2012/07/04

قبضاي الأبيض والأسود وجهاً لوجه مع قبضايات الملون
قبضاي الأبيض والأسود وجهاً لوجه مع قبضايات الملون

سامر محمد إسماعيل

يقترب الفنان ناجي جبر من نموذجه الفني «أبو عنتر» لا كمطابقة بين الفنان والشخصية التي أداها في

الكثير من الأعمال الدرامية، بل من فكرة الأيقونة التي استطاع هذا الفنان أن يبدعها، من دفاعه عن

الشخصية النمطية كأسلوب فني راقٍ؛ ومن هذا الأثر العميق الذي تركه عند مشاهديه على مدى أكثر

من ثلاثين عاماً، إذ استطاعت شخصية «أبو عنتر» أن تحفر في ذاكرة الكثيرين عبر تحول هذا الموديل

النفسي الجسدي كمحاكاة للبطل الشعبي المحبب، فهو بطل ليس بالمقاييس الجديدة في

مسلسلات الحارة الدمشقية، بل تكمن بطولته في هذه السخرية الدفينة التي أضمرها كاركتر «أبو

العناتر» من صورة البطل نفسه، ثم عن أي بطل نتحدث هنا؟ البطل في صيغته الدرامية المعاصرة

لايشبه لا من قريب ولا من بعيد ما قدمه الفنان جبر، بل هو على طرفي نقيض مما تحاول اليوم دراما

البيئة الشامية تكريسه عملاً إثر آخر، فجبر كان يعرف أن وصفته التي قدمها في «صح النوم» و«ملح

وسكر» و«مقالب غوار» ليست وصفة سطحية لسوبرمان تقليدي، بل هي محاكاة ساخرة من آخر فتوّات

الحارات القديمة، هو خروج فني إبداعي عن عناصر الواقع، إلى كيمياء شخصية بالغة التركيب على

البساطة التي تظهرها في تصرفاتها وسلوكها أمام الكاميرا، فإذا ما أعدنا التأمل في ردود أفعال هذه

الشخصية النمطية سنتعرف أكثر على مقاييس عالية الجودة في صناعة الأيقونة، وسنعرف أيضاً لماذا

جعلت شخصية «أبو عنتر» من صاحبها فناناً لاينسى في ذاكرة المشاهد المحلي والعربي على حدٍ سواء. ‏

إن إنجاز الفنان «ناجي جبر» يكمن في قدرته الفنية على تغيير صور جاهزة في مخيلة المشاهد، حيث

ترافقت أعمال كل من الفنانين دريد لحام ونهاد قلعي مع نهضة اجتماعية في سورية كان عليها أولاً

الإجهاز على بقايا المظاهر الفردية الخاطئة المترسبة من مخلفات الحارات المغلقة، فهاهي المدينة

تنتعش بجامعاتها ومحالها التجارية ومسارحها وقاعاتها السينمائية، وهاهو التلفزيون يأخذ دوراً جدياً

وحاسماً في صناعة الرأي العام وفي توعية وتنوير المشاهدين الجدد، وفي كل هذا يجب على الدراما

الجديدة أن تجد لها موطئ قدم في الفهم الاجتماعي الجديد، هذا الفهم المبني أساساً على التخلص

من مفاهيم رسختها سنوات طويلة من الحميّة الفارغة، ولهذا وجد ناجي جبر تلك الصيغة التي قدمها

بدقة بالغة مع فنانين كبار، ليتمكن من بلوغ مآربه الإبداعية وبحساسية نفذت إلى قلوب جمهوره دون

استئذان، لقد كان جبر يعرف أنه يقدم ما توقعه الجمهور الجديد منه بعد بدايات متلعثمة من التلفزيون

السوري منذ انطلاقته عام 1960 وبجهود جبارة أُكنُّ لها بالغ الاحترام والتقدير، لكن الوقت كان مبكراً على

بزوغ إشراقات فنية قادرة على معرفة الحاجات الجديدة لمشاهد لم تتبلور لديه بعد قيم المشاهدة التلفزيونية الجديدة، ليأتي الفنان «

جبر» ورفاقه مع مطلع سبعينيات القرن الفائت بنموذجه الأغلى على قلوب الكثيرين من عشاق فنه

الرفيع، وكان هذه المرة «أبو عنتر» بثيابه الرثة وعضلاته المفتولة وشاربيه المبرومين وبجملة منقوشة على زنده مفادها «باطل مع جمجمة وعظمتين». ‏

هكذا بدأ الفنان السوري توصيف سيمياء الشخصية مقترباً من حساسية اجتماعية غاية في الصميمية

من مشاهد تلك الأيام، لكن بحذر وبمقادير دقيقة اختبر الفنان نموذجه، قاربه، وهيمن على أدواته، لكنه

في الوقت نفسه صنع ما يريده، فلم يكن القبضاي هنا سوى صورة ساخرة من قبضاي أصلي في ذهن

الجمهور، قبضاي لم يجد أحداً يصدقه بعد هدم الجدران التي كانت تظلله، قبضاي قادر على نمذجة

موديل آخر من البطولة غير الاعتيادية، لم يلجأ جبر إلى مسخ صورة القبضاي بل أعمل في مبالغاته

