2014/01/12

محمد ملص
محمد ملص

 

حاورته فيكي حبيب – الحياة

 

 

 

سواء أحببت سينماه أم لم تحبها، أفضلت من أفلامه «أحلام المدينة» على «الليل» أم رأيت في «باب المقام» عملاً غريباً مميزاً، قبل أن تأخذ عليه تسرعاً ما في تحقيق روائيّه الطويل الأخير «سلّم إلى دمشق» أو تنحو، كما حال بعضهم، الى اعتبار هذا الأخير «فيلم الثورة السورية وخيباتها»، لا بد لك أن ترى في محمد ملص واحداً من أبرز الوجوه في السينما العربية التي عرف كبار المخرجين كيف يصنعونها خلال ثلث القرن الأخير. فهذا السينمائي السوري، الشاب في إنتاجه رغم دنوه الحثيث من السبعين، والذي لم يحقق سوى نصف دزينة من الأفلام خلال مسار يصل إلى أربعة عقود، إلى جانب نصف دزينة أخرى من كتابات أدبية وسينمائية، يعتبر حالة خاصة في التاريخ السينمائي العربي الراهن. وليس أدل على هذا من أن فيلمين له يُختاران دائماً من السينمائيين والنقاد ضمن كل لائحة توضع حول أفضل الأفلام في تاريخ السينما العربية، وآخرها لائحة مهرجان دبي. وفي هذا المهرجان تحديداً، كان أخيراً أحد العروض الأولى لفيلم ملص الجديد «سلّم إلى دمشق»، الذي أثار -ولا يزال- جدلاً واسعاً.

 

هنا حوار مع صاحب «أحلام المدينة» حول فيلمه الأخير الذي صوّره في سورية وسط لهيب ثورتها محاولاً فيه أن يقول شيئاً من الاختلاف، وأن يمسك عصا ما من منتصفها:

 

> هل تصنّف فيلم «سُلّم إلى دمشق» ضمن أفلام الثورة؟

 

- لا أريد أن أصنّف فيلمي ولا تسمية ما يحدث بالثورة، فبحسب فهمي للأمور، هي شيء آخر تماماً.

 

> ما هي الثورة وفق تعريفك؟

 

- هي نهوض ووعي يخضع لمعرفة بالواقع أولاً، وما تريدين أن تصلي إليه ثانياً. ثم لا بد من أن يكون لديك تصوّر لا يقوم على أجساد وجثث الآخرين. الثورة هي كيف يمكن أن تصلي إلى طريقك للتغيير بالمعنى العميق للكلمة وليس بمعنى الشعار، وهي بالتالي ليست رقصاً على الجثث.

 

دورنا كسينمائيين

 

> أفهم منك أن ما يحدث اليوم في سورية هو رقص على الجثث لا ثورة؟

 

- أكتفي بالقول: الثورة ليست رقصاً على الجثث.

 

> ما هو دوركم اليوم كسينمائيين في هذه الأزمة؟

 

- دورنا أن ننجز أفلاماً صادقة وشريفة لا أفلاماً مأجورة.

 

> ولكن، كيف تردّ على من اتهم المثقف السوري بالصمت؟

 

- لا أحد يمكن أن يوجه للمثقفين السوريين اتهامات، فكثيرون منهم قضوا أعمارهم بين السجون والكتابة النقدية للواقع وبين تركهم الوطن وذهابهم إلى المنافي، وهذه واحدة من الأمور التي اعتُبر أن المجتمع السوري وقع في اهتزازاتها، فأنا ممن عاشوا في سورية وتلقيت عذاباتها وآلامها، وبالتالي لا أستطيع أن أعبّر عن أشياء مختلفة عما أحسّه.

 

> صوّرت فيلمك في دمشق بالاعتماد على مكان مغلق (بيت دمشقي عتيق) في ظل الظروف الأمنية الصعبة. هل شكّل الأمر عائقاً أمامك؟

 

-على العكس، غياب الخارج ساعدني على تقوية الداخل، وهو هدفي الأساسي. وبالتالي، لم أواجه صعوبات إلا بكوني اضطررت إلى بعض المشاهد الخارجية، وكان متعذراً عليّ تصويرها نظراً للظروف الأمنية. ولا أخفي أنه في إحدى المرات وبينما كنت أصوّر، نصحني الأمن بمغادرة المكان، علماً أن هذا الأمر لم يسبب مشكلة لي بتاتاً، فالداخل هو ما يهمني كما قلت، لا الخارج.

