2013/05/29

نســريــن طــافـــش.. هـل تـكــسب الــرهــان فـي "رابـعـة العدوية"؟
نســريــن طــافـــش.. هـل تـكــسب الــرهــان فـي "رابـعـة العدوية"؟


عمر محمد جمعة  - البعث ميديا

لن نستبقَ الحكم على مسلسل "رابعة العدوية" كما فعل بعض مريدي مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" الذين أطلقوا صفحة تحت عنوان: "معاً لمنع نسرين طافش من دور رابعة العدوية"، وشنّوا حملة مسعورة ضدها على خلفية أدائها في مسلسل "صبايا" وسواه، والذين رأوا فيه أن طافش لا تصلح وفق تلك الانطباعات لتجسيد دور شخصية بحجم ومكانة ومقام رابعة العدوية، وإنما فقط لدور عارضة أزياء أو فتاة مدلّلة، بل سنتركُ أبواب الرهان مشرعة وآفاق التوقع مفتوحة، ولاسيما أننا في الصحافة أعداء للتطيّر والأحكام المسبقة، يعزّز ثقتنا بذلك كلّه أن نجوم ومبدعي الدراما السورية، ومن بينهم بالتأكيد الفنانة نسرين طافش، شكّلوا بقدراتهم الخلاّقة وحسّهم الإبداعي المتنامي ووعيهم بأهمية الفن ودوره رافعة جمالية للكثير من الأعمال التي عانت من ثغرة في السيناريو أو رؤية إخراجية محدودة أو إمكانيات إنتاجية قاصرة أو بخيلة، فرمّموها بحضورهم!!.

لئن كنّا نختلف بالمطلق مع هذه الرؤية المتسرّعة والحكم المسبق القاصر، ونستنكر الحملات المجانية التي تستهدف فنانة أو فناناً بعينه، إلا أننا وفي جانب موازٍ يحقّ لنا أن نتمنى فعلاً أن يكون هذا المسلسل الذي يتصدّى لإخراجه زهير قنوع وكتبه عثمان جحا، حالة جديدة في قراءة الشخصيات التاريخية، وسعياً جاداً إلى إخراج أعمال السيرة الذاتية مما وقعت فيه من أزمات أبرزها تمجيد تلك الشخصيات وتقديسها وأسطرتها أحياناً، بعيداً عن التغلغل في المضمر الإنساني لها، واستجلاء حقيقة مكوّنها الروحي، خاصة إذا عرفنا هنا أن شخصية رابعة العدوية مثلاً بطبيعتها النفسية والمراحل والتحوّلات التي عاشتها بين حياة اليتم والفقر والعبودية والزهد والتقشف وما رافق ذلك من اتهامات لها، تستلزم الإحاطة الكاملة بتاريخ هذه المرأة وإنصافها، والتي رغم ذكرها في الكثير من المدوّنات والكتب والوثائق، مازال البعض من أصحاب الفكر الأعمى ينكر وجودها ويشكّك في حكايتها، في إشارة منحازة و"غير منطقية" إلى أنه ليس بمقدور المرأة أن تصل إلى هذا الصفاء الروحي الذي سما بها إلى مقام العشق الإلهي، فيما انبرى بعض المستشرقين إلى اتهامها باللهو والرقص والبذخ والفجور!!.

غير أننا وللردّ على ذلك كلّه وللتذكير فقط نقول: إن كتب التاريخ أكدت أن رابعة القيسية العدوية البصرية هي شخصية حقيقية، سُمّيت رابعة لأنها كانت الرابعة في الميلاد تسبقها ثلاث بنات، وسمّيت بالقيسية لأنها من بطن من بطون قبيلة قيس، وسمّيت بالعدوية لأن أسرتها من بني عدوة، وسمّيت بالبصرية لأنها ولدت في البصرة وعاشت بها ردحاً من الزمن، وكان والداها يشكوان قسوة الفقر وشظف الحياة، ويعيشان في كوخ بطرف من أطراف البصرة، وكان الناس يسمّون هذا الكوخ "كوخ العابد" وذلك لتقوى الوالد وإيمانه، وحين مات أبوها ولحقت به زوجته بقيت رابعة يتيمة مع أخواتها الثلاث، وقد حدثت مجاعة وقحط في البصرة على عهدها، فتشردت في الأرض، حتى أخواتها ذهبت كلّ واحدة منهن إلى جهة من جهات الأرض، حيث لم تلتق رابعة بواحدة منهن بعد ذلك، وتشير تلك المصادر إلى أن لصاً أثيماً تربّص لها حين وجدها مشردة منفردة، فأخذها مدعياً رقّها وباعها لأحد التجار بستة دراهم والذي أذاقها بدوره صنوف البلاء، وسامها سوء العذاب، قبل أن يعتقها وتشتهر عند الناس بالمرأة التقيّة والصالحة الزاهدة والمتصوفة العابدة، وعند المؤرخين والباحثين بأنها صاحبة العشق الإلهي القائلة: "إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأهنأ، أم ردّدتها عليّ فأُعزّى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك".

إذاً.. فإن هذا التاريخ والحياة الحافلة بالأحداث، وهذه الشخصية الإشكالية، تستدعي من فريق العمل، تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً، أن يقدّموا مسلسلاً يبدّد شكوك بعض ذوي الأحكام المسبقة والمتصيّدين في الماء العكر، ولاسيما إزاء إسناد دور "رابعة العدوية" للفنانة نسرين طافش، فضلاً عن علمنا أن مسلسلات السيرة الذاتية التي شهدت اندفاعاً محموماً من الكتّاب والمخرجين وشركات الإنتاج خلال السنوات الأخيرة قد ساهمت إلى حدّ بعيد في تنامي هذه المواقف، ذلك أن من المآخذ التي حوربت بها هذه المسلسلات افتقارها للوثيقة والمعلومة الصحيحة التي تقدّم الشخصية كما هي، دون تأليه وتقديس وأســـــطرة أو إلباسها أقنعة، كمبرّر فني، تخفي حقيقـــة هـــذه الشـــخصيـة.

وإذ تتسع دائرة الرهانات يوماً بعد يوم، وبعد المعاناة وتجاوز الظروف الذاتية والموضوعية التي حالت دون إنجاز وتصوير العمل، فإن رهاننا سيصبّ في أن مسلسل "رابعة العدوية" يجب أن ينجح فيما لو توفرت له شروط إنتاجية تطمح إلى النجاح لا إلى تقديم اسم وسيرة ذاتية وحسب، وأن ثقتنا بالفنانة نسرين طافش كبيرة تقود إلى التفاؤل الذي سبق تقديم الفنان نور الشريف لشخصية "عمر بن عبد العزيز"، أو الفنانة صابرين لشخصية "أم كلثوم"، أو الفنان تيم حسن لشخصيتي "نزار قباني والملك فاروق"، أو الفنان سلوم حداد لشخصية "الزير سالم"، أو الفنــــانـــة سلاف فــواخرجي لشــخصية "أسمهان"، أو الفنــــان فــراس إبراهيم لشخصية "محمود درويش"، فهل تفعلها نسرين طافش وتكسب الرهان في "رابعة العدوية"؟.