2018/01/07

الوطن - عماد نداف

قبل أيام قرأت في الصحف أرقاما تتعلق بالإنتاج الدرامي التلفزيوني لعام 2017 لفتت انتباهي للموضوع، ونشرت حقائق لابد من الوقوف عندها، وهي على النحو التالي:
– بلغ عدد المسلسلات الكاملة في المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي ثلاثة أعمال وهي: أزمة عائلية، ترجمان الأشواق، وهم، إضافة إلى مسلسل روزنا قيد العمل..
– بلغت الساعات الدرامية التي أنتجت 100 ساعة درامية توزعت بين المسلسلات السابقة الذكر، 30 حلقة لكل منها، وعشر حلقات لمسلسل روزنا.
– بلغ عدد النصوص التي قرئت 51 نصا.
– بلغ عدد الممثلين الذين شاركوا في الأعمال المنتجة 825 ممثلا.
– بلغ عدد الفنيين 240 فنيا،
– بلغت أيام التصوير 242 يوما. ‏
وفي اللغة التي أوردها السيد ماهر عزام صاحب التصريح لغة تحد بأن ذلك مطمئن، وأعتقد أنها ستثقل كثيراً هواجس الدكتور ماهر خولي المدير العام الجديد الذي اكتفى بالحديث عن اعتماد المؤسسة على إستراتيجية تحرص فيها على إتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الفنانين والفنيين مراعاة لعدم التكرار، والبحث عمن لم يتح له العمل من الفنانين المتميزين، من دون أي إشارة لإحياء صناعة الدراما وسمعتها الكبيرة.
ولكي أستكمل موضوعي البحث عن أرقام مديرية الإنتاج في الهيئة، فإذا ميزانيتها تبلغ 75 مليون ليرة، أي مليون ونصف ليرة بالمعادل الواقعي لأسعار ما قبل الحرب، وقد أنتجت هذا العام:
– سباعية شجر الفرنلق.
– سباعية ليزهر قلبي.
– فيلم شغف الشام.
– لوحات درامية للمختار بيسة.
وهذا يعني أن عجلة الإنتاج يمكن أن تدور بالقليل من المال، لكن هذا النوع من الدوران يفتح على الحديث عن المستوى الفني لهذه الأعمال، وفي الوقت نفسه يوحي أن التلفزيون قادر على إعادة العجلة لمديريته المفككة المنهارة!
وبغض النظر عن مشاكل الإنتاج في شركات القطاع الخاص، والموقف منها ومن تاريخيتها ومن أعمالها، فإن ثمة مسؤولية كبيرة تقع على صاحب القرار في صناعة الدراما السورية (القطاع العام)، وما بين أيدينا من معطيات يشير عملياً إلى أن هناك إهمالاً واضحاً لهذه الصناعة، رغم الطبل والزمر الذي يقام لها بين فترة وأخرى في تظاهرات كرنفالية، وهذا يعني أن التضييق يتعلق بالقرار، فما يجري لا يدل على أن صناعة الدراما هي صناعة تقف وراءها دولة، بل تتخلى عنها، وهي حجة لم تكن قائمة في البداية، ويفهم من ذلك عملياً أن المسألة ليست كما تتراءى في الندوات والشكاوى المتعلقة بأزمة في الدراما حيث التسويق هو السبب، بل هي في العقيدة التي يتم فيها التعامل مع الدراما، وقد كنت طرحت فكرتي حول هذا الموضوع شفويا في الندوات وكتابيا في المقالات وتقوم على أن الحل هو دعم المنتج العام كما كان يفعل التلفزيون سابقا، من دون الالتفات إلى مشاكل القطاع الخاص وحرص الدولة على شراء أعماله حتى لو كانت رديئة، وكنت بذلك أريد أن أعيد الميزان إلى الوراء إلى حيث انطلقت الدراما بعباءة التلفزيون، ولكي أوضح جيداً وجهة نظري، سأورد معطيات مهمة عن إنتاج التلفزيون العربي السوري لعدة أعوام:
في عام 1961 تم إنتاج رابعة العدوية وساعي البريد، وفي عام 1962 تم إنتاج راكبو البحار والأستاذ ترلم ورجل من شمع سليم قطايا وحكايات العرب وسمر. وفي عام 1967 وصل الإنتاج إلى الأعمال التالية:
– من أرشيف أبي رشدي لحكمت محسن وزكريا تامر علاء الدين كوكش
– حمام الهنا لدريد لحام ونهاد قلعي وخلدون المالح
– زينب صلاح حافظ لسعيد مراد وعلاء الدين كوكش
