2012/07/04

«صوت الناس وصورة الحياة».. شيزوفرينيا الخطاب الإعلامي..
«صوت الناس وصورة الحياة».. شيزوفرينيا الخطاب الإعلامي..


سامر محمد إسماعيل – تشرين

حققت قناة «الدنيا» منذ انطلاقتها نجاحاً لافتاً على صعيد صياغة شخصية إعلامية جديدة خارج تنميط الرصانة الرسمية، لإعلام بقي في ثلاجاته البصرية والفكرية والمهنية سنوات طويلة

، فكانت قناة «الدنيا» خطوة نحو التمرد على التجهم والتحنيط، والأهم من ذلك، أن الفضائية السورية الصاعدة في سماء البث العربي خرجت من آفة لطالما عانى منها إعلامنا الوطني تمثلت في نصف قرن من مخاطبة الذات، فالخروج من مونولوج «الفصاحة والخطابة» رغم الآفاق العربية التي من الممكن أن يحظى بها التلفزيون العربي السوري لم يكن سهلاً، الخروج من ببغائية النشرات الإخبارية وتقريريتها، ومن إقناع الرأي العام المحلي نحو تلفزيون لكل العرب من دمشق أمر ليس بالهين، تلفزيون قادر على التأثير في المشاهد المحلي واسترداده من عالم الإعلام النفطي الرأسمالي كان في حد ذاته مغامرة.

طبعاً، الإعلام السوري الطالع اليوم من «مونولوجيته» مع أزمة أصابت البلاد منذ سنة ونصف تقريباً فاجأ الكثيرين، وتحدى نفسه بإمكانات متواضعة أمام غيلان البث الحصري و«جزر الموت» لكن ما يلفت الانتباه هو فصامية الخطاب الإعلامي، هذه الفصامية التي تتجلى واضحة في شعار جميل ومؤثر قدمت قناة الدنيا نفسها من خلاله: «صوت الناس وصورة الحياة» فعلاً جملة دعائية ذكية لولا أنها لا تنسجم مع كل ما تطرحه (الدنيا)، وهي تصر على تقديم برامج بعيدة كل البعد عن «صوت الناس» وبعيدة كل البعد عن «صورة الحياة» وعلى عكس ما تقدمه في نشراتها الإخبارية، وفي تقارير مراسليها، فمن الناحية البرامجية تبدو وكأنها قناة أخرى لبلد آخر.. خذ مثلاً برنامج «ويك إند» و«شباب تيوب» وهذا الغرام العجيب بطرائف العالم، هذا الاهتمام المتزايد بسوق الأفلام الأمريكية دون سواها على شاشة قناة «الدنيا» فالمتابع لحلقات برنامجها الأسبوعي «سينما إن» لا يجد فيها إلا نسخة عن برامج مشابهة على قنوات شبكة «إم بي سي» السعودية، الفضاء العربي الأوسع للترويج لصناعة السينما الأمريكية، فيما يتم إهمال بقية سينمات العالم تحت ذريعة مصطلح عجيب تعلنه الزميلة تولين مصطفى مقدمة «سينما إن» تحت عنوان «السينما العالمية» وكأن هذه «العالمية» هي حكر على سينما السوق الأمريكية السوداء.. مفارقة لا يمكن تجاهلها في فقرات «سينما إن» التي تتدبر أمرها من مواقع إلكترونية عارضةً أفيشات بصرية إعلانية عن أكثر أفلام السينما الأمريكية إيراداً في صالات العالم، فتقدم فيلماً عن فتاة مغرمة بمصاص دماء، وعن رجال يستذئبون لحظة اكتمال البدر كأيقونة بصرية لا ترد، وما على جمهور العالم الثالث إلا التهامها والبحث عنها لمشاهدتها بأي ثمن سواء عبر القرصنة أو بالذهاب إلى هوليوود!.