 

> في فيلم «سلم إلى دمشق» نسمع عن الأزمة في سورية ولا نراها. لماذا اعتمدت هذا الخيار؟

 

- الجميع اليوم يشاهدون ما يحدث، سواء كانوا يعيشون الأزمة أو يتابعونها عبر الشاشة الصغيرة، ولكن لا أحد ينظر إلى دواخلنا. ولذلك حرصت أن نسمعها كي لا نشعر بأننا في مكان وزمان آخرين.

 

الحصار الداخليّ

 

> شخصيات فيلمك محاصرة داخل منزل دمشقي عتيق يكاد أن يكون نموذجاً مصغراً عن دمشق التي تعيش اليوم حصارها الداخلي والخارجي. لماذا؟

 

- الحصار الداخلي هو الهدف، خصوصاً أن الشعب السوري عانى منه طويلاً ومازال يعاني حتى اليوم. في هذه الأزمة، كل شيء متوافر: صور وأحداث وحوادث. لكنّ الشيء الوحيد الغائب هو السينما، ولذلك فإن هذا الفيلم إنما هو محاولة لتقديم رأي السينما في ما يحدث.

 

> في الفيلم تحية إلى الفن السابع. لماذا؟

 

- حين تصبح الكاميرا عدواً وتغيب السينما، يصبح لزاماً علينا أن نقدم التحية.

 

> هل تخشى الدولة السينما؟

 

- هذه حقيقة، فعلى مدى الأربعين عاماً، كنا كلما حاولنا أن نصنع فيلماً نواجه عقبات كثيرة، وفي سورية لم يتم الاهتمام بالسينما إلا مع نشوء المؤسسة العامة للسينما، التي أمسكت بكل المفاصل، كالاستيراد والتوزيع والإنتاج. كنا نعتقد بأنها تمسك بها لتعيد إنتاجها، لكنها أمسكت بها وقبضت عليها.

 

> ولكن، مقابل الخوف من السينما كان هناك انفتاح على الدراما. لماذا؟

 

- لأن التلفزيون لا ذاكرة له، ثم إن صانعي الدراما تكيفوا مع ما يمكن أن يقولوه من دون أن يجعلوه مخيفاً. قد يكون هناك أعمال متمردة على الذاكرة القصيرة، بخاصة بين الأعمال القديمة، زمن الأبيض والأسود، لكنها لم تساهم بالنهوض، بل إن أثرها كانت له علاقة بالنوستالجيا أكثر من علاقته بالفعل والوعي.

 

> لم تكن الأزمة السورية مندلعة بعد حين شرعت بهذا العمل. لماذا عدت وأدخلتها في سياق الأحداث؟

 

- غالباً ما تكون المرحلة التي يتواجد فيها النص عندي عتبة لا مرجعاً، فأنا في العادة، وحتى في الظروف الطبيعية، لا أكتب نصاً نهائياً بل نصاً يحمل كل الشحنات الوجدانية والأحداث التي أريد التعبير عنها، وأبقى باحثاً عن فرصة لتحقيقها. وحين يتحقق هذا في زمن ما، أعود وأعالج اللحظة، فإذا كانت ثانوية لا أعيرها انتباهاً، وإذا كانت أساسية أدخلها ضمن الأحداث.

 

> كل أطياف المجتمع السوري موجودة داخل المنزل الذي تدور فيه أحداث الفيلم. لماذا؟

 

- هذا الأمر ينتمي إلى الواقع وليس من اختراعي، ففي سورية، وبخاصة دمشق، باعتبارها ملجأ كل من يريد أن يبحث عن مستقبل، نشأت ظاهرة البيوت التي تتقاسم غرفها مجموعة من الشبان، وبالتالي ليست هذه ظاهرة موجودة في الفيلم بشكل قصدي، بل أنني سخّرت هذه الحال الواقعية إلى حال تساعد على بناء كتلة درامية أساسية يقوم الفيلم عليها، فالهدف هو بلدي الذي يجمع الكل. وهو الذي أدافع عنه، وأشتهي أن يبقى ويستمر. وهو الذي أحلم بألا ينتقص منه شبر واحد. ولذلك كان -مثلاً- هذا الإصرار على وجود مواطن من منطقة الجولان داخل البيت، فأنا أساساً من هذه المنطقة، ومن أعزّ الأمنيات التي أتمنى أن تتحقق خلال ما بقي لي من عمر، العودة إلى القنيطرة، مدينة الطفولة.

