2014/03/16

عدلي منصور وعبد الفتاح السيسي خلال مشاركتهما في الاحتفال
عدلي منصور وعبد الفتاح السيسي خلال مشاركتهما في الاحتفال

 

مؤمن المحمدي - السفير

 

 

كما أن الفن ذاته يمثل مرآة للمجتمع في كثير من الأحيان، كذلك فإنّ الاحتفال بـ«عيد الفن» بإشراف رئاسي، يعكس الكثير من الرؤى والتفاعلات التي تدور على أرض مصر الآن.

دعا إلى الاحتفال الرئيس المؤقت عدلي منصور، لكنّ الاهتمام به، كان نابعاً من حضور وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي، والذي طاله جانب من هتافات الفنان أحمد راتب، وهي هتافات أقرب إلى الاستغاثة منها إلى الاحتفال.

أحدث الاحتفال انقساماً بين من ذهب حدّ الاعتبار بأنّ مجرّد تنظيم حدث مماثل في دار الأوبرا المصريّة، يكفي النظام فخراً، خصوصاً بعد توقّفه حوالي ثلاثة عقود ويزيد، وبين من وضعوا علامات استفهام، وتعجب، وربما استنكار حول تفاصيل عدّة شهدها الحفل، أو وردت في كلمة الرئيس عدلي منصور. وفيما أثار تكريم بعض الفنانين حالة من النوستالجيا لدى كثيرين، لاسيما مع الإطلالة النادرة لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، وعدد كبير من الفنانين الكلاسيكيين، رأى آخرون أنّ التكريم لم يأت بجديد. بحسب هؤلاء، فإنّ المكرّمين في احتفال «عيد الفنّ»، مكرّمون في كلّ العصور، وهناك من لم يشملهم أي تكريم أو احتفال مثل الفنان شادي عبد السلام، رغم أنه أخرج فيلماً استثنائياً هو «المومياء»، ناهيك عن دوره بشكل عام في تاريخ الفن. يضاف إلى ذلك، تكريم الفنانين للرئيس المؤقت، في إعادة لأسلوب مبارك الذي كان يستقبل التهاني في جميع المناسبات، حتى عند الفوز في مباريات الكرة.

وبعيداً عن التكريم والمكرّمين، تبقى هناك ملاحظات على وجاهة الاحتفاليّة. في البداية، تمّ استدعاء أغنيات عبد الناصر الوطنية باعتبارها «الفن»، فيما يعد امتداداً لحالة تمثل الفترة في خطابها وجوها العام، وهو ما لاقى استياء عند الكثيرين، باعتبار هذا استيلاء على تراث فترة مضت بحلوها ومرها. كما جاء حديث الرئيس المؤقت عدلي منصور عن الرقابة ليزيد من الطين بلّة، إذ أنّه حثّ الفنانين على أن يكوّنوا رقابة ذاتية على أنفسهم، مستخدماً خطاباً دينياً مباشراً، فيما يعد دعما غير مباشر للرقابة في وقت يخوض الفنّ معركة اليوم، مع رقابة المؤسسة الدينية، وتحديداً في قضيّة فيلم «نوح».

من ناحية أخرى، أبرز الاحتفال بشكل واضح كيف تفكر الدولة بالشباب، وذلك من خلال ما حدث مع المطرب محمد محسن، ونحن نتحدث هنا عن محسن بصفته لا بشخصه. كان يفترض أن يشترك الفنان الشاب في فعاليات الاحتفال، وتم إدراج اسمه بالفعل في البرنامج المطبوع، غير أنّه لم يتمكن من دخول قاعة الاحتفالات، لتبدأ عاصفة من التساؤل والاستهجان بين الشباب، خصوصاً على «فايسبوك» و«تويتر». لا يمكن الحديث بسهولة عن طرد أو منع أو قمع لمحسن، إذ أنّه أدلى بتصريحات مفادها أنه لا يمتلك دليلاً على ذلك، خصوصاً أنّه عضو معين في لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة. كما أنّه شارك في أكثر من مهرجان ممثلاً لمصر، آخرها حفلة في بيروت مع الفنان مارسيل خليفة بحضور السفير المصري في لبنان، كما شارك في حفلة في إيطاليا بدعوة من الأكاديمية المصرية بروما وهي جهة رسمية. من ناحية أخرى بدا هاني مهني، القائم على تنظيم الحفل، مندهشاً من عدم قدرة محسن على الدخول، وحوّل الأمر إلى التحقيق.

ما نذهب إليه هو أن الأمر أعمق وأخطر من قضيّة محسن، فالقصة هنا تتعلق بالنظرة إلى الشباب، الذين لم يكونوا ممثلين في الحفل بالكلية. والمسؤولون عن الأمن بالأوبرا شأنهم شأن قطاعات عديدة في الدولة، لديهم حساسية من الشباب، ويتصرفون بمنطق المثل الشعبي «الباب اللي ييجي لك منه الريح، سدُّه واستريح».

هذه الحساسية ليست نتاج تفكير خاص أو شخصي، وإنما هو توجه عام، مقصوداً كان أم غير مقصود، فالمحصلة في النهاية أن محسن لم يغنِّ «قوم يا مصري» كما كان مقرراً. وبالتالي غاب صوت الشباب عن الاحتفال بالفنون.

لم تستغل الرئاسة الحدث لحسم أي ملفات مؤجلة كمنح الجنسية المصرية للمخرج محمد خان مثلاً، ولا قدمت أية حلول لأزمة السينما، أو قرارات تتعلق بالقرصنة التي أدت بصناعة الأغنية إلى الانهيار.. باختصار كان «عيد الفنّ» خالياً من الدسم والشباب والقرارات الفعالة. احتفال في المضمون، يثير الشجون والنوستالجيا، لكنّه لا يقدم للواقع شيئاً، ودمتم.