صناعة الدراما بين ضغط الوقت وارتفاع التكاليف؛ هل أصبحت الجودة أول الضحايا؟

الثلاثاء، ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
صورة غلاف مقالة صناعة الدراما بين ضغط الوقت وارتفاع التكاليف؛ هل أصبحت الجودة أول الضحايا؟

بينما تتسابق شركات الإنتاج على تقديم أعمال درامية ضخمة تستقطب اهتمام الجمهور، تتزايد التحديات الاقتصادية التي تواجه صناعة المسلسلات، من ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى ضيق الوقت المخصص للتحضير والتنفيذ.

وفي سوق تتسع فيه الاستثمارات وتتغير فيه أنماط المشاهدة، تبرز تساؤلات حول قدرة صُنّاع الدراما على تحقيق التوازن بين متطلبات المنافسة والإمكانات المتاحة، دون أن يأتي ضبط النفقات وتسريع وتيرة العمل على حساب الكتابة والمعالجة الفنية وجودة المنتج النهائي.

ارتفاع تكاليف الإنتاج

خلال ندوة أُقيمت ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، أشار المنتج محمد مشيش إلى اتساع الفجوة بين متطلبات سوق الدراما والإمكانات المالية المتاحة للإنتاج، موضحاً أن ميزانيات إنتاج الحلقات تراجعت، بحسب تقديره، من نحو 300 ألف دولار إلى 200 ألف، ثم إلى 150 ألف دولار. وربط مشيش هذه الضغوط، من بين عوامل أخرى، بالأزمات والحروب التي تشهدها المنطقة، مؤكداً أهمية إعادة النظر في إدارة الميزانيات وتحديد أولويات الإنفاق، بما يضمن الحفاظ على جودة الأعمال وتقدير جهود العاملين فيها.

في المقابل، تشير الأرقام المنشورة في صحيفة «النهار»، استناداً إلى تصريحات المنتجين صادق الصباح وجمال العدل، إلى أن حجم الإنتاج الدرامي العربي خلال موسم رمضان ارتفع من نحو 200 مليون دولار عام 2024 إلى 270 مليون دولار عام 2025. كما قدّرت التصريحات الزيادة في تكاليف إنتاج أعمال رمضان في مصر والمنطقة بنحو 60 إلى 70 مليون دولار، فيما تجاوز إجمالي الإنفاق السنوي على الصناعة 500 مليون دولار في عام 2025.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة تستحق التوقف عندها: ارتفاع الإنفاق الإجمالي على الصناعة لا يعني بالضرورة تحسّن الظروف المالية لكل إنتاج، ولا يضمن وحده انعكاس هذه الزيادة على جودة الأعمال المعروضة.

مسلسلات بميزانيات ضخمة

في مقابل الضغوط المالية التي تواجه بعض الإنتاجات الدرامية، شهدت المواسم الرمضانية أعمالاً رُصدت لها ميزانيات ضخمة. ومن أبرزها مسلسل «معاوية»، الذي عُرض في رمضان 2025، وتناول سيرة معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية، إذ قُدّرت ميزانيته بنحو 100 مليون دولار، وفق تقديرات إعلامية متداولة، ليكون من بين أضخم الإنتاجات الدرامية العربية من حيث التكلفة.

وفي سياق الإنتاجات ذات الميزانيات المرتفعة، أعلن رئيس الهيئة العامة للترفيه السعودية تركي آل الشيخ، عبر حسابه الرسمي على فيسبوك، عن مسلسل «الأمير»، واصفاً إياه بأنه «أضخم عمل درامي عربي»، بميزانية تصل إلى مليار و100 مليون جنيه مصري. ويتألف العمل من ست حلقات، وتدور أحداثه حول ضابط مصري يعيش بهوية مزدوجة، متخفياً داخل شبكة دولية معقدة من الصراعات السرية، وفق الإعلان عن المشروع. ويُنتَج بالتعاون بين الهيئة العامة للترفيه واستوديوهات صلة ومنصة «شاهد».

b28361d28e7625af1e61ee2ed0e54a57.jpg

أزمة النص والسيناريو

خلال الفترة الأخيرة، ومع ازدحام الأعمال الدرامية التي يجري تصويرها وعرضها خلال شهر رمضان، بزرت ظاهرة جديدة فرضها ضيق الوقت، وهي استكمال كتابة حلقات العمل أثناء التصوير، وهو ما يعرف داخل الوسط الفني بمصطلح "الكتابة على الهوا"، الأمر الذي اعتبره الكثير من صناع الدراما يؤثر سلباً على جودة الأعمال الدرامية، لعدم اكتمال صورة الشخصيات في أذهان الممثلين مما يصعب عليهم إعطائها الاهتمام الذي تستحقه.

