الانتظار) يتشارك النجوم أيمن رضا وأندريه سكاف وأحمد الأحمد في غناء (يا وابور قول لي رايح على فين) وهي بالأصل لمحمد عبد الوهاب كما نعلم، مختصرين في هذه الدقائق مستقبلاً ماضياً طويلاً من عشوائية الحياة وهشاشتها، شاقين طريقاً عريضاً ممتداً بلا نهاية من الأحزان وليس أقلها الموت الذي غدر بصديقهم (عبود، تيم حسن) وسط فوضى الجهل ولم يصلوا، بل اعتادوا الانتظار والانشطار، وظنوا سذاجتهم بساطة وهروبهم حلاً، حتى الصحفي (وائل، بسام كوسا) شاركهم وحل التهميش، ليأتي في النهاية نحيب وصراخ (باسمة، نسرين طافش) نتيجة طبيعية للضياع الذي يعيشونه. فكانت الحلقتان الأخيرتان كصفحتين لا يمكن للمشاهد إلا أن يرتجف معهما.

في مسلسل( بكرا أحلى) وأيضاً في الحلقة الأخيرة يصر أيمن رضا على أن يثبت تراجيديته الماهرة كما هي كوميديته، وتتقهقر الشخصية التي أداها بعد أحداث متوالية من المأساويات التي تلحق بكل أفراد عائلته وانتهاء بموت زوجته، ليبقى وحيداً ضعيفاً مع أمه، حيث ينكمش أمامها باكياً منتحباً وسط بيتهما الذي بات شبه خاوٍ، وكأن الموت، وكأن الحياة في أي مكان آخر، أكثر احتمالاً لنفسه من أن يقبع في هذا البيت الذي ما عادت فيه زوجته وأخته وقريبه.

وتأخذ التراجيديا شكلاً آخر في مسلسل (ليس سراباً) ونتذكر مشهداً في حلقاته الأخيرة جمع بطلي العمل (كاريس وعباس النوري) في بيت الزوجية المسروق من الواقع الرديء والزمن، فكان لا بد لها من المغادرة بعد ساعات من اللقاء الحرام، وكان عليه أن يترك يدها من عناق يديه ويقول لها بدل أن يحتضنها: روحي بمعنى اذهبي, فمضت نحو باب البيت عبر ممر قصير وراقبها تذهب وكأنها تأخذ سعادته وتؤجل حياته إلى وقت بعيد. عمر من الصمت والحزن والتعاسة تبدى في لحظات، وظهر جلياً في قسمات وجهيهما وابتسامات بالكاد خلقاهما، وكأن فرصتهما بلقاء آخر عابر محض هباء، وكأن الأعراف والأديان والتقاليد وجدت لتدمير السعادة. وبالطبع نتذكر أيضاً تلك المواءمة بين قصيدة (انتظرها أو درس من كاماسوطرة) لمحمود درويش وبين أوقات مظلمة قضاها العاشق انتظاراً لزوجته، متجولاً بين دمشق القديمة العاشقة بالفطرة وبين غرف بيته التي ربما احتفظت برائحة اللقاء الأخير، إلى أن خذلنا هذا العاشق وضعف أمام الموت تاركاً وراءه الرواية وحيدة والمرأة مغضوباً عليها، وكأنه استنفد كل نصائح الشاعر درويش.  وفي الحلقة الأخيرة من (زمن العار) وبعد أن تعبت (بثينة، سلاف معمار) من الهروب والوحدة والذنب الذي ساقها إليه تعطشها للحب والاهتمام، وبعد أن تتشرد وتحرم من بيتها وأخوتها وما يراه المجتمع شرفاً، تعود إلى أبيها المريض لتعيش في البيت دائماً ولتخدمه كما كانت سابقاًً، فاصمة عرا وعدها لرجل أحبها بالزواج منه، فيأتي(بسام كوسا) متسائلاً، وتتركه وحيداً في غرفة الاستقبال إثر سماعها والدها يناديها، ويخرج الرجل من البيت مغلقاً الباب خلفه على حياتها المغلقة أصلاً وعلى أحلامها المقهورة والتي لا تتعدى أن تكون أنثى وزوجة.

أيضاً تكثف الحلقة الأخيرة من (قاع المدينة) وعبر الشخصية التي أدتها (ديمة قندلفت) حياة متشعبة موحلة كالحي الذي تسكنه، إذ يقودها بخل أبيها ورغبتها الجامحة بالتساوي مع الآخرين بل والظهور بأجمل ما يمكن، إلى التخبط والتسلق على حبال الرذيلة فتجني المال، لكنها أخيراً تبعثر القطع النقدية وترميها على الأرض الموحلة بعد أن كاد فيض المياه في الحي المفتقر للخدمات الصحية يودي بحياة ابنة أختها الرضيعة. هنا تصرخ البطلة وتلمع عيناها تحدياً كبر كما كبر الحزن، وترمي بالمال وبالقهر المتأصل داخلها والذي سببه والدها وحيها ومجتمعها وطريقتها الخاطئة في النهوض.

بالتأكيد كان نجومنا أهلاً لهذه المشاهد المترعة بالشجن والبؤس والعواطف العميقة، وكان مخرجونا في أشد الروعة والمهنية حين صمموا هذه المشاهد على قياس البقاء، وكل الشكر للجنود الأولين، للكتاّب.