2013/05/29

«وول ستريت»: أوليفر ستون في مسرح الجريمة
«وول ستريت»: أوليفر ستون في مسرح الجريمة

  عماد خشان- الأخبار قد تكون المشاهد المأخوذة لمانهاتن أجمل ما في «وول ستريت ـــــ المال لا ينام أبداً». شريط أوليفر ستون الجديد هو الجزء الثاني من «وول ستريت» (1987)، واستكمال لقصّة غوردن غيكو، الشخصيّة التي نال عنها مايكل دوغلاس (1944) أوسكار أفضل ممثل. لكنّ أسوأ ما في الفيلم هو نهايته الغريبة عن سينما أوليفر ستون، العنيفة في واقعيتها والواقعية في عنفها. منذ متى يرسم صاحب «قتلة بالفطرة» شخصيّات تعرف الحنان ويستيقظ فيها الحسّ الأخلاقيّ؟ هذا لا يلغي أن حبكة مثل حبكة «وول ستريت 2» تحمل من القسوة والوحشية ما جعلها بحاجة ربما إلى قصة ثانوية ذات بعد إنساني. على مدار ساعتين وربع ساعة هي مدّة الفيلم، نحن أمام قصة ثأر من النوع الذي يجري في ذلك العالم المتوحش. مدينة نيويورك التي تفرض نفسها كشخصية رئيسيّة، تبدو عاجزة عن احتضان أيّ دفء إنساني. معظم اللقطات مأخوذة من فوق وعن بعد، لتنقل الإحساس بمكان بارد وكئيب، هو مسرح مثالي للجريمة. هنا في أبنية الزجاج والفولاذ الشاهقة، وحصون المال، تحاك المكائد على الشركات والأفراد والدول. في هذا الفضاء العدائي، تتكشف بقيّة سيرة غيكو الخارج من السجن. نتذكر أنّ «وول ستريت 1» انتهى إلى سجن البطل بسبب جرائم مالية ارتكبها في الثمانينيات، في عهد رونالد ريغان، أي في عصر إطلاق يد الشركات المالية من دون ضوابط حكومية. وهو العصر الذي اختصره غيكو حينها بعبارته الشهيرة: «الجشع أمر جيّد». بعد 23 عاماً على الفيلم الأوّل، يعود غيكو ليكتشف أنّ الجشع لم يعد جيداً فقط، بل أصبح قانونياً. تدور أحداث الشريط قبيل الانهيار الاقتصادي العالمي الأخير وخلاله. في هذا العالم حيث المال هو القيمة الوحيدة، تؤدّي شائعات منظّمة إلى تدمير شركة توظف 15 ألف عامل، وتدفع برئيسها إلى الانتحار تحت عجلات القطار. كلّ ذلك لتهبط قيمة أسهمها، ويشتريها مَن روّج الشائعة بقيمة زهيدة. في هذه الأجواء يعمل الشاب الطموح جاكوب مور (شيا لابوف)، ويتعلم أصول اللعبة سريعاً بعدما انتحر رئيسه لويس زابيل (فرانك لانجيلا) الذي كان بمثابة أب له. صراع العمالقة في عليائهم، لا يصوّر الفيلم انعكاسه على الناس العاديين   فكرة الأب والأبوة هي الجانب الإنساني الذي يحاول ستون من خلاله كسر حدّة فيلمه. وسط كلِّ هذا المشهد الدموي، هناك نسمة الأمل التي تمثّلها ويني، ابنة غوردون وحبيبة جاكوب. الابنة التي تكره والدها وما يمثله، اختارت أن تعمل في موقع إلكتروني يساري، أخذ على عاتقه تقديم حلول بديلة لمشاكل البيئة، وكشف خفايا مراكز المال والسياسة. ستون الذي يُعدّ من أكثر السينمائيّين الأميركيين يسارية، استغل الأزمة الاقتصاديّة العالميّة، ليكمل حكاية «وول ستريت». تأتي النسخة الثانية نبوءة تحذيريّة من الطمع والجشع وأضرار غياب الرقابة عن قطاع المال والأعمال. إلا أن نقطة الضعف في «...المال لا ينام أبداً» هي تركيزه على صراع العمالقة في عليائهم، من دون تصوير انعكاسات هذا الصراع على الناس العاديين وحياتهم اليومية. يقدّم هذا الفيلم نوعاً آخر من الحروب والعنف والقتل. نرى أناساً مثلنا يتصرفون كآلهة، ويحددون مصير حياة الملايين من البشر.