الحرب لاتزال ملهمة السينما اللبنانية

الأربعاء، ٤ تموز ٢٠١٢ في ١:٥٩:٤٧ ص
صورة غلاف مقالة الحرب لاتزال ملهمة السينما اللبنانية

محمد رضا - دار الخليج

اثنا عشر فيلماً لبنانياً مشتركاً في دورة مهرجان دبي السينمائي الدولي الثامنة تعكس كم أن العمل السينمائي في شتّى حقوله وأقسامه يحظى بحب مجموعة كبيرة من الشبّان والعاملين في مختلف قطاعات العمل، من الكتابة إلى الإخراج ومن التمثيل إلى التصوير والمونتاج .

العناوين حين كتابة هذا التقرير لا تعني الكثير كون المتابع لم ير هذه الأفلام بعد، لكنها إذ تشكّل هذه النسبة العالية على صعيد دولة لا تملك اليوم تلك العجلة الصناعية النشطة والمؤسسة جيّداً، فإن ما تستقبله شاشة المهرجان أمر لافت للنظر . من بعض تلك العناوين “عمو نشأت” وهو تسجيلي لأصيل منصور، و”فندق بيروت”، روائي لدانيال عربيد و”سعيد بلقائك” لطارق الباشا ورودريك سليمان، و”يامو” لرامي” نحاوي .

إذا أضفنا كل ما جاءت عليه السينما اللبنانية من أفلام تعاملت والحرب الأهلية لوجدنا أنها شكّلت مجالاً واسعاً لطروحات مختلفة نظراً لاختلاف وجهات النظر وتعدد التحليلات والاهتمامات التي تحدو بكل مخرج لتناول تلك الفترة الداكنة من تاريخ لبنان الحديث، ألا وهي فترة الحرب الأهلية اللبنانية .

الواضع أنه عندما التهبت نيران تلك الحرب لست عشرة سنة، لم تسارع الكاميرا إلى تصوير الأحداث إلا في مطارح محدودة، لسببين مهمّين:

الأول يعود إلى هشاشة صناعة السينما اللبنانية أساساً على الرغم من أنها في الستينات من القرن الماضي شهدت ثبوتاً قوامه ستديوهان ناشطان وأفلام لبنانية محليّة وأفلام أخرى مشتركة بين لبنان ومصر وبين لبنان وسوريا . وكل هذا أفرز مواهب في كل خانة من خانات العمل السينمائي وإنتاجه . لكن نسبة الإنتاجات ما بين مطلع السبعينات وعام 1975 عندما انفجر الوضع لأول مرّة (قبل أن يخمد قليلاً ليفنجر مجدداً منتصف صيف العام التالي) كانت محدودة، وكانت واقعة بين تيّارين وتريد الإفلات منهما هما تيار الفيلم البديل القائم على الرفض التام للفيلم الجماهيري والفيلم الجماهيري الذي لا يعترف الا بنفسه .

السبب الثاني وراء تمهّل السينما اللبنانية لالتقاط نفس أحداث الحرب اللاهث، يعود إلى أن الحضور الطاغي للقتل والقتل المضاد والمعارك الشديدة التي التهمت الأحياء على اختلاف طوائفهم، لم تترك أمام السينمائي الواعي سوى الترقّب للوقت الصحيح لإطلاق الموقف الذي يراه صائباً او الهجرة بعيداً عن رحى الحرب لعله يستطيع الاستفادة من المسافة التي سترتسم بينه وبين وطنه وأحداث ذلك الوطن . كان الوقت مبكراً، لدى الأغلبية لتسجيل موقف لن يحسب إلا كنوع من “البروباغاندا” أو يُجيّر لحساب تيار سياسي أو آخر . حتى الأفلام القليلة التي تم صورت خلال الحرب وعنت بجدية الوضع، ومنها، على سبيل المثال، “الملجأ” لرفيق حجار (1980) و”بيروت اللقاء” لبرهان علوية (1981) و”القنّاص” لفيصل الياسري (1981) حرصت على وضع مسافة كافية بين الاتجاهات السياسية والبقاء في حيّز محدود من الاستقلالية السياسية وعدم التبعية . أيضاً تكاثرت في السنوات الأخيرة الأفلام التي عادت إلى مرحلة تلك الحرب بالتحديد مثل “كل يوم عيد” لديما الحر و”وهلأ لوين؟” لنادين لبكي .

في عام 1973 قام المخرج الجديد مارون بغدادي بتصوير فيلمه الأول “بيروت يا بيروت” الذي اعتبره كثيرون نوعاً من التنبؤ بالحرب المقبلة . لكن على المرء أن يكون حذراً تجاه هذه التسمية وألا يستخدمها بحرية كما الحال في الآونة الأخيرة التي كثر الحديث فيها عن أفلام بعينها تنبأت بهذه الثورة أو تلك .

فيلم ماروق بغداد كان قراءة اجتماعية لواقع معاش في طبقة اقتصادية ودينية معينة . إنها عائلة مسيحية ثرية تتعامل والغيتو الذي تعيش فيه من دون أن تعمد لفتح الباب للخروج منه على غرار ما فعله المخرج نفسه حين خرج من البيئة ذاتها وأم البيئات الأخرى بانفتاح وعالجها في أكثر من فيلم لاحق .

بعد ذلك تكاثرت الأفلام التي تعاطت الحرب المذكورة أو تناولت ما بعدها من آثار أو تلك الحروب الأخرى التي وقعت في لبنان كما الحال في “تحت القصف” لفيليب عرقتنجي و”بيروت الغربية” لزياد الدويري و”خلص” لبرهان علوية وبالطبع “وهلأ لوين” لنادين لبكي . هذه الأفلام ونحو خمسين أخرى روائية وتسجيلية أدّى إلى إثراء التجربة الشاملة التي آلت إلى حكايات وموضوعات مختلفة كما إلى أساليب عمل وتعبير أكثر تبايناً .