2016/07/09

عباس كيارستمي
عباس كيارستمي

بوسطة - بشّار عبّاس

 ألا يقبل أحد هؤلاء بمبلغ جيّد من المال مقابل خدمة سهلة يُسديها للسيّد بادي؟ هل إلى هذه الدرجة صعبٌ أن يُهال التّراب على حفرة سيأتي ويقبع فيها ليلاً، وذلك بعد أن يتناول حبوباً للموت! الثلاثة الذين صادفهم غير مقتنعين بالأمر: المجنّد الكردي العائد مشياً إلى ثكنته العسكريّة البعيدة، اللاجئ الأفغاني طالب الشّريعة، والرجل الآذري الذي يعمل في متحف علوم طبيعيّة كمحنّط طيور؛ سيتركه المجنّد ويفرّ راكضاً من جانبه في سيّارته " الرانج روفر" عندما يفهم الأمر، وستفشل محاولات اقناع شاب يسعى أن يصبح رجل دين بفكرة الانتحار! أمّا الثّالث فيقبل، ليس لأنّه اقتنع، بل لأنّه بحاجة إلى المال من أجل عمليّة جراحيّة لابنه، تلك هي قصّة الفيلم التي أخذها المخرج الإيراني الكبير عبّاس كيارستَمي (1940-2016) إلى مهرجان كان سنة 1997، فعاد بالسّعفة الذهبيّة.

الفيلم سيُصبح ظاهرة عالميّة، وسيضيئ اسمه في الذّهن حالما تُذكر السّينما الإيرانيّة؛ وسيحظى بميزتين: الأصالة، والميزانيّة التي بلا أرقام دقيقة تعبّر عنها، ليس لأنّها باهظة، بل على العكس تماماً؛ هل كانت فقط حوالي "مائتي دولار" كما تقول اشاعة سرت في أروقة المهرجان؟ لعلّ التّكاليف اقتصرت على ثمن بنزين "الرانج" كما قال النّاقد الأمريكي روجر ايبرت؛ لا أحد يعلم، ولكنّ المؤكّد أنّ الفيلم سيُصبح مضرب مثل في محاضرات السيناريو، خصوصاً في جامعات الفيلم الأمريكيّة؛ فعندما يُريد معلّم أن يشرح لطلّابه بديهة يجب أن يحفظوها من الأيّام الأولى للدّرس، وهي أنّ "كلّ شيء يبدأ من النَصّ" فإنّه يقول سريعاً: انظروا إلى فيلم طعم الكرز.

الأصالة عند  مُخرج (لقطة قريبة - 1990) قائمة على الاستفادة والاقتباس من التّراث الشعري الفارسي القديم والمُعاصر؛ فكثيرٌ من مَشاهده يمكن التّعبير عنها بمقطع شعري، وهي شعريّة غير تلك المقصودة ب (شعريّة الصّورة)، إنّها شعريّة القصّة، وشعريّة ظروف الشّخصيّة، يكفي اسم مثل (ستحملنا الريح – 1999) الأقرب إلى عنوان قصيدة منه إلى اسم فيلم للإشارة إليها بوضوح، العلاقة بين الأدب والشّاشة تتضح في فيلم (أين بيت الصّديق - 1987) المأخوذ عن قصيدة للشّاعر الإيراني (سهراب سبهري) بعنوان "أين بيت الحبيب"، هناك مشهد فيلمي يحاكي المقطع التالي من القصيدة: ثمّ تمضي  إلى نهاية ذلك الزقاق الّذي يبدأ من خلف البلوغ / وتنعطف صوب وردة الوحدة / قبلها بخطوتين / تتوقّف عند نافورة الأرض الخالدة وينتابك خوف شفيف / وفي الفضاء ستسمع حفيفاً / وسترى طفلاً / يعتلي شجرة الصّنوبر وينتشل الفرخ من عشّ النّور / فاسأله : أين بيت الحبيب ؟ .

