2015/03/05

في مشهد من مسرحيّة «صانع المطر» العام 1993 (أرشيف «السفير»)
في مشهد من مسرحيّة «صانع المطر» العام 1993 (أرشيف «السفير»)

السفير - رامي كوسا

هرج الصّالة ومرجها يعكس بهجةَ جمهورٍ ضرب موعداً مسبقاً مع الضّحك. تُطلّ صباح السّالم من الكواليس، تقف وحيدةً في منتصف الخشبة، تعرّف بأعضاء فرقة «مسرح الشّوك». يجيء اسم دريد لحام في نهاية القائمة فيطول تصفيق الحاضرين، لتتركهم مقدّمة الحفل على موعدٍ مع كلمة الافتتاح، يُلقيها عليهم «غوّار الطّوشة». وما إن يهمّ الأخير بتحيّة الجمهور حتّى يصدح صوت أحدهم من بين النّاس قائلاً «قُم ناجِ جِلَّق وانشد رسم من بانوا... مَشت على الرّسم أحداثٌ وأزمانُ»، فيصفّق الحاضرون مجدداً، يُصفّقون كثيراً. ربما يكون أمير الشّعراء أحمد شوقي راضياً على هذه المُعترضة الشّعرية، فقائلها كان الحلبيّ الجميل عمر حجو.


ارتبط اسم عمر حجو (1931 ــ 2015) بـ«مسرح الشّوك»، فهو مؤسّسه الأوّل، وصاحب التّجربة البكر التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي. ولـ «مسرح الشّوك» من اسمه نصيب، فهو الواخز النّاقد المتحدّث بصوت النّاس، وهو المشاغب المشاكس الباحث عن الأفضل. ولأنّ شموليّة النجم كانت سائدةً في تلك الحقبة من عمر الفنّ السّوري، فقد صار اسم عمر حجو جزءاً من جوقةٍ ضمّت أسماء بقيمة صباح الجزائري، وحسام تحسين بك، والرّاحلين ناجي جبر، ومحمد الشّيخ نجيب. استطاع هؤلاء أن يحجزوا لأنفسهم متسعاً في مربّعات الضّوء، وصاروا نجوماً لهم حظوة في قلوب السّوريين، لكنّ تعويم فكرة النّجم الأوحد جعل بريقهم يخفت لصالح القطع السوري النادر، والحديث هنا عن الفنّان دريد لحام.


حين نذكر «غوّار الطّوشة»، و«حسني البورظان»، و«أبو عنتر»، و «أبو صيّاح»، و «ياسين بقّوش»، و«بدري أبو كلبشة»، لن نستطيع استحضار شخصيّةٍ بعينها لنربطها باسم عمر حجو. فالأخير كان متبايناً عن أبناء جيله، وصاحب رؤيةٍ مختلفةٍ لفنّ الممثل. فقد حرص على أن يُسجّل حضوره العفوي ضمن معادلة المدرسة الكلاسيكية في التّمثيل: «كن حقيقياً، كُن كما أنت، صدّق نفسك، فيُصدّقك المُشاهد». هكذا بدأ عمر حجو، رفيقاً للنّاس وقريباً منهم، وهكذا جاءت الخواتيم، فذاكرتنا غير الأصيلة التي تبكي المبدعين بعد غيابهم فقط، لن تنسى دموع «أبو عبدو» في مسلسل «سنعود بعد قليل» (2013، تأليف رافي وهبي وإخراج الليث عمر حجو)، ذاك الرجل الثمانيني الذي بكى فراق ولده فجاء الدّمع سورياً، وجاءت الوصيّة بأن لا تفقدوا ابناً أو وطناً يعادله، سوريّةً أيضاً.
أشقياءٌ يا رجال المسرح، ومُتعَبون يا من بقيتم أوفياء للخشبة السورية التي اصطفت جمهورها واختارت النّخبة فطردت المساكين من بيتها وتجاهلت بعضاً من إرث المؤسّسين، ومنهم عمر حجو. ترجّل الراحل عن حصانِ المسرح العام 2011، فكانت مسرحيّة «السّقوط» الّتي قدّمها، رفقة دريد لحام، على خشبة «مسرح قطر الوطنيّ» محطّة الختام في دربٍ لم يكن فقيراً بالعمل التلفزيونيّ الّذي احتفى بآخر ظهور لحجو في مسلسل «الينابيع الزّرقاء» العام 2014 (تأليف نور الدين الهاشمي وإخراج غازي ابراهيم).


وبرحيله، من الضروريّ الاعتراف بأنّ لعمر حجو دَيْناً في رقبة المسرح، وأنّ للمسرح دَيْناً على الشّعوب، وأنّنا لم نحتف بالجنديّ المعلوم/ المجهول كما يجب، وأنّنا حزانى لغياب الجسد، وأنّنا آسفون لأنّ الدروب إلى مسقط الرأس والقلب في حلب مغلقةٌ مقفلة. فحسبُ عمر أن يوارى جسده في الثّرى في دمشق، ويظلّ اسمه حيّاً حياة أعماله، فنهمس له كلّما شاهدنا واحدةً منها: قُم ناجِ جِلَّق يا عمر.