رحباني بلا نكهة

الأربعاء، ٤ تموز ٢٠١٢ في ١:٥٧:٤٢ ص
صورة غلاف مقالة رحباني بلا نكهة

ماري روز نهرا – الكفاح العربي

عندما يأتي دون كيشوت الى جبيل، فارساً يوتوبياً يحارب الشر والفساد ويبحث عن حبيبته دولسينايا، فإنه يأتي بإطلالة لبنانية، ونص رحباني شارك منصور في نسجه. لكن العمل الرحباني الجديد يستحق التصفيق بقدر ما يستحق التأمل الهادئ في الثغرات التي انطوى عليها، وهي ليست قليلة. دون كيشوت الرحباني ليس نجاحاً حقيقياً، إنه نصف نجاح. كيف؟

الثلاثي الرحباني (مروان وغدي وأسامة) أراد "دون كيشوت" اللبناني فارس احلام في زمن الثورات العربية، مسرحية "تتنزه على حدود الفانتازيا والحلم الهارب فيها كل اشكال الجنون والرؤية الجديدة". وعندما مسرحوا رائعة سرفنتيس وعهدوا بدور البطولة الى رفيق علي أحمد، قصدوا بالفعل أن يخرجوا بنسخة جديدة مبتكرة للقصة الأشهر ربما في العالم التي تختصر التهكم في أدب الغرب.

وما الذي حصل؟

ما حصل بالفعل أن آلاف الذين توافدوا على جبيل، طوال الايام الستة التي استغرقها عرض المسرحية، صدموا مرتين: مرة لأن النص المسرحي كما كلمات الأغنيات، كان هابطاً فعلاً، وهو هبوط لم يعوضه صوت هبة الطوجي على أهميته، ومرة لأن "الرسالة" التي أراد الرحابنة نقلها الى الجمهور عبر محطات العمل الذي قدموه كانت باهتة باردة واهية الى حد بعيد.

ولا نبالغ اذا قلنا ان المسرحية، من أولها الى آخرها، تختصر في كلمتين: الرقص وهبة. الراقصون ملأوا الفراغ المسرحي طوال الوقت، وهبة حاولت وقد وفقت أحياناً أن تملأ كل الفراغات على مسرح جبيل الساحر، وأدت دورها بتفوق حقيقي، وكانت اكثر من حاضرة وبقوة، رغم كلمات الاغاني "الرخوة" والحوار الهزيل الفارغ أحياناً، ولولاها لترك الحاضرون مقاعدهم بعد الدقائق الاولى من بدء المسرحية.

صوت هبة وشكلها وحضورها كانت العوامل الأهم التي أنقذت "دون كيشوت" من السقوط الدراماتيكي المفجع نصاً وإخراجاً، ومع أن "الدون أسعد" (الاسم اللبناني لدون كيشوت) لم يفشل تماماً، فإنه لم يكن في مستوى المهمة التي أسندت اليه، وقد زاد من مشاكله في الأداء النص الهابط الذي طبع كل لحظات المسرحية، وهو نص يلامس المألوف اليومي في صالونات الثرثرة الرجالية وصبحيات الصالونات المرتجلة في المقاهي الشعبية.

نصف نجاح كان "دون كيشوت"، ونقولها بصراحة وصدق بعد انتهاء العروض. والفشل لا يمكن رده فقط إلى النزعة الشبابية الواضحة في الألحان والأداء، ومحاولة المزج غير الموفقة بين فنون شتى معاصرة، وتعمّد الابتعاد عن المدرسة الرحبانية الكلاسيكية، وإنما في المستوى الفني ككل الذي طبع المسرحية، واللقطات الاستعراضية التي لا يجمع بينها نمط واحد. ولولا الديكورات المتنوعة التي سمحت بملء المساحات بشكل لافت، وحولت انتباه الجمهور الى أمكنة متعددة، لكانت عناصر القصة فاضحة بالفعل، تماماً كطواحين الهواء التي تدور في الفراغات وتبحث عن فارس وهمي لا يأتي.

وليس مبالغة القول انه لولا لعبة الضوء وحركة الراقصين وأداء هبة الطوجي، لما كانت المسرحية تستحق أن تسمى عملاً رحبانياً. هبة (ديما في المسرحية) هي الفتاة الجامعية، وهي عاملة البار، وهي عشيقة حاكم المدينة الفاسد، وهي الحلم الذي يطارده "الدون أسعد" في يقظته وفي نومه، وهي أولاً وأخيراً الصوت الذي يعطي العمل الاستعراضي، بدينامية حقيقية رقصاً وأداء، مداه الأوسع.

هل سقط الثلاثي الرحباني في التجربة؟

الظن الراجح أنهم لم يكونوا في مستوى المهمة. الفانتازيا التي حرصوا على تقديمها أعطت المسرح الرحباني صبغة عصرية ربما، لكنها لم تعطه العمق الحقيقي الرحب الذي تعودناه، وغياب الرقصات  اللبنانية الفولكورية جرّد العمل من أبعاده التراثية، وتعدد الألوان أدى في النهاية الى تفكك واضح في اجزاء المسرحية، والأغنيات التي أريد لها أن تشكل اضافة الى الحوار كانت هي الحوار، لكن هزال الكلمات اساء الى صوت هبة بقدر ما أساء الى العمل ككل.

قد يقول البعض ان الجيل الرحباني الجديد يعمل على تطوير المسرح الرحباني القديم. هذا الكلام مشروع  من حيث الشكل، لكنه من الواضح ان تجربة الثلاثي الرحباني لم تنضج بعد، وأن الحرص على التنويع أفقد القصة حبكتها القوية، وخلخل مفاصل النص، وتعمّد البساطة في الأزياء (بقصد التوفير) أفقد المشهد القدرة على الإبهار، وهو إبهار كان يفترض أن يشكل إضافة لا بد منها لملء فراغات النصوص.

بكلام آخر، لم يلمس جمهور الرحابنة هذه المرة أن النسخة اللبنانية للرواية التي تضحك وتبكي موفقة، ولم يلمس أن لعبة الحلم محبوكة بعناية وذكاء، ثم انه لم يلمس ما اعتاده من إتقان في اعمال الرحابنة في حياة عاصي، وما اعتاده من نصف إتقان في حياة منصور... كان هناك صوت، وكان هناك ديكورات متنوعة، وكان هناك رقص، ولم تكن هناك مسرحية جيدة.

ولا نبالغ إذا قلنا ان التجربة الرحبانية الأولى في غياب المؤسسين عاصي ومنصور، كانت أقل من المرتجى.