يمكن اصطلاح اسم آخر لهذه الشّعريّة؛ وهو شعريّة الأصالة، بمعنى أنّ الحلّ الإبداعي الأصيل هو الّذي يُحاكي الموقف الشّعري من العالم؛ والّذي يكون جديداً بالمطلق، يتعامل مع الحلول الإبداعيّة بطريقة "الإدراك الأوّلى"، فتظهر على شكل جرأة في اتّخاذ القرارات الإبداعيّة – الإخراجيّة، إنّه في كلّ عمل يقوم بإقصاء جميع ما قد يتسبّب به تاريخ الفيلم من تنميط، ليبدأ باكتشاف هذا الفنّ قصّةً بعد قصّة؛ خيار الموسيقى في "طعم الكرز" لم يكن خياراً سهلاً؛ لقد أخذه بناءً على احتماليّة الخشية من أن تقوم الموسيقى بمنافسة المؤثّر الصّوتي، ففي أحد مشاهد الذروة، يكون واضحاً صوت الأتربة والصّخور التي تفرغها الشّاحنة في مقلب الأتربة، والتي تنهال على ظلّه في استحضار قوي لهدف الشخصيّة بالعثور على من يدفنه، ولمقولة العمل، ذلك ما جعل المُخرج يقوم بحذف الموسيقى، وإلغاءها، فحقّق بهذا الإجراء أيضاً استحضاراً لأجواء الأفلام الوثائقيّة، واستفادةً من تناوب الصّمت مع المؤثّر الصّوتي المرتبط بالمضمون.

الموسيقى سوف تظهر فقط في الدقائق الأخيرة من النّهاية، عبر أغنية شعبيّة كانت رائجة في تلك الفترة للمغنّي الأفغاني (أحمد زاهر) وتقول كلماتها (فليحمك الله) في تضادّ كامل مع معاني الأغنية الأمريكيّة الأصل، والتي يؤدّيها المغنّي الأمريكي (لويس أرمسترونغ) تقول (هناك حيث لا شيء ينتظر إلّا الموت)، الأغنية التي أعجبت المجتمع الشرقي كلحن، والتي قام بتحويلها إلى ما يناسبه، تشبه كثيراً تجربة كيارستَمي مع الفنّ السّابع ذي المنشأ الغربي، لقد أخذه وأعاد توطينه بالكامل.

إنّ نهاية الفيلم أيضاً مغامرة إبداعيّة لم تكن سهلة؛ فيلم روائي يتحوّل إلى وثائقي في مشهده الأخير؛ الشخصيّة الرئيسة يخرج من بيته بعد تناول مسبّبات العدم، ويقصد في الليل إلى الحفرة المتّفق عليها، ويجلس، لا يُضيء وجهه غير برق رعود متناوبة لمطر ينهمر، يظهر ويختفي، يبدو وجهه ثمّ يتلاشى في  الظّلام، كحال الإنسان في الوجود، هنا يتوقّف الفيلم الروائي، تاركاً نهاية مفتوحة من نوع غير مألوف؛ إنّه تقريباً بلا نهاية، ولكنّ مشهداً وثائقيّا، وليس روائيّاً سيأتي؛ ما يظهر كنهاية هو فريق تصوير الفيلم قريباً من مكان الحفرة، في مُحيط لوني مختلف، ليس بنيّاً أصفراً مغبرّاً كما منذ بداية الفيلم، كاستحضار للحفرة والدفن، بل الآن أخضر في فصل الربيع أو الصيف، ومن ضمن فريق التّصوير يظهر المخرج، وهو يُعطي سيجارة في موقف حياتي يومي للممثّل (هومايون إرشادي)، الذي أدّى دور شخصيّة (بادي) ولكن هل انتحر؟ هل جاء الرجل الآذري وناداه وإذا لم يردّ أهال فوقه التّراب حسب الاتّفاق؟ لا نعلم، ما نعلمه أنّ ذلك كان (فيلماً روائياً) بعيد تماماً عمّا يقترحه هذا المشهد الوثائقي، أمّا الآن هناك حياة وممثّل يؤكّد أنّ فكرة الانتحار وإن راقت كموضوعة (روائيّة – خياليّة) فإنّ الحياة كموضوعة (وثائقيّة - واقعيّة) تبقى هي الحقيقة.

