2012/07/04

السيناريو .. ذلك الساحر الغامض !!
السيناريو .. ذلك الساحر الغامض !!


عمر محمد جمعة - البعث


لعلّ ما يلفت الانتباه في المشهد الدرامي اليوم أن شريحة لا يستهان بها من الشباب والشابات، استبدّت بهم رغبة الكتابة وغواية الشهرة حدّ الهوس والجنون، فراحوا يعرضون أفكارهم ورؤاهم على هذا الكاتب وذلك السيناريست أو المخرج، ويبحثون في أروقة ومكاتب شركات الإنتاج عمّن يفتح لهم “طاقة الفرج” ليقفوا في الصف ذاته الذي يقف فيه هاني السعدي وحسن.م.يوسف وأمل حنا وفؤاد حميرة ونجيب نصير ومروان قاووق وأحمد حامد وسامر رضوان وسواهم، بعد أن نال المذكورون الشهرة التي منحتهم إياها أعمالهم على اختلاف مقولاتها ودرجة قبولها وتلقيها لدى المشاهدين.

والمستغرب أكثر أن ينبري بعض الشباب إلى كتابة عشرات بل مئات الصفحات، واجتراح أضغاث قصص وحكايات، وتدبيج حوارات ساذجة بسيطة، وفي ظنّهم أن ما كتبوه ستتلقفه شركات الإنتاج وتتسابق لاقتنائه والبحث عن مخرج ينفذه ويتبناه، بل إن البعض راح يسفّه هذا الكاتب أو ذلك المخرج، ويتهمه بقصور الرؤية والتكبّر، مستنكراً متذمراً من ملاحظاتهم التي أحبطته وجعلته ينكفئ عن متابعة ومقاطعة المسلسلات السورية، وفي طليعة تلك الملاحظات -التي نجزم أنها محقّة- أن الرغبة في الكتابة وحدها لا تشفع لأي امرئ أن يكون كاتباً درامياً، لأن الكتابة فن وموهبة وثقافة، وليست حماسة واندفاعاً وراء الشهرة أو حتى المال!!.

أما الأشدُّ فداحة وأسفاً، فهو النوادر التي نطالعها في بعض الصحف والمجلات وعلى صفحات الانترنت، من أن كثيراً ممن عملوا بأعمال هامشية في الدراما التلفزيونية يعلنون بين فترة وأخرى عن إقامة دورات وورشات لكتابة السيناريو للراغبين، ليتدافع الشباب والشابات وراء ذلك الوهم الذي يستيقظون في نهايته على سراب وأحلام مؤجلة، أنهم كانوا فقط ضحية طموحهم الورديّ بأن يُكتب على شارة أحد المسلسلات: قصة سيناريو وحوار فلان ابن فلان، وأن اندفاعهم أوقعهم بين أيدي أناس يصحّ فيهم القول: “فاقد الشيء لا يعطيه”!.

بعض أولئك الشباب حدثنا عن مغامراته في الكتابة وقصصه مع شركات الإنتاج، وكيف نصحه كاتب معروف أن يبحث عن كتاب “أسس كتابة السيناريو” لمؤلّفه سد فيلد الذي قدّم فيه خلاصة قراءته لألفي نص سينمائي أحالتها إليه شركات سينمائية أمريكيّة كبرى، كما أشار إليه كاتب ثانٍ بضرورة مشاهدة ومراجعة ما كتبه الكاتب والسيناريست المصري الراحل أسامة أنور عكاشة الذي ألّف: الراية البيضا، وقال البحر، وعصفور النار، وضمير أبلة حكمت، وليالي الحلمية، وأرابيسك، وزيزينيا.. وغيرها. فيما اقترح مخرج آخر أن الأفضل والأقرب إليه أن يتابع ما كتبه حسن.م. يوسف، أو هاني السعدي، أو ممدوح حمادة وغيرهم من الكتّاب السوريين.

