2012/07/04

مهزلة دبلجة الأفلام الأجنبية
مهزلة دبلجة الأفلام الأجنبية

محمد منصور – القدس العربي لا أدري أية ذائقة وتصور يتحكم بالقائمين على قناة (إم. بي. سي ماكس) حتى يشجعوا دبلجة الأفلام الأجنبية على هذا النحو الذي يشكل اعتداء على خصوصية الفيلم الاجتماعية والبيئية والثقافية. فقد دأبت مجموعة (إم. بي. سي) على تشجيع مشروع دبلجة الأفلام الأجنبية إلى غير لهجة محكية عربية، بعد نجاح دبلجة المسلسلات التركية إلى العامية السورية... فراحت تتعاقد مع شركات الإنتاج الفني لدبلجة الأفلام الهندية إلى اللهجة الخليجية، على اعتبار أن العمالة الهندية التي تملأ الخليج قد خلقت مؤثرات لغوية في اللهجة الخليجية... فيما تولت الشركات السورية دبلجة الأفلام الأمريكية إلى العامية السورية مستخدمة المسطرة التركية في القياس والإقناع... لكن ما بدا معقولا ومتقارباً مع البيئة والدين والجوار والعوامل الثقافية المشتركة في دبلجة المسلسلات التركية، لم يكن كذلك بالنسبة للأفلام الهندية والأمريكية... فقد جاءت الدبلجة هنا، أشبه بالتعريب القسري، لا الدبلجة القائمة على احترام ثقافة الآخر، ومحاولة نقل محتواها مترجماً إلى لغتنا... ومن الغريب فعلاً أن القائمين على دبلجة هذه الأعمال يبذلون جهوداً كبيرة في محاولة تقديمها وكأنها قصة تجري في حي العليا بالرياض أو على شاطئ ذهبان في جدة... بالنسبة للأفلام الهندية المدبلجة للخليجية، فيما يشعر المشاهد للأفلام الأمريكية أن شخوصها خرجوا من حي المالكي أو أبي رمانة بدمشق، ونقلوا بطريق الخطأ كي يمثلوا فيلماً في كاليفورنيا أو شيكاغو، دون أن ينسوا أن يستعينوا ببعض الشخصيات التي تتكلم لغة حي عش الورور، أو تسعى لتنفيذ جريمة سرقة في الصبورة.. أو الاستيلاء على فيلا غاب عنها أصحابها في بلودان! الاستغراق في محلية اللغة المدبلجة يشكل عيباً صارخاً في هذه التجارب... ففي الأفلام الهندية، تبدو المفردات المحلية الخليجية ذات وقع مضحك، تخرج المتلقي العربي الذي تتوجه له عملية الدبلجة من أجواء الميلودراما إلى حالة الكوميديا المبنية على مفارقات اللغة المضحكة التي تحيلنا باستمرار إلى بيئة لا علاقة لها بمفاهيم وشبكة علاقات المجتمع الهندي ذي الخصوصية البالغة... وفي الأفلام الأمريكية، تبدو مفردات العامية الشامية من قبيل (يا الله شو مهضومين... شو كرابيج) و(ماني رايقلك اليوم) و(حل عن رقبتي) ناهيك عن استخدام أمثال شعبية دمشقية بعيدة كل البعد عن نمط التفكير الغربي، واستخدام أغنيات فيروز كـ(أنا لحبيبي وحبيبي إلي) لتترنم بها بعض الشخصيات في تلك الأفلام، وهي تستلقي على المرج الأخضر... ليبدو كل هذا ذا أثر تغريبي أو (تشريقي) إن صح التعبير، يبعدك عن أجواء الصورة، وبنية الحدث... ويحول الفيلم برمته إلى حكاية وأحداث، وليس عالماً قائماً من منظومة التفكير ونمط الحياة وطبيعة القضايا الحياتية والاجتماعية والإنسانية التي تحتملها بيئة بعيدة كل البعد عما تقوله هذه اللغة القادمة من صميم الشرق. أجل... تبدو دبلجة الأفلام الأجنبية إلى أي محكية عربية سواء أكانت سورية أم خليجية أم لبنانية أو مصرية، شبيهة بمحاولات تعريب قصص الأطفال خوفاً من تسرب مؤثرات ثقافة مختلفة تبدو لنا دائماً (حالة غزو) وهكذا فنحن نرد هذا الغزو الآن، بتحويل الفيلم الأجنبي إلى منطوق عربي شعبي...نردح فيه بلغتنا، وننفعل على طريقتنا، ونغير فيه حتى الأغنيات التي تترنم بها تلك الشخصيات التي تبدو صورتها في واد ولغتها في واد.. ومن المؤسف أن أعمال الدوبلاج يقوم بها ممثلون درجة ثالثة ورابعة عموماً من الذين لا يجدون فرصاً جيدة في العمل الفني، فتبدو صورة الأداء الأجنبي المتطور، مختلفة عن صورة الأداء اللغوي المفتعل... وهي المشكلة التي نراها في الأعمال المدبلجة إلى اللهجة الخليجية، حيث تتسع المسافة بين تواضع حرفية المدبلج، ومهنية الممثل الأصل المؤدي! في النهاية... لسنا ضد الدبلجة كفن معروف في ترجمة الأعمال الفنية والوثائقية في مشارق الأرض ومغاربها... لكن للدبلجة أصولا تقوم على استخدام لغة حيادية بعيدة عن الخصوصية البيئية للغة التي نترجم لها... وأذكر على سبيل المثال هنا، أن الأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا، أشرف على ترجمة حوار فيلم (عمر المختار) للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد إلى العربية من أجل دبلجته إلى العربية الفصحى قبل عرضه في العالم العربي... فجاءت لغة هذه الدبلجة تعبر عن طبيعة الشخصيات وعن سويتها... فالشخصيات الإيطالية في الفيلم كانت تتحدث وفق آلية تفكير مختلفة تماماً عن الشخصيات العربية وعن أسلوب تعبيرها أيضاً... وهكذا فالمطلوب أولاً الأمانة في نقل روح الفيلم وبيئته من خلال لغة تترجم ولا تحوّر وتختلق... وتنقل لغة الآخر من أجل تذوق اختلاف مفاهيمها وثقافتها، وليس من أجل تعريب مضمونها وأسلوب تعبيرها وطريقة انفعال أصحابها... فاللغة جزء من بناء أي عمل فني، وهدفها ليس التوصيل فقط، أو رواية الأحداث فحسب... بل هي تعبير عن نمط تفكير وأسلوب حياة، وجماليات بناء حوار ينقل الحساسية الدرامية، وخلق مستوى تعبير.. ويبدو أن كل هذه المعايير والمعطيات بعيدة كل البعد عن فهم القائمين على عمليات تشويه هذه الأفلام لغوياً تحت ستار (الدبلجة) فالمهم بالنسبة لهم، هي رواية حكاية الفيلم... ولكن بطريقتنا ولغتنا... أوليس هذا العمل الذي اشترينا حقوق دبلجته أضحى (تبعنا) وموجها لمتفرجنا؟! فلماذا نعبأ بما كان عليه في الأصل؟!