 

> في الفيلم تغليب واضح لعنصر الشباب. لماذا؟

 

- صحيح، أردت أن يتكلم الشباب، وأن أصنع فيلماً عنهم، إذ كفى الحديث عن جيلي الذي يبدو أنه لم يوصلنا إلا إلى ما وصلنا إليه اليوم. هذه ليست تهمة أو اتهام، فالوضع أكثر تعقيداً وتداخلاً، ولكن أنا أشعر بأن هذا الجيل، جيلي، الذي امتلأ حماسة وحلماً قد انتهى، سواء بسبب ما قدمه أو بسبب تآمر بعضه على بعض. نحن الذين كنا وراء حلم الوحدة والحرية والاشتراكية، وعملنا على مدى سنوات للخروج من التخلف والوصول إلى مجتمع نقي يسعى إلى التطور، لم نحقق شيئاً، بل على العكس، يكاد أن يبتلعنا العصر تماماً ونختفي.

 

> هناك مراجعة إذاً لجيل خذلك؟

 

- لم أحقق ذلك بعد، شعرت بأن كفى الحديث عما مضى، وأردت أن أقول تعالوا لنتحدث عن اليوم. واليوم من يحمل كل ما يحدث؟ إنه جيل الشباب... حتى الانتفاضة تنتمي إليهم ولا دخل لنا نحن فيها. في أحد مشاهد الفيلم تقول نوار يوسف: «جدي عمره 70 سنة، وهو لا يفهم أنني اختلف عنه اختلافاً كبيراً». أردت أن أقول تعالوا لنفهم أننا مختلفون، وإذا أردنا أن ننتمي إلى المستقبل، فلا بد أن ننتمي إلى الشباب.

 

فكرة التقمص

 

> لجأت في الفيلم إلى فكرة التقمص لتناول 40 سنة من تاريخ سورية. لماذا؟

 

- مثلما استثمرت المنزل درامياً بحثاً عن سورية الجميع، بطوائفها وإثنياتها، أردت أيضاً ألاّ تكون الشخصية الرئيسية مرهونة بالسنوات العشرين التي عاشتها، وكأني أريد أن أتحدث عن حياتين وعمرين وزمنين، هما الـ40 عاماً الماضية.

 

> هل تقصد الزمن الذي ضاع والزمن الذي تحاولون بناءه من جديد؟

 

- كلا... نحن لا نبني، بل نهدم. أنا أتحدث عن مرحلتين زمنيتين عمرهما 40 عاماً. اليوم لا أحد يبني في سورية. الكل يقتل... الكل يهدم.

 

> لديك نظرة تشاؤمية للمستقبل؟

 

- نعم، لدي نظرة تشاؤمية مع حلم بأن تبقى سورية سورية، ولا أقبل أن يُنتزع منها شبر واحد.

 

> هل ترى أن سورية متجهة نحو التقسيم؟

 

- لا أرى شيئاً خارج الفيلم.

 

> بالعودة إلى الفيلم، ثمة حضور غير مباشر فيه لبشار الأسد. لماذا؟

 

- نعم، هو موجود لأنه رئيس الدولة، وهو مسؤول عما يجري، ففي أحد خطاباته، كما قدمت في الفيلم، يقول: «هناك من يحسّ بافتقاد كرامته وبغياب حريته، وهناك فساد». أنا لم أقل شيئاً، هو الذي قال.

 

> ما المغزى من تصوير مشهد صور الأسد جنباً إلى جنب صور مشاهير الغناء؟

 

- هذا موجود في الواقع، لم أخترعه.