لكل أولئك المندفعين نقول: إن الكتابة لا يعلّمها أستاذ أو كاتب محترف أو مخرج ذو قامة عالية، مع إقرارنا بأهمية الدراسة الأكاديميّة، إنما هي موهبة فطرية تصقلها التجربة والقراءة والاطلاع على مختلف الفنون والآداب، لأن المطلوب من الكاتب الدرامي أن يكون باحثاً ومؤرخاً وطبيباً ومحلّلاً نفسياً وصحفياً وناقداً ومدرّساً، ولدية القدرة على تقمّص أنبل الشخصيات وأقذرها، ولاسيما إذا علمنا أن أسامة أنور عكاشة مثلاً درس العلوم الاجتماعية والنفسيّة بجامعة عين شمس، وعمل مشرفاً اجتماعياً في مؤسّسة لرعاية الأحداث، ومدرّساً في إحدى مدارس أسيوط، وله مجموعات قصصيّة منها (خارج الدنيا، مقاطع من أغنية قديمة) وروايات أهمها (أحلام في برج بابل، ومنخفض الهند الموسمي، وهمس البحر، وتباريح خريفيّة، ووهج الصيف). وكان يكتب مقالاً أسبوعياً في جريدة الأهرام المصرية، إضافة إلى مئات الندوات والمشاركات حول الفن والدراما والكتابة التلفزيونيّة.

أما سد فيلد فيقول: إن كتابة السيناريو هي مهارة وفن، وكتبي في كتابة السيناريو استلهمتها من تجربة المخرج الفرنسي الكبير جان رينوار وكلمته التي مفادها أن الفيلم يفترض أن يكون مشابهاً لفعل  الثورة.. كتّاب السيناريو يجب أن يأخذوا في مسؤولياتهم التأثير بالمشاهدين من خلال فعل الثورة: أن يفكّروا، أن يشعروا، أن يبدعوا عاطفياً. فيما يرى الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز أن كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة، والمهمُّ بالنسبة لكاتب السيناريو هو اكتشاف تلك التقنيّة.

وفي سورية هل يكفي أن نذكّر أن عبد النبي حجازي الذي كتب “الهراس” أول مسلسل سوري بالألوان، و”هجرة القلوب إلى القلوب” قد كتب في الرواية (قارب الزمن الثقيل، السنديانة، الياقوتي، الصخرة، حصار الألسن، المتألق، صوت الليل يمتد بعيداً، زهر الرمان). وأن عبد العزيز هلال الذي لمع نجمه في الستينيات والسبعينيات مع مسلسل "أسعد الوراق" وأجزاء "سيرة بني هلال" و"دليلة والزيبق" ومن ثم "المجنون طليقاً" و"الهجرة إلى الوطن" وكان من مؤسّسي الدراما التلفزيونية في تحوّلاتها الجديدة ومفارقتها للإرهاصات الأولى، وبعده داوود شيخاني في "حرب السنوات الأربع" و"بصمات على جدار الزمن" قد نقّبا في التاريخ وحكاياته وأسراره وأساطيره التي وظّفوها في أعمال تعدّ من الكلاسيكيات الخالدة للدراما السورية. وأن حسن.م. يوسف قبل أن يكون كاتباً درامياً هو قاص وصحفي كتب في القصة (العريف غضبان، وقيامة عبد القهار عبد السميع، والآنسة صبحة، وعبثاً تؤجل قلبك، وأبٌ مستعار). كذلك من كتّاب العقد الأخير فؤاد حميرة، صاحب المسلسلات ذات الجرأة العالية، الذي قضى حوالى ربع قرن في العمل المسرحي كتابة وتأليفاً وتمثيلاً، وفادي قوشقجي الذي قدّم "على طول الأيام" و"فجر آخر" و"ليس سراباً" و"عن الخوف والعزلة" له في الرواية (خريف الأحلام، وأطياف الشمس) وسامر رضوان الذي كتب "لعنة الطين، وولادة من الخاصرة" هو شاعر وإعلامي قبل أن يكون كاتباً درامياً.

إذاً وتأسيساً على ما ذكرناه، فإن السيناريو ذلك الساحر الغامض الذي أوقع الشباب والشابات في غوايته وهواه، هو فنٌ صعبٌ يستدعي أن يكون كاتبه موهوباً مثقّفاً يسير إلى هدفه بمنطق العقل لا بمنطق الحماس والرغبة المستبدّة بالكتابة.. وإلا فإن استسهاله هو زيادة في إغراقنا بمستنقع الاجترار المجاني وتكرار الأفكار التي تتخمنا برداءتها وسطحيتها بعض مسلسلات هذه الأيام!.