– قضية عبد الستار قاف لعادل أبو شنب وعلاء الدين كوكش
– بطاقة خلاص لفارس زرزور وعلاء الدين كوكش
– قناديل على الدرب لأسعد فضة ونبيل بدران وفيصل الياسري
– من الذي قتل ولدي لمروان السباعي وعلاء الدين كوكش
وتصاعد الإنتاج سريعا، حتى وصلت خطة التلفزيون إلى تقديم ساعة درامية سورية يوميا للمشاهد السوري، وساعة أسبوعيا من الأعمال البدوية، وساعد ذلك على بلورة الصناعة فظهر الكتاب والمخرجون والممثلون واتسعت آفاق صناعة الدراما وقدمت أعمال ناجحة وخلقت تربة صالحة للقطاع الخاص كذلك تدفق رأس المال العربي لاستثمارها (بما يريد من أهداف)، ويكفي أن نعرض الجدول التالي عن إنتاج كاتب واحد ممن اكتشفته الدراما لنعرف المعنى العام للفكرة، فماذا أنتج التلفزيون للكاتب الراحل عبد العزيز هلال في فترة لا تتجاوز العشرين سنة، نلاحظ في الجدول التالي حجم هذا الإنتاج وفق السنوات التالية:
– 1968 وجها لوجه (مع زكريا تامر)
– 1973 الزيناتي خليفة
– 1975 أسعد الوراق
– 1977 ألوان وظلال ومسلسل الطير
– 1978 الاختيار
– 1981 الحياة تبدأ غدا
– 1982 هدية إلى الثوار
– 1984 المجنون طليقا
– الأجنحة شكيب غنام
– 1987 الهجرة إلى الوطن
وسنتعرف على كتاب كثيرين تبنى التلفزيون أعمالهم على هذا النحو، وسنتعرف على محطات كبرى في إنتاج الدراما التلفزيونية، وما كان ذلك ليحصل لو لم يكن القرار قد اتخذ باعتماد الدراما التلفزيونية كصناعة قادرة على تقديم ثقافة بصرية واجتماعية ووطنية وترفيهية من خلال الشاشة الصغيرة ويرعاها التلفزيون.
وفيما بعد، وعشية الحرب، كانت الدراما قد شقت طريقها في القطاع الخاص، مسروقة من مديرية الإنتاج التلفزيوني بطواقمها وكتابها ومخرجيها وفنييها وكان يجري همس واضح على خراب الدورة الدموية في مديرية الإنتاج، ومن ثم ظهرت الدعوة إلى إقامة المؤسسة العامة للإنتاج الدرامي الإذاعي والتلفزيوني التي لم تحل المشكلة رغم النيات الحسنة.
واليوم، لا أعرف ما الذي جعل المؤسسة المذكورة عبر تصريح مدير إنتاجها توحي بأن ما قدمته هو نوع من إخراج الزير من البير، إن هذا التصريح يدعونا بشكل غير مباشر، وعند تقييم معلوماته، لطي صفحة صناعة الدراما السورية، وتوزيع تركتها على قنوات الخليج العربي ولبنان ومصر وإهداء نجومنا إلى أسواق الفن الأخرى، إن المعطيات الحديثة عن الإنتاج الدرامي لدى القطاع العام لا توحي أبداً بالتمسك بهذه الصناعة، بل توحي أيضاً بأن الجهات الحكومية تعاملها على أساس أنها معمل خاسر ينبغي الاستفادة من مخصصاته الخاسرة أو تخفيضها إلى أدنى حد ممكن (تم خفض الموازنة عام 2018) إلى النصف تقريبا!
إن حقيقة الأمر ينبغي أن تظهر جلية، وتناقش أزمة الدراما التلفزيونية كأزمة ثقافية فكرية في سورية، من خلال التمعن جيداً بما يمكن أن تؤديه في حياتنا اليومية، وخاصة في مرحلة ما بعد الحرب، فما الخدمات التي يؤديها هذا القطاع المهم من منتجاتنا الثقافية، وهل نقارنها بغيرها من القطاعات الثقافية والفنية؟ هل توازي خدمات فيلم سينمائي يعرض في مهرجان وصلى اللـه وبارك؟ هل توازي مجموعة إصدارات من الكتب غير الرائجة التي تكدس في المستودعات من دون فائدة؟ أو ربما يصح السؤال: هل توازي الرسالة التي يمكن أن تنقل بواسطة الدراما التلفزيونية مسؤولية بث الروح الجماعية للوطن وهو يخرج من حرب السنوات السبع؟
الأسئلة برسم صاحب القرار، على الأقل لنعد إلى خمسين سنة إلى الوراء ونفكر اليوم بآلية تعامل مع الدراما التلفزيونية تشبه آلية التعامل تلك!