المشاهد العربي والسوري تحديداً يتعرض لما يشبه تنميطاً جديداً من نوعه بعد أن تمت مصادرة وعيه على أن السينما هي أفلام أمريكية بإنتاجات مالية ضخمة تحصد ملايين الدولارات في شباك تذاكر «الصالات العالمية» وتتسابق أسبوعياً في فقرة «توب 10» -طبعاً تتسابق مع نفسها، وخارج أي منافسة مع سينما أخرى، ففي فقرات «سينما إن» الذي يعده عبد الهادي عثمان لا وجود لسينما سورية أو عربية أو لاتينية أو فرنسية أو روسية أو إيطالية أو إيرانية، فسينما «الإن» هذه لا تعترف بوجود أفلام خارج استوديوهات هوليوود، هذه الاستديوهات التي ما برحت تصدّر نماذج دموية غاية في الغرابة، فمن أفلام مصاصي الدماء التي دفعت بطلاب أمريكيين في حوادث مؤلمة إلى محاكاتها والحلم بالتحول إلى «دراكولات» معاصرة بشرب دماء رفاقهم مؤديةً بهم إلى المشافي؛ إلى إنتاج جديد لرجال عناكب يقفزون من ناطحة سحاب إلى أخرى بقدرة قادر، إلى أفلام القتل والعملاء السريين والمزدوجين.. بصرية سينمائية تعكس عنفاً غير مسبوق، وتبثها قنوات عربية اختصت بها «إم بي سي 2» و«ماكس» وسواهما إضافةً إلى أفلام خاصة عن «مأساة جنود أمريكيين يقتلون على أيدي إرهابيين عراقيين أو يعانون في جبهات قتالهم من جوعهم إلى شطائر العمين كنتاكي وماغدونالد»! «سينما إن» يقلد على الأرجح موجة قنوات عربية أخرى، لكنه ليس برنامجاً بقدر ما هو إعلان مبطن لسينما العنف، سينما الرعب والدم والرصاص والفتك، سينما لطالما أقصت تجارب سينمائية مهمة حتى في أمريكا نفسها،

سينما العولمة هذه لا تعترف بأي مقترح آخر، ورواجها اليوم على شاشات الفضائيات العربية ليس غريباً، فهي تحتل صدارة دور السينما حتى في أوروبا ذاتها، والجمهور هناك لم يعد يشاهد أفلامه الوطنية إلا على صعيد المهرجانات السينمائية، فسينما الشعوب غير متاح لها أن تدخل سباق «التوب10» فهي متروكة على الأغلب لدور عرض مظلمة، أو لمناسبات كرنفالية خاطفة. المفارقة على قناة «الدنيا» هي عدم تجانس خطابها الإعلامي مع برامجها في المنوعات الأرستقراطية، فمع أنها ترفع شعار «صوت الناس وصورة الحياة» لكنها تنسى أن صوت هؤلاء الناس وصورتهم لا يمكن أن يكونا عبر نماذج أفلام شرب الدماء هذه، ولا عبر برامج «الشي شيك» وسواها مما يتم جمعها من هنا وهناك عبر وكالات الأنباء العالمية ومحطات التلفزة الدولية على أنها تهم الشريحة الأوسع من الجمهور، ولاسيما في أيام الأزمة، ولا يمكن لعلي ديوب مخرج «سينما إن» أن يبقى مصراً على إخبار مشاهديه بمتابعة هذا النوع من السينما تحت حجة تنوع الجمهور وتعدد رغباته، فكما يوجد مُشاهد يحب أفلام القتل يوجد أيضاً مشاهد يحبُ أن يتابع سينما تحترم عقله ومشاعره، وإلا سيفكر هؤلاء بأن برنامج «سينما إن» ما هو إلا إعلان مدفوع الثمن لسينما لا تريد دولاً بقدر ما تسعى لأسواق لا يرفع في سمائها إلا علم «البيبسي كولا». ولا يمكن كذلك لـ«شباب تيوب» و«شي شيك» أن تكون من أقرباء «صوت وصدى» و«الساعة الحرة» وسواها من البرامج التي تلقى جمهوراً متزايداً في سورية وخارجها، فأين «صورة الناس» أين «صوتهم» في برامج تناقض ما ترفعه «الدنيا» خاصة وهي ترد على تلفزيونات الآخرة..