 

> ولكن اختيارك له قد يحمل دلالات؟

 

- إن كان الأمر كذلك، فما الذي يجمع غوغان مع هيفاء وهبي ومحمد علي كلاي؟ يبدو أن هذه الصور هي الأكثر طلباً.

 

> حدثنا عن تجربة العمل على «سلم إلى دمشق»؟

 

- في هذا الفيلم، كانت لدينا القاعدة الأساسية، أي السيناريو الأصلي الذي كتبته أنا وصديقي الصحافي سامر إسماعيل. الأساس كله، حتى تكوين الشخصيات داخل البيت، كان موجوداً. ولكن مع التصوير، كان لا بد لي من أن أعيد التكيف ضمن خياراتي الفنية، فبدلاً من أن ألجأ إلى اختيار ممثلين يتلبسون الشخصيات المكتوبة، عملت بالخط الذي أميل إليه دائماً، أي أن أضع الملامح العامة للدور وأترك الباقي للشخصية نفسها لتعبّر عنه. ولذلك احتفظت بأسماء الشخصيات الحقيقية، وتركت الجميع يعبّرون عن أنفسهم ويتكلمون عن حكاياهم، وبالتالي فإن عمدت إلى إعادة بناء الشخصيات، فبمنحها الكثير من الصدق والطزاجة.

 

> لماذا كل هذا الانفتاح على تجارب الممثلين الشخصية؟

 

- كان لدي الانفتاح لأنني لم أرد تسخير عالم الشباب لتصوراتي، بل أن أخلق نوعاً من التقاطع والتفاعل بين ما أسعى إليه وبين عالمهم الحقيقي.

 

> كيف تدير ممثليك؟

 

- بالحب. في إحدى المرات دعيت إلى ندوة في مهرجان دبي بعنوان «كيف تعمل مع الممثل؟»، فتحدثت عن نظرية العمل مع الممثل من خلال نظرية الفحيح، فأنا أبخ فحيحي في آذان الممثلين كالأفعى، لا ليتقنوا الكلمات، بل ليشعروا بالشحنات الموجودة في داخلي. وهذه النظرية لا تعود لي، بل أنفذها فحسب. وقد نوّه بها يوماً ممثلنا العظيم رفيق السبيعي، إذ قال لي: «هي المرة الأولى التي يتواصل معي بها مخرج بالفحيح لا باللغة». وهذه الطريقة ساعدتني كثيراً لإيصال روحي إلى الممثل، وهي قائمة أساساً على مبدأ الحب. فإن لم أحب الممثل لا أستطيع أن أعمل معه.

 

> لماذا يغيب محمد ملص لفترات طويلة بين فيلم وآخر؟

 

- السبب مهم جداً، فمنذ سنة 1994 بتّ على قناعة بأن كل ما أريد تحقيقــــه في سورية بعد فيلم «الليل» تــوضع أمامه العقبات، فأحياناً كانت هنـــاك جهات دعم خارجي تقول لي لا نريــد أن نقرأ نصك، وأحياناً أخرى كان يطلب مني تعديل ما كتبت. من هنا، واحترماً لنفسي وللسينما التي أنتمي إليها، قررت أن أتــوقف عن التعامل مع المؤسسة العامة للسينما، إذ تبين لي أنها تكره السينما، وهذا أمر ليس غريباً على النظام السوري. وما لا شك فيه أن هذا الخيار يجعل دائماً الوصول إلى تـــمويل الفيلم خياراً صعباً. ولا أخفــي أنني كلما أردت أن أحقق فيـــلماً أحتاج إلى امتحان مشاعري والــتفكير بالفرادة، وهذا كثيراً ما يأخذ من وقتي. وأحياناً أقع أمام جاذبـــية كتاب أريد أن أنشره. ولذلك بين صعوبة الإنتاج وبين الإيقاع والمزاج الشخصي، يمرّ الوقت.

 

> هل سننتظر طويلاً قبل أن نرى مشروعك المقبل؟

 

- هي المرة الأولى التي أنهي فيها فيلماً ويكون لديّ فيلم آخر. وهو كالعادة لا يبتعد عن سورية، وعنوانه «ليت للبراق عيناً». أما جُلُّ ما أتمناه، فأن أستمر في تحقيق سينما تنتمي إلى الحاضر لا إلى زمن آخر.