الفنان يحيى الفخراني، وفي تصريحات صحفية عديدة، أكد أن قراءة السيناريو كاملاً شرط أساسي بالنسبة إليه قبل المشاركة في أي عمل يعرض عليه، ولا يبدأ قبل معرفة قصة العمل كاملاً منذ بدايتها وحتى نهايتها.

أما الفنانة إلهام شاهين، بررت خلال لقائها في برنامج ET بالعربي عدم مشاركتها في موسم رمضان المقبل 2023، بأنها رفضت أكثر من عمل لعدم اكتمال السيناريو، وعدم قدرتها على التماشي " مع موضة بدء التصوير قبل اكتمال السيناريو"، مشيرة إلى إصرارها على استلام حلقات كاملة، للبدء ببروفات وجلسات عمل مع المخرج والفنانين والمؤلف قبل بدء التصوير.

وفي تصريح سابق أكد الكاتب الراحل يسري الجندي ضرورة توفر وقت كاف لإعداد العمل الدرامي، وإتاحة مساحة لتصويره بتركيز، حتى تتم معالجة أي مشكلات أو خلافات داخل فريق عمل المسلسل، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك جلسات عمل تحضيرية للتفاهم في كل ما يخص العمل الدرامي، حتى يكون هناك اتفاق على كل التفاصيل قبل بدء التصوير.

سوق المنصات الرقمية

أحدث دخول المنصات الرقمية تغيراً جذرياً في صناعة الدراما العربية، وفرضت نمطاً إنتاجياً جديداً يعتمد على المسلسلات القصيرة (التي تتراوح بين 6 إلى 15 حلقة)، ربما استجابة لتغير عادات المشاهدة لدى الجمهور – ولا سيما الفئات الشابة – الذي أصبح يفضل الإيقاع السريع والتكثيف الدرامي دون مشاهد حوارية زائدة.

ولا يمكن الحديث عن تأثير هذه المنصات على الدراما العربية دون الحديث عن نسب المشاهدة التي تحظى بها هذه المنصات عالمياً، فعلى سبيل المثال وفقاً لمجموعة MBC، وصل عدد المشتركين في الباقات المدفوعة لـ "شاهد" إلى نحو 5 ملايين مشترِك بنهاية عام 2024، بزيادة قدرها 25.6 بالمئة على أساس سنوي، وسجلت المنصة 18.6 مليون مستخدم نشط شهرياً على الباقة المجانية المدعومة بالإعلانات مع إقبال المُعلِنين المتزايد على استخدام الباقة المجانية للمنصة.

وارتفعت إيرادات "شاهد" في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 بنحو 26 بالمئة لتصل إلى 1.02 مليار ريال سعودي (271 مليون دولار)، في حين تقلصت صافي الخسائر بشكل ملحوظ بنسبة تجاوزت 60 بالمئة على أساس سنوي.

وباتت هذه المنصات تعتمد بصورة متزايدة على تحليل بيانات المشاهدين وخوارزميات المشاهدة لتوجيه بوصلة الإنتاج نحو النوعيات التي تحقق أعلى تفاعل، وهو ما أعاد رسم خريطة العرض التلفزيوني، وبات الحكم في اختيار الأعمال مطابقتها مع هذه الخوارزميات، وربما على حساب جودتها.

أمام هذه المعادلة المعقدة، التي تحكمها ضغوط التمويل، وضيق الوقت، وهيمنة الخوارزميات الرقمية، قد يكون الخروج من أزمة "تراجع الجودة" لا يتطلب بالضرورة زيادة الميزانيات فقط، بل إعادة هيكلة إدارة العملية الإنتاجية من الأساس عبر منح الكُتاب والمخرجين المساحة الزمنية الكافية للتحضير والتنفيذ بعيداً عن ضغط التسليم المباشر، ويبقى النص الجيد والمعالجة الإنسانية العميقان هما الرهان الحقيقي للاستمرارية؛ فهل ينجح صناع الفن العربي في إعادة ضبط بوصلة الإنتاج لتصبح قيمة العمل المحرك المالي الأساسي، أم ستظل الجودة أولى الضحايا في طاحونة الوقت والتكاليف؟