2012/07/04

نجومية أولى لم تكتمل
نجومية أولى لم تكتمل

بسام سفر – تشرين دراما

أسست الدراما البيئة الشامية في بداياتها إلى مشروع فني يقوم على هذه البيئة، وحقق العديد من العاملين في هذا المشروع شهرة فنية عالية لا تنسى. وإذا كانت البدايات الإذاعية معروفة وذكرت في أكثر من مقال في هذا الملف، فان الشهرة الفنية الكوميدية في العالم العربي للثنائي دريد ونهاد قامت على أساس هذه البيئة، إضافة إلى المخرج القدير خلدون المالح. وطالت الشهرة الفنية نجوم الحارة الفنية التي صنعها الثلاثي «دريد ونهاد وخلدون» ومنهم الفنانون «عبد اللطيف فتحي، أبو كلبشة، رفيق سبيعي، أبو صياح، محمد الشماط، أبو رياح، ومحمد العقاد، أبو كاسم، ونجاح حفيظ، فطوم حيص بيص، عبد الله النشواني، أبو شاكر، ياسين بقوش ياسينو، زياد مولوي، عبدو، ناجي جبر، أبو عنتر» لكن نجوم هذه الحارة لم يستطيعوا الوصول إلى ادوار بطولة مطلقة خارج أعمال الثنائي دريد ونهاد لان في أعمال الحارة الشامية يعمل كل منهم في مكانه الطبيعي المحدد سلفاً من قبل الكادر الأساسي الفني حتى في كتابة الأعمال الدرامية، الفنان الوحيد الذي تخطى حاجز الحارة هو الفنان رفيق سبيعي «أبو صياح»، وذلك يعود لأسباب أخرى مختلفة، إذ ساعد الفنان السبيعي «الغناء والصوت الجميل الذي فتح أبواباً إضافية أمامه.. الخ» وهناك أسباب أخرى. بينما في حالة فناننا الراحل ناجي جبر لم يستطع تجاوز شخصية «أبو عنتر»

لفترات زمنية طويلة وبقيت الشخصية المحببة والأثيرة لديه، ودفعها إلى أماكن أخرى خارج الحارة حيث وظفت هذه الشخصية في السينما في العديد من الأفلام المذكورة في مقال آخر في الملف، بمساعدة الثلاثي والثنائي الفني الذي يعمل معه الفنان جبر. لكن الفنان ناجي بقراره الشخصي والذاتي جداً دفع هذه الشخصية الفنية «أبو عنتر» إلى المسرح، إذ أسس فرقة مسرحية تقوم على هذه الشخصية وكتبت أعمالاً درامية إذاعية وتلفزيونية لهذه الشخصية، رغم أن الفنان جبر عمل في أكثر من عمل فني، إذ جسد شخصية رجل الأعمال المستهتر في «أسير الانتقام» مع المخرج سمير حسين، كذلك شخصية ضابط امن في العمل الدرامي «غزلان في غابة ذئاب» مع المخرجة رشا شربتجي. وأيضاً في السينما قدم أدواراً بعيدة عن شخصية «أبو عنتر». لكن العامل الأساسي الذي لم يجعل هذه الشخصية قابلة للحياة طويلاً ان الكاتب الأساس لكل فريق «دريد ونهاد» هو الراحل نهاد قلعي، وكل من حاول الكتابة بعده لهذا الفريق لم ينجح في كتابة دراما الحارة الشامية لهذا الفريق. ويكتب للراحل نهاد قلعي انه اقلع بهذا الفريق خارج إطار دراما الحارة الشامية التلفزيونية، وصولاً إلى قضايا سينمائية معاصرة لكن الآخرين لم يستطيعوا الخروج من أسوار الحارة لذلك بقيت شخصية «أبو عنتر» أسيرة روح هذا الفريق رغم التطويرات التي حدثت لهذه الشخصية على المسرح. ‏

يضاف إلى ذلك مسائل أخرى فنية لم يستطع الراحل ناجي جبر تحقيقها للوصول إلى ادوار البطولة المطلقة منها أن النجم في سورية مسألة «خاضعة لمنطق عشوائي تحدده المصادفة والجهد الشخصي من كافة جوانبه العملية بحيث يبقى أسيراً لغريزة البقاء الفردي عبر أدوات «تدبير الراس» فالنجم هنا ليس إلا ضرورة مؤقتة وعابرة يحتاجها منتج سينمائي أو تلفزيوني كسلعة مجهزة يستخدمها عند الطلب كذا في الرياضة والفنون التشكيلية والمذيعين.. الخ وكل ما ينتج حالة نجومية»