الشكلية والنفسية، رجل تملأ نفسه النخوة والشهامة، ولا ينقصه الذكاء، لكنه كان مرحاً صانعاً للضحك،

يهدد بـ«شبريته» وهو يعلم أنه لن يستعملها، يقف إلى جانب رفيقه «غوار» ويتورط في أحابيله ضد

«حسني البورظان» دون أن يعني ذلك شراً، بل كان تماهياً عضوياً مع رغبة الفنان في تهشيم صورة

نمطية أخرى أكثر استشراء عند المشاهد العربي عن طريق اللعب، فبالكوميديا نستطيع تخطي كل

شيء، الكوميديا هنا تكتسب خطورتها البالغة في نزع وتحطيم المفاهيم البالية عن النفس الإنسانية والمجتمع في آنٍ معاً وفي فضح التزوير للقيم منتهية الصلاحية. ‏

لا يمكن لأحد ألا يصدق ناجي جبر وهو يتمادى في تصديق نفسه، لا يمكن أن نصدق أن «أبو عنتر» هو

ليس ناجي جبر، وهذا مرده إلى صدق هذا الفنان وتفانيه في إبرام كل شيء من أجل نجاحه، حيث بدا

ومنذ أوائل ظهوره على الشاشة الفضية أنه يمتلك أدوات إقناعية مذهلة، كما يمتلك سليقة فريدة في

محاكاته الساخرة تلك، فأبو عنتر ليس شريراً، ليس «أحد عشرياً» وليس «نمساً» أو «عكيداً» إنه هو ذاته من أغار مع رفيقه غوار على ثلاجة «أم ياسين- سامية الجزائري»

ليلتهم بيضاً نيئاً وبطيخاً، إنه نفسه المقتنع بضرورة الفن والموسيقا والسينما في «وين الغلط» هل

نصدق؟ أجل صدقوا هذا هو ناجي جبر يمرر مفاهيم تنويرية من خلال شخصية قبضاي الحارة، يمضي نصف أيامه في زنزانة «ابو كلبشة»

فيدخل ويخرج منها وإليها كلما اقتضت الحاجة من أجل تنفيذ مقلب جديد مع «غوار الطوشة» إنه هو

عندما يهز أكتافه ويرقّصُها مع «دياب مشهور» وهو أيضاً عندما يعمل في تصليح تلفزيون «ياسينو- الفنان

ياسين بقوش» هو أبو عنتر الذي لا يقبل «الزاحلة» معبراً بجملته الشهيرة «مالك فاكهية ولا استمزمز»

أي الفكاهة، الطعم، النكهة، كل ذلك أداره دون أن تظهر ضربات إزميله على جسد منحوتته التي سماها

«أبو عنتر» كل ذلك تشربه بهدوء كبهلوانات خبيرة بدقة الحبل التي تمشي عليه دون أن يقع ولا مرة،

حتى عندما غيّر اسم منحوتته بـ«سيفو» في «أيام شامية» راهن على قلي البيض ليلاً في مقبرة،

طفولة لم يفهمها الكثيرون ممن اشتغلوا معه، لكن هذا الفنان كان يعرف ببديهته السليمة أن ما يجب

تقديمه ليس البطولة الفردية المطلقة، بل هي السخرية المريرة الصادمة منها، ولذلك في ختام

مسلسل «مقالب غوار» يتخلى أبو عنتر عن صديقه عندما يعرف أن الغوريلا التي تهاجم الناس في حارة «كل مين إيدو إلو» ليست تمثيلاً، وذلك بعد أن كان أبو عنتر من يدير اللعبة مع «

غوار» من أجل حياكة المقالب بأهل الحارة، هو ليس قبضاياً كما يظن الجميع، ولا يستطيع كسوبرمان

التصدي لمثل هذا الوحش، لكن وبعد مواجهة بين غوار والغوريلا يكتشف أن شخصاً آخر التقط اللعبة وبدأ

بتنفيذها في أهل الحارة؛ ينبري أبو عنتر للدفاع عن صديقه غوار ليبعده هذا الأخير بخيبة أمل، هذا ما

أراد «جبر» إيصاله إلى الجمهور في كشفه غير المعلن عن زيف البطولة الجسمانية التقليدية، وتدميره

لها ككيان ذكوري فيه من الرعونة الكثير، ومن الشهامة القليل والنادر، وهذا أيضاً ما تعود إليه الدراما

الشامية من خلال إعادة الهيبة للعصبيات المناطقية، للحارات المغلقة، للأعضاوات والعكيد، هذه النماذج

التي نجح الفنان جبر في تدميرها عبر الكوميديا بأناقة قل نظيرها، للأسف تعيد اليوم مجدها الغابر،

فبينما تمكن أبو عنتر قبضاي الأبيض والأسود من تهشيم رأس آخر رموز البلطجة الغابرة، تعود اليوم

قبضايات الملون لتدبيج قيم غاربة بحجة الاحتفاء بالفلكلور والانتصار للصورة العضلية الجاهلة والأمية،

علماً أن قبضايات الملون يصرون على استخدام «شبرياتهم» بشكل واقعي للغاية، أما قبضاي الأبيض

والأسود فلم يستخدمها إلا لفتح المعلبات هازئاً بكل سكاكين العراضات الصدئة