2013/05/29

محللون دجالون يروجون للخيانة باعتبارها وجهة نظر!!
محللون دجالون يروجون للخيانة باعتبارها وجهة نظر!!


سامر محمد إسماعيل – تشرين

إنهم يتكاثرون بسرعة هائلة على الشاشات، يوزعون آراءهم العاجلة ويثوّرون مواقف ضد مواقف أخرى، يصرخون ويتقاذفون الشتائم ويتبادلون تهم الخيانة والعمالة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق في خدمة البترودولار،

وربما وصلت بهم الحكاية إلى حد الاشتباك بالأيدي على الهواء مباشرة، كما حدث ويحدث دائماً على شاشة «الجزيرة» القطرية ولاسيما في برنامجها «الاتجاه المعاكس» الذي يعد بحق منتج هذا النوع من الظواهر التي تبين بجلاء شراء النخب وتربيتها كصناعة من الصناعات الثقيلة التي يتم عبرها التسويغ للخيانة كوجهة نظر. هكذا نجح إعلام النفط في تصنيع "نُخب" تلفزيونية جديدة ميدانها الرئيس حلبات بصرية مفتوحة على مدار الساعة، ليكون المُشاهد في هذه الأثناء رهن رأي هذا المحلل أو ميول ذاك، من دون البحث عن أهلية حقيقية لعشرات البرامج التي توّظف آراء هؤلاء المحللين في مصلحة دعم فرضية الأجندة الخاصة بهذه الفضائية أو تلك، لنصل في النهاية إلى ما يشبه «كباش تلفزيوني» أو حرب تلفزيونات لا صلة لها بموضوعية التفكير أو التحليل المنطقي للأحداث، بقدر ما يهمها في النهاية تغليب رأي على آخر مهما كلّف ذلك من افتراءات وتزوير في الحقائق وليّ لعنق المعلومة. العدد المتزايد للمحللين السياسيين باطراد على شاشات الفضائيات العربية هو ظاهرة تستحق الوقوف عندها، ولاسيما أن هؤلاء باتوا يساهمون اليوم في صياغة الرأي العام العربي عبر ما يقدمونه من معلومات عن موقف سياسي أو اقتصادي من هذه الدولة أو تلك، أو حتى عبر ما يقومون به من تسريب معلومات عن لقاءات أو طبخات سياسية في الكواليس، أو مناورات وضربات عسكرية محتملة شرقاً وغرباً في منطقة عربية ما فتئت تهتز على صفيحٍ ساخن، ولاسيما بعد اندلاع شرارة ما سموه «ربيعاً عربياً» مع حادثة استغلها إعلام فتاوى القتل بإحراق بائع خضار تونسي لنفسه في ولاية سيدي بوزيد ربيع 2011 الماضي. من هنا أفرزت التلفزة النفطية ما يشبه نُخباً جديدة قوامها جيش من المحللين في مختلف الاختصاصات والاتجاهات، يبدو ذلك جلياً اليوم مع اقتراب الأزمة السورية من إكمال عامها الثاني، فلا أحد يستطيع إنكار دور المحللين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين ومن لفَّ لفّهم في تحشيد الآراء السياسية ودعمها، حيث سنجد في مقدمة هؤلاء «عزمي بشارة» في مقطع فيديو تم نشره على اليوتيوب من برنامج «في العمق» يظهر فيه بشارة أثناء الاستراحة، طالباً ـ تحت الهواء ـ من المذيع السعودي علي الظفيري عدم ذكر الأردن في البرنامج والتركيز على سورية حيث اشتهرت كلمة هذا الظفيري وقتها لضيفه عضو الكنيست الإسرائيلي السابق: «بيّض صفحة المؤسسة». من هنا يمكن الحديث اليوم عن عشرات الجبهات المفتوحة بين محللين من كل الأنواع، وبصفات ما أنزل الله بها من سلطان على نحو: «خبير في الشؤون الحربية، مدير مركز استراتيجي، مستشار عسكري، محلل اقتصادي، ناشط حقوقي» ... إلخ.

المشكلة اليوم أن الكثير من هؤلاء المحللين يتقاضون أجوراً عالية لقاء ظهورهم في البرامج الحوارية الساخنة، إذ باتوا يشكلون اليد الطولى لتكريس سياسة القناة التي يتكلمون من على منبرها، منتمين بقوة إلى بروباغاندا النفط الجاهل، ولاسيما عندما تلجأ مثل هذه القنوات الكبرى لاستضافة العديد من هؤلاء من مشرب سياسي متقارب، متجاهلةً رأي محللين من الضفة الأخرى، والغريب أن مثل هذه الفضائيات ما زالت ترفع شعار «الرأي والرأي الآخر» أو شعار «أن تعرف أكثر» فيما بات المشاهد يتوقع ضيوف هذا البرنامج أو ذاك، والأغرب أنه حفظ عن ظهر قلب كل ما سيقولونه نتيجة التكرار الهائل للرسالة الإعلامية الخاصة بالمحطة، واستنفاد فرص الإشباع الإعلامي الذي وصل مؤخراً حد التخمة، ولاسيما أن هذا النوع من النخب لا يمكن الركون لآرائه فكما يقول عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيير بورديو فإن «التلفزيون يبحث دائماً عن مفكرين على السريع» متسائلاً : «ما الذي يدفع هؤلاء للتفكير تحت ضغط الزمن التلفزيوني والمساحة الضيقة المعطاة لهم بين غابة من البرامج وفقرات الأخبار والإعلان، سوى تلك الرغبة العارمة لحب الظهور فانخداع المفكر التلفزيوني بسطوة التلفاز وسعة انتشاره تجعله زبوناً رخيصاً ومُرحباً به» ولاسيما على الفضائيات النفطية شريطة أن يدعم السياسة التحريرية للمحطة بكل أنواع الدجل والشعوذة الإعلامية وتسويغ ما لا يمكن تسويغه!