2013/05/29

«في الصميم» على «التونسية» درس مجـّاني لإعلاميـي «الجزيرة»
«في الصميم» على «التونسية» درس مجـّاني لإعلاميـي «الجزيرة»


جوان جان – تشرين

لا نأتي بجديد عندما نقول إن معارف الإنسان لا تتوقف عند حدود، لأن الحياة عبارة عن تجارب مستمرة، هدفها تطوير أداء الإنسان في مجال عمله أياً كان هذا وهو،

فما بالنا عندما يرتبط هذا العمل بأكثر المهن اليوم ارتباطاً بحياة الإنسان المعاصر ألا وهو الإعلام الذي أضحى عصب الحياة البشرية وموجهاً للكثير من مساراتها.

وباعتبار أن الفضائيات هي التي تسيطر اليوم على عالم الإعلام كان من البديهي ألا يتوقف العاملون في هذه الفضائيات من معدّين ومقدّمين ومخرجين عند حدود معيّنة من الأداء لأن عجلة التطوّر لا تتوقف اليوم عند حدّ وينبغي مجاراتها باستمرار.

لكن يبدو أن إعلاميي بعض المحطات الفضائية العربية، ولاسيما تلك التي بلغت درجة من الغرور تمنعها من الاعتراف حتى بوجود فضائيات أخرى غيرها، قد آثروا الوقوف عند درجة محددة وانزووا على أنفسهم معلنين انفصالهم التام عن أية مبادرة خلاقة قد نجدها في هذه الفضائية العربية أو تلك، ومن الملاحظ هنا أن الحدود التي توقف عندها إعلاميو «الجزيرة» على سبيل المثال ليست تلك الحدود التي قد يبلغها المجتهد والدؤوب بل الحدود التي يبلغها-عادةً- المنغلقون على أنفسهم والمقتنعون أنهم وحدهم على صواب وأن العالم كلّه على خطأ، رافضين أي شكل من أشكال إعادة النظر بأدائهم الإعلامي الذي أصبح مادة للتدريس في مناهج الإعلام المعاصر-قسم التدليس الإعلامي. وباعتبار أن النقيض لا تتضح صورته إلا بوجود نقيضه كان من المحرِج لإعلاميي «الجزيرة» ظهور تجارب إعلامية متزنة ومحترمة ومهنية واحترافية في محطات أخرى ربما لم تبلغ بعدُ مبلغ ما حققته «الجزيرة» من انتشار لكنها على الأقل محطات تحترم مُشاهدها وتتعامل معه كإنسان سليم العقل لا ككائن أبله كتب عليه القدَر أن يوجد في زمن رديء إحدى أبرز سماته وجود قناة «الجزيرة» على الساحة الإعلامية.

من هنا تبرز تجارب إعلامية مهمة تقدم نفسها للمتلقي العربي كتجارب ذات مصداقية لاعتمادها على الواقع الملموس لا على وهم العالم الافتراضي، ولنا هنا في برنامج «في الصميم» الذي تبثّه فضائية «التونسية» أوضح مثال على ما نذهب إليه، فهذا البرنامج الذي يقدمه الإعلامي المرموق زهير لطيف دأب على طرح موضوعاته الحارّة بكثير من المصداقية والمعايشة الواقعية للموضوع المطروح من كل جوانبه، ففي الحلقة التي بُثّت مؤخراً والتي تناولت الوضع السوري كان دأب المعدّ تناول القضية بشكل موضوعي غير موجّه سوى باتجاه واحد هو الحقيقة ولا شيء غيرها.

ابتدأت الحلقة بجولة للكاميرا في أحياء دمشق القديمة، راصدة الحياة الطبيعية فيها وإصرار السوريين على ممارسة حياتهم العادية رغم كل شيء، لتنتقل الكاميرا مباشرة إلى الدقائق التي تلت التفجير الإرهابي قرب ساحة السبع بحرات بدمشق قبل أسابيع باعتبار أن البرنامج كان يصوِّر في لحظة التفجير نفسها في دمشق القديمة، ومع انتقال الكاميرا إلى السبع بحرات رصدت مظاهر الدمار التي أحاقت بالمكان ومشاهد المواطنين وهم في حالة من الذهول من هول ما حصل، لترصد عمليات الإسعاف الأولية ولتنتقل إلى إحدى المشافي التي استقبلت الجرحى والمصابين ولتستطلع آراء ذويهم بشكل آنيّ ومن دون رتوش، وبذلك أعطى البرنامج درساً في كيفية التغطية الإعلامية لحدث راهن.

في جزء آخر من البرنامج كان هناك رصد لآراء بعض الشباب السوريين فيما يجري في بلدهم فكان الإجماع على أن السوريين فقدوا شيئاً مهماً لم يكن بعضهم يقدرون قيمته وهو الأمان. كما التقى البرنامج ببعض التونسيين المقيمين في سورية والذين شرحوا معاناتهم بعد قيام حكومتهم بقطع علاقاتها مع سورية وكيف أثّر هذا الأمر سلباً على وضعهم القانوني، محمّلين حكومتهم مسؤولية هذه التصرفات الطائشة التي لم تأخذ بالحسبان مصالح رعاياها. أما مفاجأة البرنامج فكانت اللقاءات التي أجراها مع خمسة أو ستة من الشباب التونسيين المعتقلين الذين جاؤوا إلى سورية بهدف (الجهاد) وكان من اللافت إجماعهم عندما سألهم مقدم البرنامج منفردين عن سبب مجيئهم إلى سورية على أن السبب الأول هو ما كانت تبثّه «الجزيرة» و«العربية» من دعوات تحريضية ضد سورية، وهو الأمر الذي يرتبط تماماً بعبارة «القنوات الشريكة في سفك الدم السوري» معدّاً أن فيها الكثير من المبالغة، وما قاله المعتقلون التونسيون لا يدع مجالاً للشكّ عن الدور الذي تقوم به «الجزيرة» و«العربية» في تأجيج الوضع في سورية.

«في الصميم» للإعلامي زهير لطيف على فضائية «التونسية» نموذج من البرامج الميدانية التي تحاول أن تلتقط الصورة كاملة بكل تفاصيلها من دون الاختباء في الأقبية أو وراء الحدود لنقل صورة من أرض الواقع؟!