ما تقترحه النّهاية قريب من مضمون القصّة التي حكاها له الرّجل الأذري في السيّارة، وهي أنّه ذات يوم قرر الانتحار، وصعد الشّجرة ليربط مشنقته، ولكن مرور أطفال المدرسة جعله ينتظر كي لا يُشاهدوا هذا الأمر المروّع، وأثناء ذلك لمست يده شيئاً لزجاً؛ ثمرة كرز، فذاقها، ثم أكل واحدة اُخرى، فاستساغ الطعم، ولهذا توقّف عن الانتحار، لقد أنقذه (طعم الكرز) من الموت، هكذا هي الحياة بهذه البساطة الشّعريّة ليس إلّا، ولكنّ حكايته هذه لن تجدي؛ الرجل الذي لديه قصّة مقنعة سوف يقبل بالاتفاق، وهنا تحضر ثلاثيّة مختارة بعناية: كُردي، أفغاني، وأذري، في إحاطة اثنيّة – جغرافيّة للبلاد، وللقصّة أيضاً، فتبدو شديدة الصّلة بمجالها الحيوي.

الإخراج جاء بكلّ ما هو جديد وملائم؛ لقطة افتتاحيّة (كلوز آب) على نافذة سيّارة، كادر داخل كادر، يظهر فيها وجه رجل يجوب ويبحث عن شيء، الإجراء قد يبدو نافراً عن أسلوبين شهيرين عالمياً كبداية فيلم؛ إمّا لقطة بعيدة تأسيسيّة، أو قريبة، ثابتة لشيء، أو قريبة متحرّكة تُفضي إلى شخصيّة، أمّا هذه الطّريقة فقد دفعت الجمهور إلى جوف القصّة سريعاً، فلم يعد مهمّاً سؤال: لماذا يريد أن يُنهي حياته؛ إنّ فنّ القصّة في جوهره يهتمّ  بـ (كيف) أكثر من (لماذا)، لاحقاً حركة السيّارة، والعالم المرئي من خلال النافذة ينوبان عن حركات الكاميرا المرغوبة لكثير من المُخرجين، كالشاريو، والكرين، هناك كادر تشكّله النّافذة، مع فارق عن الشاريو باهتزاز بسيط تسببه العجلات على الأتربة،وهذا من صميم مشاعر الشخصيّة.

السيّارة التي يتناوب الشخصيّات الدّاعمة الثلاثة فيها على مقعد جانب السّائق، والّذين يحاول الشخصيّة الرئيسة في مقعد السائق اقناعهم بدفنه، سوف تؤخذ بحركة غاية في البساطة، وهي ( بان ) يمين أو يسار، ومن مسافة بعيدة بحجم عريض، فتختفي السيّارة للحظات وراء تلّة هنا، أو هضبة هناك، وتظهر من جديد، مثلما سوف يختفي هو تحت الأتربة، أو مثلما يطمح أن يُخفيه أحدهم، وذلك مع إبقاء صوت الحوار مسموعاً وواضحاً وهادئاً، يقع ذلك على شكل خديعة فنّيّة مشروعة، ومُبدعة، فالدّراما حركة، وهذا الحوار الطّويل يبتعد عن أنموذج الحوار الفيلمي الذي لا يتجاوز عادةً ربع أو ثلث 

طول السيناريو، ويقترب من المسرحي، ولكنّ تتبّع حركة السيّارة، وهي تظهر وتختفي، سوف يوحي أنّ الحركة الدّرامية على أحسن ما يُرام، وذلك في مونتاج يُراعي الإيقاع الهادئ، ويتجنّب تشتيت التركيز عمّا يُسمع، مهمّته الأولى كانت أن يترك للمادّة البصريّة – السمعيّة أن تنساب برفق، مراعياً مبدأ اللقطة – المرحلة، أو اللقطة طويلة الزّمن نسبيّاً.

إنّ المخرج الذي قال عنه جان لوك غودار "لقد بدأت السينما مع ديفيد جريفث وانتهت مع عباس كيارستمي" وقال عنه سكورسيزي "تمثّل أفلام كيارستمي أعلى مستوى فني في السينما" سيبقى حيّاً مثل أفلامه، إنّه المخرج الذي ترك للعالم سينما بطعم ولون ورائحة الكرز.