2012/07/04

إذا تعب قاسيون.. يعيده إلينا..!
إذا تعب قاسيون.. يعيده إلينا..!

سعاد زاهر - الثورة

أفكار وآراء تحاول أن تحلل ما شاهدته من فيلم حامله الأساسي الشاعر محمد الماغوط، ومخرجته هالا محمد.. التي بدا واضحا محاولتها لإيجاد حلول ترضيها فنيا وتعمق تلك الكلمات التي تنساب من فم الماغوط وكأنها هي الأخرى حرة لاتلوي على شيء...ولايمكن لمرور الوقت إلا أن يزيد قوتها!‏

عادة وفي أغلب الأفلام يكون لنقاش الفيلم وتحليله معنى..وربما قد يرغمك على الذهاب إلى مناطق لم ترها... وتتمنى لو تستمع إلى آراء نقدية علها تغني فهمك للفيلم وتقدم لك أفكاراً جديدة...هنا كان الأمر مختلفا،أردنا أن نبقى مع الفيلم فقط!‏

...أعتقد أن كثيرين من الجالسين في تلك الصالة أرادوا شيئا مختلفا... وعلى غير العادة بدت الظلمة غير مزعجة،بل تشي إلينا بنفحات من الرومانسية وتعطل بعضا من دفقات العملية التي بتنا مرغمين عليها...أرادوا وقفة تأمل وان لم تكن اعتيادية في هكذا مناسبات، إلا أنها هي التي تعرّفك المدى الذي تغلغل فيه الفيلم لديك ودغدغ بعضا من حنينك إلى لغة مختلفة..إلى لغة متمردة هي التي تصنع الاختلاف والتميز..‏

في لحظات كثيرة وأنت ترى الفيلم يتراءى لك بطلان كل شيء......التمرد،الحرية..كل المعاني والأحلام المنكسرة كل هذا الخوف وتجربة السجن المريرة..كل تلك العذابات لا معنى لها..لتفكر حينها أن الزمن وحده يوقفنا،يشل قوانا ويهزنا في العمق لاغيا أي آثار لالآلم أخرى..لأنه الوجع الحقيقي...وتتساءل:‏

ترى لو أن هذه المواجع قد تذكرها في عمر أصغر،العمر الذي كانت تتمايل فيه صوره أمامنا بنظرة واثقة تملأ الشاشة لحظة وكأنها تعقد مقارنات..هل كان وقعه علينا سيقارب ما عشناه وهو يسعل بين حين وآخر..وهو يقرأ شعره بصوته الأجش الذي ذهب به المرض.. ومع ذلك يترافق مع كل ما سبب له مرضه..!‏

أهو التناقض،اهو العناد..أهو العبث...؟ أليس مزيج شخصيته، الغريب هو الذي أعطاه كل هذا التميز...ألم يكن هو المعنى الحقيقي الذي أعطى لتجربته الشعرية فرادتها، فعذابه المختلف،المرير والقاسي حد عدم تمكنه من التعامل معه إلا بسخرية هو ما أثر فينا..هو ما حركنا وجعله يقبع فينا...‏

ترى لو أن الفيلم صنع قبل سنوات كثيرة من تلك الحالة الصحية التي استوطنت جسد الماغوط وقدمته إلينا بهذا الشكل المرير..هل كنا سنتلقاه بالطريقة نفسها.. ؟‏

انعتاق أفكاره يلهينا عن المكان الضيق الذي تكتل فيه (الماغوط)جالسا..يتذكر بعضا من حياته التي نجح الفيلم في أخذنا إليها دون رغبة منا في معظم الأحيان..لأنك ربما كنت تريد رؤيته من زوايا أخرى..جديدة لاتعرفها..فالمتابع لأحاديث الماغوط الصحفية والتلفزيونية يرى أن بعضا من أفكاره التي تسربت كثيرا..عدنا إليها هنا..لكن ميزتها أنها قدمت هنا في قالب سينمائي تسجيلي..يجعلك تتأملها بدلا من أن تخرج منها سريعا،محتوى الفيلم يجعلك ترغب في قراءة الماغوط مجددا في تأمل حياة وأوقات وأفكار ذاك الذي وأنت تشاهده في أسوأ حالاته الصحية تراه قادرا على التعامل معها بكل هذه السخرية واللامبالاة وكأنه انتصر وهزمها.....لايخيفه الموت والمفارقة أن البعض أخافوه أكثر من الموت... !‏

المعادل الفني والبصري للفيلم كان محدودا كما رأيناه على الشاشة..إذ تجسد ببعض الصور...التي قدمته لنا في مراحل عمرية مختلفة وبعضا من قصائده وموسيقا اختيرت على مستويين الأولى تأليف مارسيل خليفة والثانية لعبد الوهاب وكان الفيلم يقدم تداخلا ممتعا بينهما....جميعها كانت حلولاً ربما تسهل تلقيك للمادة السردية الطويلة نسبيا لكنها تجعلك تذهب بخيالك إلى هناك إلى حيث يجلس متكئا أو يتقلب وقد يفاجئك بنومه..‏

فيلم إذا تعب قاسيون) اعتقد انه من الأفلام التي لاترغب بمشاهدتها إلا بعد زمن..بعد أن تنسى متعتها الأولى ويجتاحك حنين إلى عبارات مختلفة... وزوايا ضيقة تحشرك أنت الآخر حتى تعتقد أن نفسك انقطع حينها قد تتمكن إلى العودة إلى حياتك بعيدا عن اعتياديتها ورتابتها!‏