2013/05/29

محمد عساف والإعدام
محمد عساف والإعدام


فجر يعقوب – الحياة


لم يكن ممكناً اكتمال قوس الغناء من حول المغني الفلسطيني الشاب محمد عساف الجمعة الماضي إلا بحضور والديه من مدينة غزة لبرنامج «أراب أيدول» في مدينة بيروت. قد لا يبدو مهماً الحديث عن البرنامج والمتسابقين والمتسابقات من هذه الزاوية، فثمة تفاصيل أخرى يمكن الكتابة عنها: كنتاكي أحلام مثلاً، وغناء الشابة الكردية برواس لأم كلثوم، وحضور «الكينغ» محمد منير.

لكنّ الشاب الفلسطيني الذي يبدو في وضع جيد بين المتسابقين تكمن مشكلته الحقيقية في غزة، وليس في برنامج «أراب أيدول» بالتحديد. التقديرات والمعطيات تسمح بالتكهن بفوزه. ولكن كما بدأت قصته بالخروج من غزة ووصوله متأخراً إلى جلسات «الكاستينغ» يوماً كاملاً وجلوسه أمام باب الفندق حتى تسمح له اللجنة بالمشاركة، فإن عودته إلى غزة قد تأخذ وقتاً أطول، وقد يتجول مطولاً بين عواصم عدة حتى يجد مكانه الجديد، فحكومة «حماس» المقالة في غزة تتهدد وتتوعد، حتى أنها طلبت إلى مفارزها البوليسية نزع صوره عن سيارات المعجبين والمعجبات، وطالبته بالانسحاب من البرنامج إن أراد العودة إلى مسقط رأسه.

قد تبدو الأمور بحاجة الى بعض الإيضاحات طالما أنها تبدو غامضة، كمثل غزة نفسها، التي تتزنر بمجموعة من التعليمات الصارمة التي تنتهجها حكومة «حماس» لجهة التعليم المختلط واللباس الشرعي. تصريحات الحكومة المقالة أخذت منحى متشدداً بعد غزو ظاهرة محمد عساف للمجتمع في غزة، ما حدا بوزير داخليتها إلى الحديث عن إجراءات تكافح تدنّي منسوب الرجولة في هذا المكان الأكثر اكتظاظاً في العالم على الاطلاق.

لم يعد ممكناً التصالح مع هذه الفكرة. لا أحد يفقه إلى أين تسير أحوال مجتمع غزة بعد التصريح عن مـــنسوب الرجولة الآنف الذكر. يبدو أنه مصطلح من كوكب آخر لم يعهده الفلسطينيون. وليس محمد عساف من سيهدد هذا المنسوب، سواء أعجبت فيه الفتيات أو الفتيان على حد سواء.

الغناء وسيلة للعيش والحرية والتخفيف من قسوة الحياة، وقد ينتج عساف ظاهرة للتمرد، ليس على منسوب الرجولة الغامض فحسب، فمن حقه أن يغني، وأن يشدو بصوته، ومن حقه على جمهوره في غزة أن ينصت إليه، ليس بسبب الهوية والانتماء، وليس بسبب الحيّز الذي تمنحه إياه سلطة وسطوة برنامج «أراب أيدول» التلفزيوني، وسلطة الجمهور «غير المتبلور»... بل ربما بسبب «الوقت الدنيوي» الذي يمنحه صوته لجمهوره. من حقه أن يغني، ومن حق جمهوره أن يذهب به بعيداً، فالصورة من حوله قاتمة. الصورة الأخرى على الشاطئ لا تمنحه حرية الآخر وفق منسوب الرجولة المفبرك الذي يتحدثون عنه في غزة، فالجمهور يطارده في الحالتين، وتطارده أشباح السياسة وضحايا الخذلان على الضفتين. وكما هناك اعدام في غرف الغاز وإعدام بالرصاص والكرسي الكهربائي، فإن هناك من يُشنق الآن من دون محاكمة بحبال مصطلح غامض.