والدراما السورية والعربية تمجد حضور «شخصية البطل شبه الأسطورية بمقابل إهمال شخصية الفرد لتكون أضحية على مذبحة الجماعة، وهو ما يعيد تقديس مفهوم العشيرة والقبيلة لا الأسرة والفرد كإطار للمجتمع العربي المعاصر»  ‏

وهذا ما جرى في العديد من الأعمال التي شارك فيه الراحل ناجي جبر، إذ إن الحضور الدائم والأساسي للنجم الأول في العمل خصيصاً إذا كان ذا علاقات عامة يستطيع من خلالها الوصول إلى سوق التسويق الدرامي، وذاك ما افتقده الراحل ناجي جبر في علاقاته العامة. ‏

ويلعب دوراً كبيراً في استمرارية نجومية بعض الفنانين حالة تقدير ذاتي تتراوح مفاعيلها بين التقدير «الشخصي للمحيطين بالنجم المفترض وسرعة انجاز معاملة في دهاليز البيروقراطية...، لتتحول درجة الدلال للشخصية إلى مقياس نجومي يركن إليها الممثل لتحديد مكانته وهو مقياس واه لان كل من يظهر على الشاشة يوجه ذات المديح من الناس العاديين الذي وعلى الرغم من انه يشكل نوعاً من الوفاء للفنان (النجم) إلا أن أسباب هذه المديح نابعة من خصائص اجتماعية ليس الفن كحالة معرفية من بينها، ما يجعل النجم (المحلي) ينعم بعلاقات شخصية ناعمة وخدومة تجعله قادراً على تقديم نفسه فنياً واجتماعياً بالطريقة التي يراها مناسبة»  وهذا كله لم يكن موفراً لفناننا الراحل ناجي جبر، فهو كان يعتمد على ذاته في انجاز كل ما يحتاجه، حيث لم تسخر جهة ما دعماً فنياً أو قيمياً لتحقيق نجومية تستطيع هذه الجهة توظيفها عند الحاجة لها كما يحصل للكثير من نجوم أيامنا هذه. ‏

ويضاف إلى ذلك انه لم يكن يمتلك مالاً يستطيع أن يوجد حوله جوقة مريدين لتسويق ذاته كنجم معروف عند أصحاب المال والنفوذ حتى يتدبر أموره الشخصية ويحسم مشاكله مع الآخرين مصفياً نفوذهم لمصلحته. ويبقى الصراع الذي يدار عند أي شركة إنتاج فني على ترتيب أسماء الممثلين العاملين في العمل الدرامي على تيترات الشارة الفنية بينما يحظى بعض النجوم من خلال شخصياتهم الكاريزمية على مواقع نجوم صف أول، والراحل ناجي جبر لم يمتلك هذه المواصفات الكاريزمية والتنظيرية التي تؤهله إلى امتلاك ناصية التنظير الدرامي والمسرحي المفيدة في تعزيز مواقع النجومية الأولى. ‏

وتعمد الدراما السورية التطرف في تقديم نماذج مؤطرة وفق رؤية أحادية الجانب، فالمختار لا يمكن أن يكون رحوماً، والفلاح لا يمكن أن يكون مخادعاً وغشاشاً، ومن المعيب أن تكون الأم غير مقدسة ورب العمل لا يمكن له إلا أن يحب لأغراض ذئبية دنيئة التغرير بعماله وعاملاته  لذلك لم يستطع كتاب الدراما السورية وفق هذه الرؤية النمطية جداً الكتابة للراحل ناجي جبر وفق إمكاناته الفنية الخارجة من تجربة غنية عمرها الفني يناهز الأربعين عاما، وقفت على المنصات المسرحية في دمشق لتعزز المسرح الاجتماعي السياسي الناقد بشخصية «أبو عنتر» التي خرجت عن النمطية التلفزيونية والسينمائية باتجاه تعزيز كل ما هو شعبي في هذه الشخصية إضافة إلى حضورها الدرامي التلفزيوني السينمائي. إذاً المشكلة الأساسية التي عانى منها الراحل جبر هي وجود كاتب درامي مع منتج يقتنع بما كتب لهذه الشخصية، في حين وجود النجم دريد لحام في عشرات المحطات العربية والسورية لتغطية كل تجاربه الفنية الناجحة تماماً وصولاً إلى المخففة منها. ‏

أخيراً من كل ما تقدم في الدراما كما في الحياة هناك شخصيات لم تأخذ فرصتها كاملة، ومن هذه الشخصيات الفنان الراحل ناجي جبر الذي لم تصل فرصته الفنية إلى حدها الأقصى وإنما بقيت في حدود مقبولة بالقياس إلى الفرص التي فتحتها الدراما السورية لتطوير أفق مبدعيها من الفنانين ومنهم الراحل ناجي جبر